مقبرة الإسكندر الأكبر بين سيوة والإسكندرية.. قراءة علمية فى الأدلة التاريخية والأثرية

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تتجدد من وقت إلى آخر قضية مقبرة الإسكندر الأكبر، فتظهر فرضيات تربط مكان دفنه بمناطق مختلفة من مصر، ومن بينها واحة سيوة. ومهما كانت جاذبية هذه الفرضيات إعلاميًا، فإن التعامل العلمي معها يقتضي التمييز بين حقيقة ارتباط الإسكندر بسيوة وبين مسألة مكان دفن جثمانه. فارتباط شخصية تاريخية بموقع ديني أو سياسي لا يكفي، في حد ذاته، لإثبات وجود مقبرتها في الموقع نفسه.

اقرأ أيضا: محللة سياسية: نتنياهو يتحدى ترامب ويضر بالحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة

يُعد الإسكندر الأكبر من أكثر الشخصيات التاريخية ارتباطًا بمصر. دخل البلاد سنة 332 قبل الميلاد، وبعد وصوله إلى مصر اتجه إلى منطقة منف، ثم قام برحلته الشهيرة إلى واحة سيوة، حيث زار معبد آمون. وقد اكتسبت هذه الزيارة أهمية دينية وسياسية كبيرة في بناء صورة الإسكندر بوصفه ملكًا ذا شرعية استثنائية في مصر والعالم الهلنستي. غير أن المصادر القديمة لا تقدم دليلًا موثوقًا يربط بين زيارته لسيوة وبين دفنه فيها بعد وفاته.

توفي الإسكندر في بابل سنة 323 قبل الميلاد عن عمر ناهز 32 أو 33 عامًا، وتعددت التفسيرات القديمة والحديثة لسبب وفاته. ومن الناحية العلمية، لا يمكن الجزم بأن الملاريا كانت السبب المؤكد للوفاة؛ فقد طرحت الدراسات التاريخية والطبية الحديثة احتمالات أخرى، من بينها أمراض معدية أو حمى مرتبطة بمرض آخر. ولذلك ينبغي التمييز بين الفرضيات الطبية وبين الحقيقة التاريخية الثابتة، وهي أن الإسكندر توفي في بابل وأن جثمانه أصبح بعد ذلك موضوعًا لصراع سياسي بين خلفائه.

وكان جثمان الإسكندر ذا قيمة رمزية وسياسية هائلة. فقد كان الاحتفاظ به يمثل امتلاك جزء من شرعية الملك الذي أسس إمبراطورية واسعة وربط بين مقدونيا ومصر وبلاد الشرق. وتشير المصادر القديمة إلى أن الجثمان أُعد لنقله في موكب جنائزي ضخم، ثم انتهى به الأمر إلى مصر في سياق الصراع بين قادة الإسكندر. ويرتبط اسم بطليموس الأول سوتير ارتباطًا وثيقًا بوصول الجثمان إلى مصر، حيث تذكر التقاليد التاريخية أن الجثمان دُفن أولًا في منف قبل نقله إلى الإسكندرية.

وهذه النقطة مهمة للغاية في مناقشة فرضية سيوة. فإذا كان جثمان الإسكندر قد وصل إلى مصر ونُقل إلى منف ثم إلى الإسكندرية، فإن وجود أدلة تاريخية قوية على هذا المسار يجعل فرضية دفنه النهائي في سيوة بحاجة إلى دليل أثري استثنائي يتجاوز مجرد الارتباط الديني بين الإسكندر ومعبد آمون.

وفي الإسكندرية، ارتبط قبر الإسكندر بما عرف باسم السوما أو السيما، وهو الضريح الملكي الذي أصبح من أهم المعالم الجنائزية في المدينة القديمة. ولم يكن هذا الضريح مجرد قبر لشخصية تاريخية، بل كان مؤسسة رمزية ارتبطت بالأسرة البطلمية وبشرعية الحكم في مصر. ومن خلال وضع الإسكندر في قلب العاصمة الجديدة التي حملت اسمه، استطاع البطالمة أن يربطوا دولتهم بإرث الفاتح المقدوني.

وتكتسب الشهادات القديمة حول زيارة قبر الإسكندر أهمية كبيرة في تحديد موقعه العام. فقد تحدثت المصادر عن زيارة يوليوس قيصر لقبر الإسكندر في الإسكندرية سنة 48 قبل الميلاد، كما ارتبط أغسطس بزيارة الضريح بعد انتصاره على أنطونيوس وكليوباترا. وفي القرن الثالث الميلادي، زار الإمبراطور كاراكلا الإسكندرية وكان معروفًا بإعجابه الشديد بالإسكندر، كما ارتبط اسمه بزيارة قبره.

هذه الشهادات لا تعطينا بالضرورة الإحداثيات الدقيقة للقبر، لكنها تؤكد حقيقة أساسية: كان هناك قبر معروف للإسكندر في الإسكندرية وظل معروفًا لقرون بعد وفاته.

وهنا تكمن المشكلة الأثرية الكبرى.

كيف اختفى قبر كان من أشهر معالم العالم القديم؟

الإجابة لا تحتاج بالضرورة إلى افتراض انتقاله إلى مكان بعيد. فالإسكندرية القديمة تعرضت لتحولات عمرانية وجيولوجية وديموغرافية ضخمة على مدى قرون طويلة. فقد شهدت المدينة زلازل وانهيارات وتغيرات في خط الساحل وارتفاعًا أو انخفاضًا في بعض المناطق، فضلًا عن إعادة استخدام المباني والأحجار، وتحول أجزاء واسعة من المدينة القديمة إلى طبقات مدفونة تحت المدينة الحديثة.

ولهذا يمكن النظر إلى البحث عن مقبرة الإسكندر باعتباره بحثًا عن جزء مفقود من الخريطة العمرانية للإسكندرية القديمة، وليس مجرد بحث عن غرفة جنائزية منفردة.

ومن هنا تأتي أهمية السوما.

إذا أمكن تحديد موقع المجمع الملكي البطلمي بدقة أكبر من خلال المصادر النصية، والخرائط التاريخية، واللقى الأثرية، والدراسات الجيوفيزيائية، فإن احتمال تحديد المنطقة التي احتوت على مقبرة الإسكندر سوف يزداد بصورة كبيرة. أما البحث عن مقبرة منفردة دون إعادة بناء السياق الحضري الذي كانت تقع فيه، فقد يؤدي إلى نتائج مضللة.

أما التابوت الحجري الذي ارتبط في بعض الروايات الشعبية باسم الإسكندر، والذي عُثر عليه في منطقة العطارين بالإسكندرية في أثناء الحملة الفرنسية، فإنه يقدم مثالًا مهمًا على ضرورة الفصل بين الرواية الشعبية والدليل الأثري.

فقد نُسب التابوت في مرحلة مبكرة إلى الإسكندر، لكن قراءة النصوص المصرية القديمة عليه أظهرت ارتباطه بالملك نختنبو الثاني، آخر ملوك الأسرة الثلاثين المصرية. وبالتالي فإن هذا التابوت لا يمكن استخدامه بوصفه دليلًا على العثور على جثمان الإسكندر أو مقبرته.

وتكمن أهمية هذه القصة في أنها توضح كيف يمكن أن تتكون الأسطورة الأثرية. فغياب القدرة على قراءة النص في لحظة العثور على الأثر يسمح أحيانًا بظهور تفسير يقوم على الذاكرة المحلية أو الرواية المتوارثة. لكن علم الآثار الحديث يمتلك أدوات أكثر دقة، ويستطيع أن يختبر تلك الروايات من خلال النقوش والسياق الطبقي والتحليل المعماري والتاريخي.

أما سيوة، فقد دخلت بالفعل في تاريخ البحث عن مقبرة الإسكندر في العصر الحديث. وفي تسعينيات القرن العشرين ظهرت فرضيات ربطت بين بعض منشآت منطقة المراقي واحتمال وجود مقبرة للإسكندر. وأثارت هذه الفرضيات اهتمامًا إعلاميًا وأثريًا كبيرًا، لكنها لم تتحول إلى إثبات علمي نهائي لموقع المقبرة.

وهنا يجب التأكيد على مبدأ أساسي في علم الآثار: عدم إثبات الفرضية لا يعني إثبات نقيضها، لكنه يعني ببساطة أن الأدلة المتاحة لا تسمح حتى الآن بتحويل الفرضية إلى حقيقة علمية.

ومن ثم فإن الإعلان عن احتمال اكتشاف مقبرة الإسكندر في سيوة يجب أن يخضع للمنهج نفسه الذي تخضع له أي فرضية أثرية أخرى. المطلوب هو وجود مجموعة مترابطة من الأدلة، مثل النقوش، والعناصر المعمارية، والمواد الجنائزية، والقرائن الزمنية، والارتباط الواضح بالأسرة البطلمية أو بالشخصية المدفونة، إلى جانب السياق الأثري السليم.

أما مجرد وجود منشأة كبيرة أو معمار جنائزي أو رموز دينية مرتبطة بالإسكندر، فلا يكفي وحده لإثبات أنها مقبرته.

والأمر نفسه ينطبق على مقبرة كليوباترا السابعة في تابوزيريس ماجنا. فقد أثارت الفرضية اهتمامًا عالميًا، واستمرت أعمال التنقيب والدراسة في الموقع، لكن العلاقة بين الموقع ومقبرة كليوباترا لم تتحول حتى الآن إلى حقيقة أثرية مثبتة. وهذه الحالة تقدم درسًا مهمًا: شهرة الشخصية التاريخية لا تجعل أي موقع يرتبط بها مرشحًا مؤكدًا لمقبرتها.

وفي رأيي، فإن مستقبل البحث عن مقبرة الإسكندر في الإسكندرية يجب أن يعتمد بصورة أكبر على التكنولوجيا الحديثة. فالإسكندرية القديمة تحتاج إلى مشروع علمي واسع لإعادة بناء خريطتها العمرانية ثلاثية الأبعاد، اعتمادًا على النصوص القديمة، والخرائط التاريخية، ونتائج الحفائر السابقة، والدراسات الجيوفيزيائية، والتصوير الجوي، والاستشعار عن بعد، والرادار المخترق للتربة، ونظم المعلومات الجغرافية.

وقد يكون من الضروري أيضًا إعادة تقييم المناطق التي شهدت عمليات عمرانية كثيفة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، لأن بعض أجزاء المدينة القديمة ربما لا تزال محفوظة تحت طبقات المدينة الحديثة.

وفي هذا السياق، يمكن أن تكون مناطق وسط الإسكندرية، ومن بينها محاور مرتبطة بشبكة المدينة البطلمية والرومانية، أكثر أهمية من البحث عن موقع بعيد لمجرد ارتباطه برحلة أو حادثة في حياة الإسكندر.

اقرأ أيضا: مكتب التنسيق: إتاحة تعديل رغبات الطلاب حتى موعد غلق المرحلة الثانية

ومن الضروري كذلك إعادة قراءة المصادر القديمة قراءة نقدية. فالمصادر التي تتحدث عن قبر الإسكندر لم تكن جميعها معاصرة له، وبعضها كتب بعد الأحداث بقرون. ولذلك يجب مقارنة الروايات بعضها ببعض، وتحديد ما هو ثابت وما هو تقليدي وما هو نتيجة لإعادة صياغة الذاكرة التاريخية.

إن مقبرة الإسكندر ليست مجرد قضية أثرية؛ إنها أيضًا قضية تتعلق بتاريخ الإسكندرية نفسها.

فالعثور عليها لن يضيف فقط قبر شخصية تاريخية عظيمة، بل سيساعد على إعادة فهم تخطيط المدينة الملكية، وعلاقة القصور والمقابر الملكية والميناء والمناطق المقدسة، وربما يقدم معلومات جديدة عن الطريقة التي استخدم بها البطالمة ذاكرة الإسكندر لتأسيس شرعيتهم السياسية.

ومن هنا، فإن السؤال العلمي الأدق ليس: هل توجد مقبرة الإسكندر في سيوة أم الإسكندرية؟

بل: أي موقع يمتلك أكبر مجموعة من الأدلة التاريخية والأثرية المستقلة التي يمكن اختبارها علميًا؟

وفق الأدلة التاريخية المتاحة، تظل الإسكندرية المرشح الأقوى لموقع الدفن النهائي للإسكندر الأكبر، بينما تحتاج فرضية سيوة إلى أدلة أثرية جديدة وحاسمة حتى يمكن إعادة تقييمها. ولا توجد، حتى الآن، أدلة منشورة تسمح بإعلان اكتشاف مقبرة الإسكندر في سيوة باعتباره حقيقة علمية مكتملة.

وربما يكون أعظم تحدٍ أمام علماء الآثار اليوم أن يتوقفوا عن البحث عن “الإسكندر الأسطوري” وأن يبحثوا عن “الإسكندر الأثري”: عن طبقة، ونقش، وتابوت، وسياق معماري، ودليل يمكن اختباره.

فالإسكندر مات منذ أكثر من ألفي عام، لكن قصته لم تمت.

وربما يكون قبره لا يزال موجودًا في مكان ما تحت الإسكندرية.

وربما ينتظر بالفعل سعيد الحظ الذي يعثر عليه.

لكن عندما يأتي ذلك اليوم، لن يكون الحظ وحده هو الذي اكتشف الإسكندر.

سيكون العلم هو الذي أثبت أنه هو.

اقرأ أيضا: مصدر أمني ينفي التعدي على محكوم عليهم بالإعدام بأحد مراكز الإصلاح والتأهيل

‫0 تعليق