
يرى المحاضر في كينغز كوليدج لندن، روب غيست بينفولد، أن مساعي “إسرائيل” لتصنيف قطر دولة معادية لن تنجح على الأرجح، رغم تصاعد العداء السياسي تجاه الدوحة، مشيراً إلى أن المصالح المتبادلة بين الجانبين ستفرض على أي حكومة إسرائيلية مقبلة الإبقاء على قنوات التواصل معها.
اقرأ أيضا: القناة 13 الإسرائيلية: الولايات المتحدة وضعت فيتو على طلب إسرائيلي بقصف أهداف في سوريا
وقال بينفولد، في مقال نشرته مجلة “فورين بوليسي”، إن قطر أصبحت محوراً في الحملات الانتخابية الإسرائيلية، مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقررة في تشرين الأول/أكتوبر، بعدما دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت إلى تصنيفها “دولة معادية”، متهماً الدوحة بتمويل مؤثرين ومراكز أبحاث داخل إسرائيل.
واعتبر الكاتب أن موقف بينيت ينسجم مع محاولته منافسة بنيامين نتنياهو في التشدد تجاه قطر، مع تقديم نفسه في الوقت نفسه بوصفه خياراً وسطياً. وأضاف أن الشكوك الإسرائيلية تجاه الدوحة وعلاقتها بحركة حماس تمثل إحدى القضايا القليلة التي تجمع أنصار نتنياهو وخصومه.
اظهار أخبار متعلقة
لكن بينفولد يرى أن تحويل قطر وإسرائيل إلى عدوين صريحين سيكون صعباً، لأن البلدين احتفظا على مدى أكثر من عقد بقنوات اتصال غير مباشرة، وكانت الدوحة وسيطاً رئيسياً بين إسرائيل وحماس، خصوصاً في ملف قطاع غزة.
علاقة بدأت بتقارب إسرائيلي قطري
واعتبر أن العلاقة بين إسرائيل وقطر لم تكن دائماً على حالها الراهنة، إذ كانت الدوحة في تسعينيات القرن الماضي من أكثر الدول الخليجية انفتاحاً على إسرائيل. ففي عام 1995 سمحت قطر بفتح مكتب تجاري إسرائيلي، وبعد عام زار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيريز الدوحة والتقى أميرها آنذاك الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني.
ورغم تراجع العلاقات بعد اندلاع الانتفاضة الثانية، ظلت قنوات التواصل قائمة، وصولاً إلى إلقاء وزيرة الخارجية الإسرائيلية آنذاك تسيبي ليفني كلمة رئيسية في مؤتمر الدوحة عام 2008، ضمن جهود إسرائيل لبناء علاقات مع ما كانت تسميه “الدول العربية المعتدلة”.
لكن سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007 غيّرت طبيعة العلاقة. فبينما اعتبرت إسرائيل والولايات المتحدة صعود الحركة أزمة، رأت قطر فيه فرصة لتوسيع نفوذها الدبلوماسي، فتحولت تدريجياً إلى أحد أبرز الداعمين الخارجيين لإعادة إعمار القطاع والمساعدات الإنسانية.
وبحسب الكاتب، استثمرت قطر أكثر من مليار دولار في غزة، لكنها تؤكد أن الأموال لم تكن تُسلّم مباشرة إلى حماس، بل وُجهت إلى الاحتياجات المدنية، بما في ذلك الوقود والمساعدات ورواتب موظفي القطاع المدني.
ويرى بينفولد أن هذا الدور لم يكن ليتم من دون موافقة إسرائيل والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن واشنطن شجعت الدوحة على استضافة القيادة السياسية لحماس، فيما ساهمت إسرائيل في تسهيل إدخال الأموال والمساعدات إلى القطاع. كما أرسل نتنياهو في عام 2020 رئيس الموساد آنذاك يوسي كوهين إلى الدوحة لحثها على مواصلة تمويل غزة.
ويقول الكاتب إن إسرائيل استفادت بدورها من هذا الترتيب، إذ ساهم التمويل القطري في منع انهيار القطاع، كما أدى استمرار الفصل السياسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية إلى ترسيخ واقع كانت إسرائيل ترى فيه مصلحة لها.
7 أكتوبر غيّر المعادلة
لكن أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 أطاحت بجزء كبير من الافتراضات التي قامت عليها هذه العلاقة، بعدما أثبت أن سياسة احتواء حماس لم تمنع الهجوم، كما تعرضت قطر لانتقادات إسرائيلية متزايدة بسبب علاقتها بالحركة.
في المقابل، أظهرت الحرب أهمية الدور القطري، إذ تمكنت الدوحة من توظيف علاقاتها مع حماس وإسرائيل والولايات المتحدة للعب دور رئيسي في مفاوضات وقف إطلاق النار، والمساهمة في التوصل إلى اتفاقات بهذا الشأن.
وزادت التوترات مع ظهور قضية “قطرغيت” في إسرائيل مطلع 2025، بعدما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن تلقي مساعدين لنتنياهو أموالاً من قطر بهدف تحسين صورة الدوحة ومصالحها داخل إسرائيل. ونفت قطر ارتكاب أي مخالفات.
واستخدم خصوم نتنياهو القضية لربط علاقاته المزعومة بقطر بملفات الفساد التي يحاكم فيها، ما أدى إلى تصاعد الخطاب المعادي للدوحة داخل إسرائيل، وظهور شعارات تتهم نتنياهو وقطر بالعمل ضد المصالح الإسرائيلية.
اقرأ أيضا: الجيش اليمني يكشف تفاصيل هجوم حوثي بـ4 صواريخ على ميناء المخا
غارة الدوحة لم تنهِ العلاقة
ويرى بينفولد أن هذا المناخ السياسي أتاح لإسرائيل تنفيذ ضربة غير مسبوقة على الدوحة في أيلول/سبتمبر 2025، استهدفت قيادات في حماس كانت مجتمعة لبحث مقترح لوقف إطلاق النار.
اظهار أخبار متعلقة
لكن الضربة، وفق الكاتب، لم تؤد إلى إنهاء الدور القطري أو قطع قنوات الاتصال. فعلى الرغم من التهديدات التي أعقبتها، واصلت الدوحة وساطتها، كما استمرت الاتصالات بين الجانبين في ملفات اقتصادية ودبلوماسية.
ويشير الكاتب إلى أن الكنيست رفض أيضاً مقترحاً لتصنيف قطر “دولة معادية”، ما يعكس استمرار التناقض بين الخطاب السياسي والمصالح العملية.
ويخلص بينفولد إلى أن أي حكومة إسرائيلية ستتشكل بعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر ستواجه ضغوطاً شعبية متزايدة لاتخاذ موقف أكثر تشدداً تجاه قطر، لكنها ستجد نفسها في الوقت نفسه مضطرة إلى مواصلة الحوار معها، نظراً لدورها في الوساطة وملفات غزة ولبنان وسوريا.
ويؤكد أن قطر ستظل لاعباً مهماً في ترتيبات “اليوم التالي” في غزة، ولا سيما إعادة الإعمار وإدارة القطاع، ما يجعل استمرار التواصل بين الدوحة وتل أبيب أمراً يصعب تجاوزه.
ودعا الكاتب الولايات المتحدة إلى استخدام نفوذها لخفض التوتر بين حليفها إسرائيل وقطر، محذراً من أن تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهة عسكرية قد يضر بمصالح الطرفين. ورأى أن القادة الإسرائيليين والقطريين سيضطرون في نهاية المطاف إلى التعامل مع حقيقة أساسية: رغم تصاعد العداء منذ 7 أكتوبر، فإن المصالح المشتركة التي دفعت الطرفين إلى التعاون طوال سنوات لم تختفِ.
اقرأ أيضا: وزير السياحة: الأردن جزء محوري من جغرافيا الحج المسيحي – هلا اخبار
