كيف اكتشف رجاء النقاش شاعر فلسطين الكبير محمود درويش؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

إبراهيم خليلجريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: «صقور السلة» يلتقي ماليزيا بكأس «ويليام جونز» اليوم

ما بين رجاء النقاش ومحمود درويش في ارتحالهما عنا إلى العالم الآخر ستة أشهر حسب. فقد كانت وفاة النقاش في فبراير 2008 فيما كانت وفاة محمود درويش في آب من العام نفسه. الكثير من جيل اليوم – إذا جاز التعبير وحَسُن – لا يعرفون أن رجاءً هذا هو الذي تنبأ لمحمود درويش ابن البروة (1942) أن يصبح غرّيد الشعب الفلسطيني، وصوته الشعري المدوي في جل أنحاء العالم. كتب رجاء النقاش في سنة 1969 كتابا صدر عن دار الهلال بعنوان «محمود درويش شاعر الأرض المحتلة». وقد أصبح هذا العنوان عنوانا متداولاً يجده القارئ على غير كتاب، وفي أكثر من مقالة، أو بحث، وعلى صفحات الكثير الجمّ من الصحف، والمجلات، فما الذي فعله رجاء النقاش بكتابه هذا؟ وعلى أيّ الأسُس بنى تصورهُ، وتنبُؤه، الذي ينسحب عليه قول الشاعر القديم:جريدة الدستور الأردنية

الألمعيُّ الذي إذا ظنَّ بكَ الظنَّ        جريدة الدستور الأردنية

كأنْ قدْ رأى، وقــدْ سَمِعـــــــــاجريدة الدستور الأردنية

ظنّ رجاء النقاش في أواخر عام 1966 باطلاعه على كتاب غسان كنفاني « أدب المقاومة « أن درويشًا مناضلٌ ثوريٌ يعيش في فلسطين المحتلة متخفيًا، وأن هذا الاسم محمود درويش لا يعدو أن يكون اسما حركيا اختارهُ لنفسه من باب التمويه، وهذا ما ذكره في تقديمه للكتاب*(ص7). لكنه، وبعد النكسة في حزيران – يونيو 1967 وشيوع الكثير من الاقتباسات من شعر المقاومة، تبيَّن له أن درويشًا هذا لا صفة فيه من صفات الدراويش، وإنما هو واحد من كوكبة من الشعراء الذين جعلوا من كتابة الشعر، وإلقائه، ونَشْره، فِعلا مقاومًا، لا من قبيل (طكّ الحنك) أو «مضغ الكلام» على رأي المتنبي، فهم لم يعرفوا لا مَضْغ الكلام، ولا صبْغ الحواجيب.جريدة الدستور الأردنية

ومذهب النقّاش في نقده يذكرنا بمذهب مدام دو ستايلStael  (1766 – 1817) التي ترى في الأدب تعبيرا عن المجتمع، شاء الأديب هذا، أمْ لـَمْ يشأ (1). وتبعًا لذلك نجده يمهّد لكتابه بفصل عن العرب وحياتهم اليومية في فلسطين المحتلة، مُسلِّطا الضوء على سياسة الميز العنصري، والغطرسة الصهيونية الفاشية التي مثَّلها خيرَ تمثيل سيءُ الذكر ديفيد بن غوريون الذي تمنى محو كلمة (عرب) من معاجم اللغات(ص 24- 26). واتبع سياسة قامت على المذابح والمجازر، مثلما جاءَ في شهادة لإسحق رابين عن مذبحتي اللد، والرملة، عام 1948 واعتمادًا على كتاب المحامي صبري جريس (العرب في إسرائيل) (ص29) يسلط النقّاشُ الأضواءَ على السياسات المتبعة ضد العرب في الكيان الغاشم من عام 1948 إلى عام 1967 وكيف قادت تلك السياساتُ لظهور الشعر المقاوم. فمحمود درويش لم يأت شعرُه من فراغ، وإنما هو امتدادٌ لمدرسة أدبية غاضبة يمثلها توفيق زياد، وسميح القاسم(ص30- 31) وراشد حسين، وسالم جبران، وحنا إبراهيم، وحنا أبو حنا، وإميل حبيبي، ومحمد علي طه، وتوفيق فياض، وآخرون.. لا يتَّسع هذا المجال لذكرهم جميعهم. وهم بدورهم امتدادٌ طبيعيٌّ لما كان من أمر الشعر الفلسطيني لدى كل من محمود المطلق وعبد الكريم الكرمي (أبي سلمى) وإبراهيم، وفدوى طوقان، وإسكندر الخوري البيتجالي. ولم يفت المؤلف، وهو يستذكر هذا المنعطف الأدبي الذي سبق النكسة1967 أنْ يشير لمصاعب الحياة الثقافية، والحصار الذي ضربته الحكومة العسكرية الفاشية على المثقفين، فعلاوَةً على قرارات الإقامة الجبرية، والاعتقال، والحبْس، ومنع اللقاءات الجماهيرية، دأبت على مراقبة المطبوعات، ومنع النشر، ومصادرة الكتب. وقد ذكر نموذجًا من المعايير التي تتَّبَعُ قسرًا، فعندما ُسمح بتداول رواية « أنا أحيا» لليلى بعلبكي، لوحظ أنّ فيها ما يشير لعدم شرعية الكيان الصهيوني في فلسطين، فصدر فورًا القرار بمصادرة النُسخ، وحظْر تداولها، مع أنها رواية بعيدةٌ جدًا عن السياسة، ويغلب عليها أنها تخاطبُ المراهقين بلغةٍ تذكي لديهم الأحاسيس الجنسيَّة بعيدًا عن أيّ التزام أخلاقي، أو سياسي(ص37).جريدة الدستور الأردنية

كُفْرُ قاسم:جريدة الدستور الأردنية

في الفصل الثاني من كتابه عنوانٌ لافت للنظر، وهو اسم قرية ارتكبت فيها مذبحة قتل فيها خمسون من الأهالي جميعُهم مدنيّون. والقرية المعروفة باسم كفر قاسم كان بعض الأهالي فيها قد غابوا عنها في حقولهم في الأثناء التي شنت فيها إسرائيل وبريطانيا وفرنسا عدوانها الثلاثي على مصر(1956). ففي تلكَ الأثناء صدر قرار الحاكم العسكري بحظر التجوال، وعاد أولئك الفلاحون، دون علمهم بالقرار المذكور، عودتهم المعتادة في الغروب، فجُمعوا، وأطلق عليهم الرصاص، وقتلوا جميعًا. ربَطَ النقّاش بين هذه المذبحة، ومذبحة نفذها الإنجليز في دنشواي المصرية في 13 يونيو عام 1906. وغاية المؤلف من هذا الربط هو التعبير عن وحدة المصير؛ فالفلسطينيون، والمصريون، وغيرهم من العرب، واجهوا التعسف الاستعماري نفسه في غير قناع، وتحت تسميات مختلفة في الظاهر، لكنها واحدة في الجوهر(ص44- 46). ولهذه المذبحة حضورها في الشعر، فقد جعل المثقفون عامّة منها مناسبة سنوية لتأجيج المقاومة، وإثارة الحماسَة في النفوس، وتشجيع الفلسطينيّين على مقاومة الاحتلال بشتى الوسائل، والأدوات، ومنها الشعر، وفي هذا يقول الشاعر محمود درويش:جريدة الدستور الأردنية

غابة الزيتون كانت دائما خضراءجريدة الدستور الأردنية

كانت يا حبيبيجريدة الدستور الأردنية

إنّ خمسين ضحيةجريدة الدستور الأردنية

جعلتها في الغروبجريدة الدستور الأردنية

بركةً حمراءَ … خمسين ضحيةجريدة الدستور الأردنية

لا تلمني يا حبيبيجريدة الدستور الأردنية

قتلوني… قتلونيجريدة الدستور الأردنية

ومما لفتَ النظرَ لدى ناقدنا أنّ الشاعر لم يكتف بهذا الشعور الحزين على مَنْ قُتلوا، ولا بهذه الصورة من الاشمئزاز من المجرمين السفلة الذين قتلوا الخمسين بدمٍ بارد، ولا من تلك المسرحية الجوفاء التي انتهت بتغريم القاتل قرشًا واحدًا، ولكنَّه أعجب بتلك الروح الساخرة التي تجعل من القاتل هُزْأة، وجبانا، في نظر القتيل(ص59):جريدة الدستور الأردنية

الذي مات هو  القاتلُ يا قيثارتيجريدة الدستور الأردنية

ومُغنّيكِ انتصَرْ.  جريدة الدستور الأردنية

ومن المتوقَّع ألا تكون لدى رجاء النقاش فكرة كافية بتفاصيلها الدقيقة عن الشعر الفلسطيني قبل درويش وصحبه، فالقارئ يجدُهُ يشير لكتب تتحدث عن هذا الشعر، بدءًا من مطلع القرن الماضي، مرورًا بنهايات القرن. وهذه هي عُدّة الناقد الحقيقي، لا الذي يكتب عن رقم إيداع الديوان، وفَضْلِه على أرقام أخرى في دواوينَ أخر. فهو أيْ النقّاش يشيرُ لكتاب ناجي علوش(ص66) عن ثورة عام 1936 وشعراء تلك الثورة، موردًا أمثلة من شعرها وما فيه من تعبير عن « الوجدان النضالي « وأفاد كذلك من الكتاب الموسوم بعنوان « الشعر العربي الحديث في مأساة فلسطين « للدكتور كامل السوافيري(ص74- 75) ذلك الكتاب الذي يؤكد فيه المؤلف شيوع بعض القصائد على ألسنة العامة، ومنها قصيدة « الثلاثاء الحمراء» وقصيدة « الشهيد « التي أولها:جريدة الدستور الأردنية

عبَسَ الخطبُ، فابتسَمْ،        جريدة الدستور الأردنية

وطغى الهولُ، فاقتحمجريدة الدستور الأردنية

رابط الجــــــأش والنُهى        جريدة الدستور الأردنية

لـم يبــالِ الأذى ولــــمْجريدة الدستور الأردنية

وهيَ قصيدةٌ تعبّر بالكلمة عن صورة الفدائي الشهيد الذي يواجه العدوَّ بقلب صُلبٍ، لا يهادن، ولا يلين، ويسخر من هذا العدو الجبان. وبالمثل، يورد شعرًا لعبد الرحيم محمود(ص78) الذي يسخر من ولي العهد السعودي الزائر للمسجد الأقصى، قائلا :جريدة الدستور الأردنية

المسجدُ الأقصى أجئتَ تزورُه        جريدة الدستور الأردنية

أم جئْتَ منْ قبْل الضَياعِ توَدِّعُه؟!جريدة الدستور الأردنية

وهو نفسه الذي يعزو له المؤلف قوله:جريدة الدستور الأردنية

أرى مصرعي دون حقي السليب    جريدة الدستور الأردنية

ودون بــــــلادي هــــو المبْتَـــغـــىجريدة الدستور الأردنية

ولا يبتعدُ عن هذه المشاعر، والأحاسيس، عبد الكريم الكرمي(أبو سلمى) في شعره، ولا محمود المطلق، ولا إسكندر الخوري البيتجالي، فهذا الجيل، أيْ شعراء ثورة الـ 36 – الثورة القسّامية التي صنف فيها غسان كنفاني كتابا قيما، هي المدرسة التي تتلمذ فيها ولها محمود درويش، ورفاقه. فهم شعراءُ نشأوا في خضم هذه الثورة التي شُوهت تشويها خبيثا في رواية سحر خليفة « أصل وفصل». فقدوتُهم الشهيد عبد الرحيم محمود، والشاعر إبراهيم طوقان، وسنديانة فلسطين فدوى. فجاءَ شعرُهم، وشعر محمود درويش، ليكتبَ فاتحة عهد جديد في هذا البلد الجريح؛ فلا توفيق زياد، ولا سميح القاسم، ولا راشد حسين، ولا حنا أبو حنا، ولا سالم جبران، وحدهم من يواصلون هذه المآثر؛ إذ  لا بد من أمين شنار، وعبد الرحيم عمر، ومحمود درويش، وأحمد دحبور، وفواز عيد، ومحمد القيسي، ومريد البرغوثي، ومحمد إبراهيم لافي، ومعين بسيسو، ويوسف الخطيب، وإبراهيم نصر الله، وعزالدين المناصرة، ووليد سيف، وعلي البتيري، وغيرهم من كبار الشعراء الذين تألَّقتْ في شعرهم القضيّة، وامتدَّ وهجُها في بقاع لم يبلغها الشعر العربي من قبل، لا في القديم، ولا في الحديث.جريدة الدستور الأردنية

على أنَّ الناقد لا يُنكر ما في الشعر الذي شاع، وانتشر، قبل شعر المقاومة، من حزن ورومانسية تتحدث عن  النكبة، وعن اللجوء، وعن الرجاء، وفي بعضه عن تخوين الأنظمة، لكن هذا الطابَع سرعان ما انقشع عن هذا الشعر بفضل التأثير النافذ لشعر درويش، وجيله، فيمن تفتَّح عطاؤهم بُعيد الاحتلال. ولا يفوته التنويه لأشعار حبيب قهوجي، وحنا أبو حنا، وتوفيق زياد، وغيره. لكن لدرويش طابعًا خاصًا في هذه المرحلة. فقد طُبع شعره بالتحدي، واستنهاض الهمَمِ بعد النكسة، ولهذا يقول في واحدة من قصائده:جريدة الدستور الأردنية

وطني يعلمني حديدُ سلاسليجريدة الدستور الأردنية

عنْفَ النسور ورقَّة المتفائلِجريدة الدستور الأردنية

ما كنتُ أحْسَبُ أنَّ تحت جلودِناجريدة الدستور الأردنية

ميلادَ عاصفةٍ وعُرسَ جداولِجريدة الدستور الأردنية

فالفاتحونَ على سطوح مَنازليجريدة الدستور الأردنية

لم يفْتَحوا إلا وُعودَ مَشاعِليجريدة الدستور الأردنية

وفي مَوْقع آخر يقولُ، مستخفًّا بتأثير النكْسَة على معنويات الشعب المقاوم في فلسطين، فهي خطوة للخلف من أجل عشْر للأمام:جريدة الدستور الأردنية

خسِرْتُ حلمًا جميلاجريدة الدستور الأردنية

خسرتُ لسْعَ الزنابقجريدة الدستور الأردنية

وكانَ ليلي طويلاجريدة الدستور الأردنية

على سِياج الحدائِقْجريدة الدستور الأردنية

وما خَسِرتُ السَبيلا  جريدة الدستور الأردنية

فهذه هي الروح التي تجعل من شعر محمود درويش شعرًا مختلفا عن شعر غيره. وهذا ما دفع برجاء النقاش لتتبُّع هذه الروح التي تتجلى في بواكيره، مما يُضفي على موقعه في أدبنا العربيّ جِدَّة، فهْو من أدب القوَّة، لا من أدب الاستكانةِ، والشكوى، والتذمُّر، والحديث عن الضياع، واللجوء، والتشرُّد، الذي شُغِفَ به بعض الشعراء، فكان على درويش، وجماعته من أدباء لمقاومة، نبذ هذه الشعرية التي تنمّ على ضَعْف:جريدة الدستور الأردنية

اقرأ أيضا: الجمعة .. عودة الأجواء الصيفية الاعتيادية

نحن يا أختاهُ من عشرين عامجريدة الدستور الأردنية

نحن لا نَنْظم أشعارًاجريدة الدستور الأردنية

ولكنا نقاتل.جريدة الدستور الأردنية

والسؤال الذي لا بدَّ منه، ولا ريب، هو كيف تكوّنت شعرية درويش؟ وما هي العوامل التي كان لها تأثيرها فيه من حيث هو شاعر، ومن حيث هو إنسان؟جريدة الدستور الأردنية

الديك الفصيح:جريدة الدستور الأردنية

تتبَّع النقّاش في فصل مطول نشأة محمود درويش، والتعليم المحدود الذي ناله، وحصل عليه، والقراءات التي عُرف بها، وأشْرِبَ منها قواعد النظم، وسلاسَة البيان، وموسيقى اللفظة، والعبارة، وعلى رأسها الشعر العربي القديم، بِدْءًا من المعلقات، ومرورًا بشعراء العصر الأموي، والعباسي، ولا سيما العباس بن الأحنف، وأبي نواس، وبشار بن برد، وأبي تمام، والمتنبي، والبحتري، ومسلم بن الوليد، وأبي فراس، وتميم بن مقبل، وغيره. فهو من هذا الباب كالمتخصِّص في الشعر القديم، وتأثرهُ بهذا الشعر تأثرٌ خفيٌّ، لا جَليّ، لا يظهر بوضوح كما هو نظم الشعارير، ففي ديوان» أوراق الزيتون» قصيدةٌ بعنوان (حبُّنا) استوقفت الناقد، واستثارهُ ما فيها من لغة شعرية ممعنة في البساطة، والعفْويّة، مع أنها تتفتَّح عن آياتٍ من الصُوَر المجازية الجديدة التي تشهد له بولادةِ شاعرٍ كبير، أين منه النظامون المقلدون الذين يعُدّون أنفسه سَدَنةَ الشِعْر التقليدي، وما هُمْ بشيء:جريدة الدستور الأردنية

حبّنا بلبلٌ .. وشوكة ورْدَةْجريدة الدستور الأردنية

فافرشي لي على الجراح مخدَّةجريدة الدستور الأردنية

لا أحبُّ النشيدَ إلا شهيدًاجريدة الدستور الأردنية

ينزفُ الروح والحَشا بموَدَّةْجريدة الدستور الأردنية

عندما رفّ في  الفَضاءِ جَناحيجريدة الدستور الأردنية

وهبطتُ البستانَ أعْشَقُ وَرْدَةْجريدة الدستور الأردنية

كنتُ لا أسأل الطريقَ رُجوعًاجريدة الدستور الأردنية

ليس في الحبِّ أيُّ درْبٍ لعَوْدَةْجريدة الدستور الأردنية

ففي هذه الأبيات- القصيدة- عدا التكثيف الذي يبْهر المتلقي، ثمة تراسلٌ في معاني الألفاظ؛ فالحبّ بلبلٌ، وشوكة وَرْد، والنشيد شهيد، وهو ينزف الروح، وينزف الحشا، في حبٍّ، وهيام عظيم، والعاشق المحب طيرٌ ذو جناح يرفرفُ في الفضاء، باحثًا عن تلك التي يحبّ، فاختار أنْ يعشق وردة في بستان، وهبط نحوها، وربما اقتطفها، أو يعتزم ذلك، لأن الحبَّ إقدامٌ، وشجاعة، وإصْرارٌ، لا يعرفُ التراجُع. فمن هذه القصيدة تنبَّه الناقدُ رجاء النقاش لملكة الشاعر الموسيقية، ولبراعته في تدوير الألفاظ، والانزياح بها لتنمَّ على دلالاتٍ جديدةٍ مُفْعَمةٍ إلى حافَّتها بالإثارة العاطفية، والدهْشَة، والشعور الحسّي بالجمال المطلق(ص122).جريدة الدستور الأردنية

ولم يكنْ درويش من الشعراء المنْغلقين الذين تقتصرُ معرفتهم على الشعر العربي، ويأنسون للنظم ذي الطابع المحَلّي، كشعراء الجيل السابق، بل كان على صلةٍ وثيقةٍ بالشعر العالمي، وفي دواوينه المبكرة؛ كأوراق الزيتون، وعاشق من فلسطين، وآخر الليل، نجد إشاراتٍ لكل من لوركا(ص123) وناظم حكمت، وبابلو نيرودا، ولويس أراغون، صاحب «عيون إلزا « ووالت وايتمان، صاحب «أوراق العشب». لجلّ هذه الإشارات توقَّع رجاء النقاش- كغيره من الدارسين – أن يكون محمود درويش شاعرًا كبيرًا. كتَبَ هذا في العام 1969 و أعاد كتابته كثيرون. و استأثرت قصيدته»جندي يحلم بالزنابق البيضاء» باهتمام الناقد، مشيرًا لما تفصح عنه من نظرة إنسانية لعدوّهِ بعيدةٍ عن التعصُّب(ص 150- 155) *.جريدة الدستور الأردنية

  ومع أن درويشًا لم يسْعَ لنيل الجوائز كغيره من صغار الشعراء الذين يجعلون منها قضيَّتهم الأولى، وإذا حظيَ أحدهم بجائزة أقام الدنيا ولم يقعدها، مثبتا أن الجائزة هي قضيتُهُ،حتى لو كانت من جوائز الناشئين المبتدئين. فقد كنتُ في منزل المرحوم إحسان عباس ذاتَ يوم من عام 2001، ومعى المرحوم رشاد أبو شاور، وعندما سمعَ أبو إياس رنين الهاتف، نهض مجيبًا. وأخبرنا أن الاتصال من لجنة جائزة السلطان عويس، فهم يلحّون على ضرورة أن يُرشح محمود درويش نفسه للجائزة ذلك العام. وكان ردُّه الاعتذار، لأن درويشًا يأبى أنْ يُرشِح نفسه، فشِعْرهُ موجودٌ، وذائع مُتداوَل، وعليهم، إن كانوا يميزون الغث من السمين، أن يفعلوا دونَ أن يرشح نفسَه، وهو مع ذلك يعِدُ بعدم رفض الجائزة إذا مُنحت له، لأن إدارة الجائزة كانت تخشى إذا منحت له أن يبادر لرفْضِها مثلما رفض صنع الله إبراهيم جائزة مماثلة بعد مَنْحها له. وقد نالها درويش مناصفةً مع أدونيس عام 2003.جريدة الدستور الأردنية

1.للمزيد انظر كتابنا في النقد والنقد الألسني، ط1، منشورات أمانة عمان الكبرى ودار الكندي، 2002، ص 51- 52جريدة الدستور الأردنية

*أرقام الصفحات المذكورة في المقال تحيلنا للطبعة الأولى، دارالهلال، 1969 جريدة الدستور الأردنية

جميع الحقوق محفوظة.

لا يجوز استخدام أي مادة من مواد هذا الموقع أو نسخها أو إعادة نشرها أو نقلها كليا أو جزئيا دون الحصول على إذن خطي من الناشر تحت طائلة المسائلة القانونية.

اقرأ أيضا: بطولة الأردن للكارتينغ تنطلق اليوم

‫0 تعليق