عتبات العلم ومرافئ الانتظار

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

​على عتبات العلم الطويلة، حيث تُحفر الحروف بدموع السهر وعرق التعب، يزرع الباحث زهرة شبابه، ويمضي العمر بين طيات الكتب وفي محاريب الفكر ، نتحمل مرارة الصعب ونختار وعورة الدرب، متوسدين الأمل الكبير بيوم نرتدي فيه وسام الدكتوراه، لنفتح بمفاتيح المعرفة أبواب المستقبل، ونضيء بالأسئلة المضيئة عتمة الوطن.

اقرأ أيضا: “فلسطين من البحر إلى النهر”.. لماذا أغضبت خريطة خلف فيدان إسرائيل؟ | أخبار

​لكن، يا لمرارة الخذلان حين يُصاب الأمل في مقتبله!

​تخيل ذلك الشعور العارم بالفخر حين يزفك العالم دكتوراً، وكيف يتحول فجأة إلى خيبة ثقيلة وأنت تصطدم بشروط “مثالية” وقيود إدارية مصممة بعناية لا لتبني الكفاءات بل لتقصيها!
يقفون لك بالمرصاد بمعايير جامدة، وكأن تفوقك وسنوات كفاحك أصبحت عبئاً لا ميزة. تتبخر فرحة الإنجاز على أبواب الجامعات المغلقة، لتجد نفسك محاصراً بجدران معايير وضعت في أبراج عاجية لا تراعي واقعاً ولا تنصف مجتهداً.

​والأدهى من ذلك، والأكثر إيلاماً للروح، أن تراهم يرفعون شعار الأولوية المطلقة لخريجي الجامعات الأجنبية، ويكادون يحصرون التعيين في سياج تقدير “الامتياز” وحده؛ وكأن المؤسسات الوطنية التي منحتنا شهاداتنا واعتمدت برامجنا قد باتت في نظرهم قاصرة!
ينسون أو يتناسون أن هذه الجامعات الوطنية ذاتها هي التي وضعت خططها، وأجازت مناهجها، وأقرت أن من يتخرج منها –سواء بتقدير مقبول أو جيد أو أعلى– هو خريج مؤهل وقادر على العطاء وحمل الأمانة، ليأتي نظام التعيين اليوم ويكفر بما أقرته تلك المؤسسات، مغلقاً الأبواب في وجوه أبناء الوطن الذين لم يملكوا رفاهية السفر والدراسة خارج الحدود.

​ألا ومن أبسط حقوق الخريج الذي نهل العلم من معين جامعاتنا الوطنية أن يحظى بفرصة عمل في رحابها أولاً؛ وفاءً لها، وردّاً لجميل العرفان، وتجسيداً حقيقياً لمعنى الانتماء والولاء لمؤسسة أعدته ورعته ليقف اليوم سنداً ورافداً لمسيرتها التعليمية!
​حين تُطلق إعلانات التعيين، يجب أن يكون جوهرها الأسمى وهدفها الوطني الأول هو القضاء على شبح البطالة، ومدّ يد العون لمن لا يملك عملاً قط؛ فالتوظيف ليس مجرد ملء لشواغر إدارية، بل هو أداة أساسية لتوزيع التنمية البشرية بعدالة، وتحقيق حق العمل لكل مواطن سعى واجتهد، لا أن تذهب الفرص لمن استقروا في وظائفهم بينما يكتوي العاطلون بنار الانتظار.
​يزيد الطين بلّة، ويضاعف من غصة الروح، ذلك الشبح الخفي الحاضر في كواليس الاختيار؛ حيث تتسلل الواسطة والمحسوبية لتعبث بنزاهة التعيينات، وتغتال بدم بارد حقوق المستحقين الأكفاء. فترى الأبواب تفتح لمن لا يستحق، وتُغلق في وجه من تعب واجتهد، في اعتداء صارخ على تكافؤ الفرص، وفي طعنة نجلاء للعدالة التي أقسم الجميع على صونها.

​ثم يطالعنا قيد آخر يضيق الخناق أكثر؛ شرط اختبارات اللغة الأجنبية كالتوفل أو الآيلتس، وكأن مقياس العلم والمعرفة محصور في لغة واحدة، متجاهلين أن الكثير من الأكاديميين يتقنون لغات عالمية أخرى تفتح آفاقاً فكرية واسعة، ومتغافلين عن الركيزة الأساسية وهويتنا الأبديّة: إتقان اللغة العربية لغة الدولة الأم، التي بها نُدرس، ونؤلف، ونحفظ جوهر الهوية والانتماء.

​ويأتي سيف شرط العمر ليجهز على ما تبقى من نبض في الأمل، فيحرم قامات نضجت بالعلم والخبرة من حقهم المشروع في العطاء، وكأن سنّ الإنسان جريمة تُعاقب عليها الكفاءة، متجاوزين حقيقة أن العطاء الأكاديمي والنضج الفكري لا ينضج إلا باكتحال العينين بطول السنين وتراكم المعرفة.

اقرأ أيضا: تطبيق تذكير جديد لمن لا يتوقفون عن التأجيل…

​ننافس اليوم من استقروا في وظائفهم، ونرتطم بشروط صُممت لمعادلات أخرى، حتى فرصة تدريس بسيطة بنظام الساعات صارت كالمستحيل، أو كأنها امتياز يُمنن به صاحب الحق وسط شروط تفصيلية تتسابق لإحباط الروح.
​نحن لا نطلب استثناءً ولا نهادن الجودة، بل نرجو عدالة تُنصف الكفاءات الحقيقية، وتكسر قيود تلك “المثالية الزائفة” وتلك المفاضلات المجحفة التي تُبقي العقول معطلة في قاعات الانتظار.

​فلا تجعلوا دروب العلم التي اخترناها بعزم الصادقين، تنتهي بباب مغلق، ولا تتركوا أملنا الغض يذبل على حافة شروط متناقضة…

امنحونا فرصة واحدة فقط، لنثبت أن كل هذا التعب لم يكن هدراً، وأن في صدورنا وطناً ننتظر اللحظة لنخدمه بصدق الانتماء وعمق المعرفة.

اقرأ أيضا: عجلون : بلدية كفرنجة تباشر تنفذ خدمات لمعالجة حفر وتشققات الشوارع

‫0 تعليق