
تحل، اليوم، ذكرى ميلاد الزعيم مصطفى كامل الذي وُلد في القاهرة يوم 14 أغسطس سنة 1874، وكان والده علي أفندي محمد مهندسًا من جهة الصليبة، اشتهر بين معارفه وجيرانه بطيب العنصر، وحسن الخلق، ووالدته من جهة المحجر بالقاهرة، ولما بلغ السادسة من عمره أتاه والده بمدرس لقنه القراءة والكتابة، ثم أدخله مدرسة عباس باشا الأول، وقبل إتمام دروسه الابتدائية تُوفِّي والده، فانتقل إلى مدرسة القربية وعمره 12 سنة فأتم دروسه الابتدائية فيها، وظهر ذكاؤُه بامتيازه على سائر الرفاق.
اقرأ أيضا: الحظ ابتسم له.. أمريكى يفوز بأكثر من مليار دولار فى اليانصيب
ما ذكره جرجي زيدان
يذكر جرجي زيدان في كتاب تراجم مشاهير الشرق في القرن التاسع عشر أن مصطفى كامل كان في أثناء إقامته بالمدرسة التجهيزية موضوع إعجاب الأساتذة والتلامذة جميعًا، لما امتاز به من حسن الإلقاء وفصاحة اللسان، ولم يكن ناظر المعارف أقل منهم إعجابًا به، فكان ينشطه ويدعوه إلى منزله ويناقشه في المسائل العلمية أو الاجتماعية ويقدمه إلى جلسائه من العلماء والوزراء والكل يعجبون به ويتوقعون له مستقبلًا مجيدًا، فلما أتم دروسه التجهيزية سنة 1889 دخل مدرسة الحقوق الخديوية على أن يعدَّ نفسه لصناعة المحاماة، لأنها أحوج المهن إلى الخطابة، ورأى في وقته متسعًا فالتحق بمدرسة الحقوق الفرنساوية أيضًا، فكان يتلقى العلم بالمدرستين حتى نال الكفاية منه، فذهب إلى طولوز بفرنسا أدى فيها الامتحان ونال الشهادة وهو في التاسعة عشرة من عمره.
وتنبه خاطره وهو يدرس الحقوق إلى المسائل السياسية، ومدارها على مصر والاحتلال، وهو وطني حريص على وطنيته مستقل الفكر، شديد الثقة بنفسه، وقد تشرب من أساتذته الفرنساويين الاستهانة بإنجلترا والوثوق بفرنسا، فأصبح همه إنقاذ مصر من الاحتلال، وكان عضوًا عاملًا في عدة جمعيات أدبية يخطب فيها ويباحث، وأكثر بحثه في مصر والاحتلال والجلاء، وكان يتردد على الجرائد الوطنية ليكتب هذه المواضيع، ولقي إصغاءً وتنشيطًا فألَّف رواية فتح الأندلس التمثيلية، وكتابًا في حياة الأمم والرِّقِّ عند الرومان، وألَّف بعد ذلك كتاب المسألة الشرقية وغيره، وكلها ترمي إلى تحبيب الاستقلال إلى المصريين وإحياء الشعور الوطني فيهم، فالتفَّ حوله جماعة من المريدين والمعجبين وأكثرهم من رفاقه في المدرسة، ومن يرى رأيهم من تلامذة المدارس العالية، فأنشأ لهم مجلة شهرية سماها المدرسة يبث فيها آراءه وأفكاره.
اقرأ أيضا: مقبرة الإسكندر الأكبر بين سيوة والإسكندرية.. قراءة علمية فى الأدلة التاريخية والأثرية
علاقته بعبد الله النديم
واتفق في أثناء ذلك رجوع عبد الله النديم خطيب العرابيين إلى مصر سنة 1892 وسمع بمصطفى كامل فقرَّبه منه، واقتبس صاحب الترجمة بعض أساليبه، واطلع على دخائل الحوادث الماضية وتبيَّن أسباب الفشل، فأصبح قادرًا على تجنبها وزاد رغبة في إنقاذ مصر من سلطة الأجانب، ولا يكون ذلك إلا بالالتفاف حول أمير البلاد فاستنبط فكرة الاحتفال بعيد الجلوس الخديوي، فحرض رفاقه التلامذة على ذلك، فاحتفلوا به في الأزبكية في 8 يناير سنة 1893، فقرَّبته المعية، ورضي عنه الجناب العالي، وفي ذلك الاحتفال صرَّح مصطفى كامل للمرة الأولى بانتقاد حالة الحكومة، ودعا المصريين إلى مطالبة الإنجليز بالجلاء عن بلادهم قيامًا بوعودهم، وكان في جملة الحضور ناظر مدرسة الحقوق فاستدعى مصطفى إليه في الغد، وعاتبه على تصريحه، فأجابه أنه مصري وله الحق أن يبحث بشئون مصر، وشدد لهجته فرفع الناظر أمره إلى نظارة المعارف، فأصدرت أمرًا بمنع التلامذة من الاشتراك في مثل ذلك ومن مكاتبة الصحف، فاعتبر مصطفى هذا الأمر موجهًا إليه فازداد تمسكًا برأيه، وتضاعفت همته على إخراجه إلى حيز العمل.
اقرأ أيضا: محللة سياسية: نتنياهو يتحدى ترامب ويضر بالحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة
