د. عباس عبود سالم يكتب: المشرق العربي بعد الحرب.. هل يدخل لبنان مرحلة إعادة توزيع النفوذ؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


د. عباس عبود سالم يكتب: المشرق العربي بعد الحرب.. هل يدخل لبنان مرحلة إعادة توزيع النفوذ؟

اقرأ أيضا: هل يصبح البحر الأحمر طوق نجاة العالم؟

شكل تراجع المشروع الإيراني في لبنان فراغاً استراتيجياً مكن إسرائيل من فرض واقع «جيو – عسكري» جديد جنوب نهر الليطاني، الأمر الذي أدخل المنطقة في حالة من السيولة الاستراتيجية، وفتح الباب أمام عدة مسارات تعتمد على نتائج الصراع بين المشاريع الإقليمية والدور الأمريكي، الذي يركز على أهمية دور لبنان في أي ترتيبات لنظام إقليمي جديد، وتهدف الدراسة إلى البحث في إمكانية تشكل توازن إقليمي جديد يضمن استقرار لبنان بعد أن كانت لعقود طويلة ساحة للتسويات الدولية والإقليمية.

أولاً: المشرق العربي بين تعقيدات الجغرافيا وإرث التاريخ

يُعد المشرق العربي أحد أكثر أقاليم العالم حساسية وتشرذماً، نظراً للتداخل العضوي بين جغرافيته السياسية والتكوينات الديموغرافية، فالمشرق العربي لم يكن يوماً مجرد حيز جغرافي محايد، بل كان دائماً – وفق مقاربة الفكر السياسي لابن خلدون – «مسرحاً للعصبيات المتصارعة وموضعاً للتنافس على العمران»، حيث تتكثف الاستقطابات الخارجية كلما انكشفت البنية الداخلية للدول عن فراغ مؤسسي، مما يجعل المنظومة برمتها قابلة للتفكك من الداخل قبل السقوط تحت ضغط الخطر الخارجي.

وتتشكل العقيدة الاستراتيجية للكيان الإسرائيلي بناءً على منهج توسعي يدمج بين منطق القوة وتوظيف البعد الأيديولوجي، يقوم على إعادة إنتاج المرجعيات التاريخية والنصية لتؤطر السياسة التوسعية، مما يمنح الأرض بُعداً وجودياً، ويمنح السعي نحو التفوق التفردي شرعية التطبيق، وبناءً عليه، تُدار المواجهات العسكرية الممتدة من غزة إلى لبنان وسوريا بوصفها صراعاً وجودياً غير قابل للتسويات السياسية التقليدية، بهدف فرض بيئة أمنية جديدة تقوم على الهيمنة الأحادية واحتكار الردع.

لذلك، فإن تحديد مفهوم «المشرق العربي» من زاوية التحليل الجيوسياسي لا يتوقف عند الحدود الرسمية، بل يمتد ليشمل فضاءً استراتيجياً حيوياً يتشكل من قلبين متكاملين: بلاد الشام (سوريا، لبنان، الأردن، وفلسطين المحتلة)، والعراق بوصفه الرئة الشرقية وبوابة الهلال الخصيب، متصلين بعمق جغرافي وسياسي تمثله دول مجلس التعاون الخليجي، ومرتبطين بانكفاء وامتداد حاد ونوعي نحو جمهورية مصر العربية عبر سيناء والبحر الأحمر، وفي قلب هذا الفضاء المشرقي تبرز الإشكالية اللبنانية، حيث يقف لبنان -الدولة الصغيرة بحدودها والمكثفة بتعقيداتها- كـ«قفل ومفتاح» التوازنات الإقليمية، وتتقاطع على أرضه المشاريع الدولية منذ نشأة دولته الحديثة عام 1920م.

ثانياً: الموقع الجيوسياسي للبنان في النسق المشرقي

إن قراءة الوزن الاستراتيجي للبنان لا تتأتى من حجمه الجغرافي أو قدراته الاقتصادية، بل من طبيعة علاقاته البينية الوظيفية مع محيطه الإقليمي والدولي، فإضافة إلى كون لبنان الحاضنة الأساسية للفلسطينيين ولمراحل مفصلية من المقاومة الفلسطينية، مما جعله ساحة مواجهة لمنع محاولات التوطين وتصفية الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني، شكلت بيروت الخاصرة الأمنية والعمق الاستراتيجي المباشر لدمشق والقاهرة، إضافة إلى دورها الأساسي كعمق وامتداد حضاري وإنساني مع بغداد، لذلك نجد أن الجغرافيا فرضت على لبنان معادلة تقوم على إدارة التوازنات الحادة بدلاً من الانسجام الداخلي، وذلك عبر ثلاث سمات هيكلية:
– التماس المباشر بين الشرق المضطرب والغرب المتوسطي.
– الوقوع ضمن تموضع ثلاثي التأثير: (سوريا – فلسطين المحتلة – حوض المتوسط).
– الانقسام المجتمعي العمودي، مما يضمن ترجمة أي تحول أو انعطافة إقليمية إلى أزمة داخلية مباشرة.

ثالثاً: جدلية الجغرافيا والمقاومة

شهدت الفترة الممتدة من أواخر عام 2024 حتى منتصف عام 2026 تحولات عسكرية وجغرافية حادة أعادت رسم الخريطة الأمنية للجنوب اللبناني، فقد تلا وقف إطلاق النار الذي تم في 27 نوفمبر 2024 حالة ترقُب هشة، ورغم التزام «حزب الله» الذي تعرض لضربات كبيرة بالتفاهمات الميدانية واكتفائه بإعادة ترتيب أوراق قوته في ظل تحركات وضبط من الجيش اللبناني جنوب الليطاني، واصلت القوات الإسرائيلية عمليات الخرق واستهداف المواقع والتثبيت العسكري على تلال حيوية بمحاذاة الحدود.

وأفضت الترتيبات الجديدة لوقف إطلاق النار في 17 أبريل 2026 إلى واقع ميداني مغاير، حيث استحدثت القوات الإسرائيلية ما يسمى بـ«الخط الأصفر» داخل الأراضي اللبنانية، وأسفر هذا الإجراء عن اقتطاع وشل حركة السيادة اللبنانية على مساحة تُقدر بـ608 كيلومترات مربعة (نحو 6% من إجمالي مساحة لبنان)، وتحويل عشرات البلدات الحدودية إلى مناطق عازلة ومسواة بالأرض، كما اتسعت إنذارات الإخلاء الحيوية لتشمل كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني (قرابة 1000 كيلومتر مربع) وامتدت تدريجياً لبلدات شمال الليطاني والبقاع، مما أحدث تغييراً جيومورفولوجياً وديموغرافياً قسرياً.

رابعاً: مستقبل المشرق العربي وسيناريوهات إعادة توزيع النفوذ

أظهرت الانعطافات العسكرية المتتالية حدود الفرضيات التي بُنيت عليها «الاتفاقيات الإبراهيمية»، حيث أثبتت التطورات أن مراهنة البعض على منطق «السلام الاقتصادي» وتجاوز الحقوق السياسية الأساسية للقضية الفلسطينية هي مراهنة غير مستقرة، وأن أي ترتيبات أمنية لا تستند إلى تسوية سياسية عادلة وشاملة ستظل عرضة للانهيار عند أول اختبار عسكري حقيقي، في المقابل، تستمر الإدارات الأمريكية والمتغيرات في بيئة واشنطن الداخلية في التعامل مع أمن إسرائيل بوصفه أولوية استراتيجية وسياسية ثابتة، مما يفرض على الفاعلين العرب إعادة قراءة مراكز التأثير وصياغة أدوات ضغط موحدة ومباشرة.

تخلص هذه الدراسة إلى أن إقليم المشرق العربي يقف اليوم عند لحظة فارقة تشهد انزياحاً استراتيجياً وتفككاً للمعادلات الأمنية التي سادت خلال العقود الماضية، فمع الانكفاء التدريجي لفائض القوة الإيراني، وتمدد الطموحات الجيوسياسية التركية، وسعي إسرائيل لفرض واقع أمني جديد بقوة السلاح، باتت الساحة اللبنانية تقف كـ«مرتكز ثقل» ومؤشر حيوي لاتجاهات الرياح الإقليمية والدولية.

اقرأ أيضا: حسام موافي يوضح أسباب الاستسقاء وعلاقته بانخفاض الألبومين

وبناءً على المعطيات الميدانية والتحولات التي رصدتها الدراسة، يمكن طرح ثلاثة سيناريوهات مستقبلية محتملة لرسم خرائط النفوذ والاستقرار في المشرق العربي، يقع لبنان في قلب كل منها:

السيناريو الأول: يقوم هذا السيناريو على فرضية دمج فضاء بلاد الشام مع منطقة الخليج العربي ضمن تكتل جيواقتصادي يضم تركيا، بتسهيل ورعاية من الولايات المتحدة الأمريكية، ويتحول لبنان في هذا السيناريو إلى منفذ بحري ولوجيستي رئيسي لهذا الشريان الاقتصادي، بشرط تحييده العسكري التام وتأمين شواطئه وموانئه تحت مظلة تفاهمات دولية، ويتطلب هذا المسار تحقيق مقاربة وتنسيق أمني وسياسي غير مباشر (أو مباشر) بين أنقرة وتل أبيب، وهو ما تسعى واشنطن لهندسته لضمان استقرار شبكات التجارة وممرات الطاقة العابرة للحدود. ويتعزز هذا السيناريو عبر إعادة ربط العراق جيواقتصادياً بسوريا وتركيا، وهو المشروع الذي تبلورت ملامحه الاستراتيجية خلال المحادثات الرسمية الأخيرة بين رئيس الوزراء العراقي والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن، والتي ركزت على مشاريع الربط القاري والتكامل الاقتصادي العابر للإقليم.

السيناريو الثاني: صعود دور عربي – إقليمي متوازن يهدف إلى استعادة الفاعلية العربية مقابل المشاريع التركية والإسرائيلية والإيرانية، ويرتكز هذا المسار على تفعيل ثنائية (مصر من جهة، والسعودية ودول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى)، بالتوازي مع بناء تفاهمات متوازنة مع أنقرة، واستكمال دمج المظلة السورية في المنظومة العربية الرسمية، وتثبيت الاستقرار المؤسسي والأمني في الأردن والعراق، ويشكل هذا السيناريو الخيار الأكثر أماناً لبيروت، إذ يتيح لها استعادة دورها العربي والدبلوماسي، والحصول على حزم الإنقاذ الاقتصادي والمالي دون التفريط بشرعية مؤسساتها الوطنية.

يعتمد نجاح هذا المشروع حكماً على إعادة بناء مؤسسات الدولة الوطنية اللبنانية، ورفع غطاء «فائض القوة الأحادية» عن الفاعلين من غير الدول، ومن هنا نلمس الرغبة والضغوط الأمريكية والدولية المكثفة لنزع سلاح «حزب الله» جنوب وشمال الليطاني، بالتوازي مع الضغط لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية وتفكيك الفصائل المسلحة في العراق، لتكريس احتكار الدولة للشرعية والسلاح.

السيناريو الثالث: يفترض هذا السيناريو التوسع القسري أو التفاوضي لـ«الاتفاقيات الإبراهيمية» لتمتد وتطال لبنان وسوريا، محققةً اندماجاً كاملاً بين فضاء الشام والخليج وحوض شرق المتوسط قيادةً وتوجيهاً إسرائيلياً، بدعم من التحولات الجارية في واشنطن، ويستند هذا المسار إلى فرض واقع جيوسياسي قائم على القوة المباشرة، وتفكيك بنى المقاومة، واستغلال حالة الإنهاك الاقتصادي والإنهاك الميداني لدول المشرق لفرض التكيف مع المنظومة الأمنية الإسرائيلية، يترتب على هذا المسار إعادة هيكلة عميقة للتركيبة اللبنانية، وفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد على غرار مناطق «الخط الأصفر» والسيطرة الحدودية، مما يُفقد لبنان وظيفته التاريخية كساحة مواجهة، ويضعه تحت سيطرة هيكلية إقليمية جديدة تُنهي توازناته الدستورية والتاريخية التقليدية.

* باحث وأكاديمي في الشؤون السياسية والاستراتيجية – العراق.

اقرأ أيضا: احذر هذا الفعل وأنت تحكي حلمك.. خطيب المسجد الحرام: من كبائر الذنوب

‫0 تعليق