هل يصبح البحر الأحمر طوق نجاة العالم؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

بعد الأحداث الخطيرة التي شهدها العالم بسبب التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز، وما ترتب عليها من مخاطر تهدد قدرة السفن على الدخول والخروج بأمان، عاد البحر الأحمر إلى واجهة الاهتمام، باعتباره أحد أهم البدائل الاستراتيجية لحركة التجارة والطاقة العالمية. غير أن البحر الأحمر نفسه يواجه مخاطر متعددة، يأتي في مقدمتها اعتداءات الحوثيين التي تهدد أمن الملاحة وحركة السفن التجارية.

اقرأ أيضا: حسام موافي يوضح أسباب الاستسقاء وعلاقته بانخفاض الألبومين

لكن البحر الأحمر لا يمثل بديلاً كاملاً لمضيق هرمز بالنسبة إلى جميع صادرات دول الخليج، وإنما يُعد مساراً بديلاً مهماً لبعض صادرات الطاقة، ولا سيما النفط السعودي المنقول عبر خط أنابيب الشرق – الغرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، أما الإمارات فتستطيع تجاوز مضيق هرمز جزئياً عبر خط أنابيب يصل إلى ميناء الفجيرة على خليج عُمان.

وهنا يبرز سؤال استراتيجي مهم: هل تكون حماية البحر الأحمر أكثر فاعلية عبر الدول العربية المطلة عليه أم من خلال الأساطيل الأمريكية والأوروبية؟ وهل تملك دول المنطقة مفاتيح حماية شرايين التجارة والطاقة؟

الإجابة ليست سهلة، لأن البحر الأحمر يرتبط بمنظومة أوسع من الممرات البحرية، تبدأ من المحيط الهندي والخليج العربي، مروراً بباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، وصولاً إلى البحر المتوسط.

وتؤكد المنظمة البحرية الدولية أن البحر الأحمر وباب المندب يمثلان طريقاً بالغ الأهمية للتجارة بين أوروبا وآسيا، فيما تؤدي الاضطرابات الأمنية إلى تهديد حرية الملاحة وزيادة تكاليف النقل والتأمين والاستثمار البحري.

ومنطق تأمين البحر الأحمر عبر الدول العربية يستند إلى حقيقة بسيطة، وهي أن هذه الدول هي الأكثر ارتباطاً بأمنه واستقراره، والأكثر تأثراً بأي اضطراب يصيبه.

في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية قدرات بحرية واستخباراتية وتكنولوجية ضخمة، تجعل وجودها عامل ردع مهماً في حماية الملاحة الدولية.

وقد أطلق الاتحاد الأوروبي عملية «أسبيدس» لحماية حرية الملاحة في البحر الأحمر، وقرر في فبراير 2026 تمديدها حتى 28 فبراير 2027، ولا تقتصر مهمتها على البحر الأحمر، وإنما تشمل مراقبة الوضع البحري في باب المندب وخليج عدن وبحر العرب وخليج عُمان ومضيق هرمز.

وكانت الولايات المتحدة قد أطلقت في ديسمبر 2023 عملية «حارس الازدهار»، وهي مبادرة أمنية متعددة الجنسيات تعمل تحت مظلة القوات البحرية المشتركة، وتهدف إلى مواجهة التهديدات الأمنية وحماية حرية الملاحة في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، وبذلك يضم الوجود الدولي في المنطقة جهوداً أمريكية وأوروبية توفر الحماية للسفن التجارية وتدعم مراقبة الممرات البحرية.

وهنا تظهر أهمية الوجود الغربي، فهو قادر على توفير قدرات متقدمة في الاستطلاع والدفاع الجوي والبحري وحماية السفن التجارية، وهي إمكانات يصعب على دولة واحدة في المنطقة توفيرها بصورة منفردة.

لكن الاعتماد المفرط على الأساطيل الأجنبية يفتح، في المقابل، سؤالاً سياسياً حساساً: هل يصبح أمن الممرات البحرية العربية مرهوناً بقرارات عواصم تقع خارج المنطقة؟

وعلى الجانب العربي، أُنشئ في يناير 2020 مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، ويضم مصر والسعودية والأردن واليمن والسودان وجيبوتي والصومال وإريتريا، بهدف تنسيق الجهود المتعلقة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وحماية الملاحة.

ومؤخراً، أعلنت 14 دولة عربية وآسيوية وأفريقية، في مقدمتها مصر والسعودية وتركيا وباكستان والصومال، التزامها بتأسيس تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات، مؤكدة ضرورة تعزيز التعاون الدفاعي البحري الجماعي لحماية حرية الملاحة وخطوط التجارة الدولية، وتأمين طرق إمدادات الطاقة العالمية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.

كما أن الأمن البحري لا يتعلق بالسفن الحربية فقط، وإنما يشمل حماية الموانئ والمنشآت النفطية وخطوط الملاحة والمنشآت الحيوية، ومكافحة التهريب والقرصنة والهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ.

ولفهم الصورة كاملة، لا يمكن فصل البحر الأحمر عن مضيق هرمز، فهو البوابة التي تربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويعد إحدى أهم بوابات الطاقة في العالم، وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن متوسط نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية مر عبر المضيق خلال عام 2025، بما يعادل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً على مستوى العالم.

اقرأ أيضا: احذر هذا الفعل وأنت تحكي حلمك.. خطيب المسجد الحرام: من كبائر الذنوب

ومع ذلك، تظل قدرة الطرق البديلة محدودة مقارنة بحجم التدفقات التي تمر عبر مضيق هرمز، ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، تتراوح الطاقة المتاحة للطرق البديلة بين 3.5 و5.5 مليون برميل يومياً فقط، وذلك أساساً عبر خط أنابيب الشرق – الغرب السعودي إلى البحر الأحمر وخط الأنابيب الإماراتي إلى ميناء الفجيرة، كما لا توجد طرق بديلة كافية لنقل معظم صادرات الغاز الطبيعي المسال التي تمر عبر مضيق هرمز.

وعندما تتعرض الملاحة في هرمز للاضطراب، يزداد الضغط على الطرق البديلة، ومن بينها البحر الأحمر، خصوصاً بالنسبة إلى صادرات النفط السعودي، التي يمكن نقلها إلى ميناء ينبع، ولذلك تزداد الأهمية الاستراتيجية لأمن البحر الأحمر بالتزامن مع أي اضطراب في مضيق هرمز، رغم أن البحر الأحمر لا يستطيع تعويض جميع كميات النفط والغاز التي تمر عبر المضيق.

المعادلة الأكثر واقعية لا تبدو في الاختيار بين الأمن العربي والوجود الأمريكي والأوروبي، وإنما في بناء منظومة أمن بحري إقليمية تقودها دول المنطقة، وتستفيد في الوقت نفسه من القدرات الدولية بما لا يمس سيادتها.

ويمكن أن تقوم هذه المنظومة على إنشاء مركز عربي مشترك للمعلومات والاستخبارات البحرية، وتنظيم دوريات وتمارين بحرية مشتركة، وبناء شبكة إنذار مبكر ضد الصواريخ والطائرات المسيرة، وتنسيق حماية الموانئ والمنشآت النفطية، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا والخبرات الدولية مع بقاء القيادة والقرار في أيدي دول المنطقة.

فالدول العربية تمتلك الجغرافيا والمصلحة المباشرة، بينما تمتلك القوى الكبرى التكنولوجيا والقدرات العسكرية والاستخباراتية المتقدمة، والجمع بين الاثنين قد يكون الطريق الأكثر واقعية لحماية البحر الأحمر وضمان حرية الملاحة.

ولذلك، فإن أي استراتيجية جادة للأمن البحري العربي يجب أن تنظر إلى هذه الممرات باعتبارها سلسلة واحدة من شرايين التجارة والطاقة العالمية، وأن يكون التعاون العربي حجر الأساس فيها، مع الاستفادة من القدرات الدولية بقدر الإمكان وبما يحفظ سيادة دول المنطقة.

في النهاية.. فإن أمن البحر الأحمر لا يُحمى بالبيانات والتحالفات المعلنة وحدها، بل بإرادة سياسية، وقوة مشتركة قادرة على التحرك عند الخطر، والمعادلة واضحة: شراكة دولية تدعم قيادة إقليمية، ولا وجود أجنبي يحل محلها.

فالبحر الأحمر ليس مجرد ممر للسفن، بل شريان لقناة السويس، والموانئ العربية وصادرات الطاقة والاقتصاد العالمي، ومن لا يملك القدرة على حماية ممراته، يترك للآخرين التحكم في أمنه وتجارته وقراره. لذلك، يجب أن تكون دول المنطقة صاحبة المبادرة والقرار، لأن من يملك مفاتيح البحر الأحمر يملك موقعاً مؤثراً في معادلة القوة والتجارة والطاقة في العالم.

اقرأ أيضا: البترول تتحرك لتعظيم عوائد الفوسفات.. تسريع تنفيذ مصنع الأسمدة بقناة السويس

‫0 تعليق