اقرأ أيضا: نظام الموارد البشرية المعدل يدخل حيّز التنفيذ
يا معاذ…
ها قد جاء يوم ميلادك الثالث والأربعون، وأنا لا أدري: أأستعيد فرحة اليوم الذي جئتَ فيه إلى الدنيا، أم أبكي قلبًا ما زال منذ رحيلك يتعلّم معنى الفقد كل صباح؟
يا ولدي… أما زلتَ تذكر صوت أبيك؟ أما زلتَ تعرف أن في الأرض قلبًا كلما ذُكر اسمك، خفق كما لو أن المسافة بين الأرض والسماء قد انطوت للحظة، وأن الغائب عاد قريبًا حتى تكاد الروح تلمسه؟
أعرف يا معاذ… أعرف أن الله لم يأخذك من العمر إلا ليهبك برحمته، ما هو أبقى من العمر، ولم يُطفئ نورك في عيوننا إلا ليبقى رجاؤنا معلّقًا بنورٍ لا يخبو عنده. وأعرف أن للشهيد حياةً وعد الله بها، حياةً حجبتها عن عيوننا ستائر الغيب، لكنها ما غابت عن يقين القلب. ولعلّ هذا اليقين هو اليد الخفيّة التي تربّت على قلب أبيك كلما أثقله الشوق، وتهمس له: إن الذي غاب عن عينيك لم يغب عن رحمة الله.
لكنني أبٌ يا معاذ… وقلب الأب، وإن امتلأ بالرضا، يظل فيه موضعٌ لا يبلغه إلا الحنين. لا تُقنعه المنازل العالية أن ينسى، ولا تطفئ بشائر الرحمة شوقه إلى وجهٍ أحبّه، وصوتٍ كان يملأ أيامه حياة.
في مثل هذا اليوم، لا أبحث عن تاريخٍ في الروزنامة، بل أبحث عنك… عن ضحكتك التي كانت تملأ البيت دفئًا، وعن خطاك التي كانت إذا أقبلت أقبل معها العمر كله.
اليوم كان ينبغي أن تُطفئ شمعتك الثالثة والأربعين، لكنك تركت لنا نورًا لا تطفئه السنين. رحلتَ، وبقي عيد ميلادك موعدًا تتجدد فيه الحكاية؛ حكاية أبٍ ما زال، كلما مرّ هذا اليوم، يفتح باب قلبه على اتساعه، لعلّك تعود ولو لحظةً من ذاكرةٍ لا تشيخ.
كلما مرّ يوم ميلادك، لا أعدّ السنوات التي مضت عليك، بل أعدّ السنوات التي مرّت عليّ من دونك. أفتّش عنك في تفاصيل البيت، لا لأنني أجهل أنك في رحمة ربٍ كريم، بل لأن الأماكن التي أحببتك فيها ما زالت تحفظ شيئًا منك، وكأنها تأبى أن تتعلّم الغياب. أمرُّ بالمقاعد فأراك، وأفتح الباب فتسبقني روحي إلى انتظار خطاك، ويطول الصمت فأسمع في أعماقه صوتك. كأنك لم تغب عن البيت… بل كأن البيت هو الذي غاب منذ غبت.
يا معاذ… ما أصعب أن يحمل الأب في قلبه يقين المؤمن وشوق الأب في آنٍ واحد؛ أن يقول بقلبٍ راضٍ: الحمد لله، ثم تنحدر من عينه دمعةٌ تعرف وحدها كم كلّف هذا الرضا من الحنين. أرفع كفّي إلى السماء، فأحمد الله الذي شرّفك بالشهادة، وأسأله أن يتقبّلك في الصالحين، وأن يجعل مقامك في عليين، ثم أضمّ كفّي إلى صدري، كأنني في لحظة ضعف أبٍ أبحث عنك بين أضلعي. ولا أدري يا ولدي، أيهما أشد وجعًا: دمعةُ الفخر بك، أم دمعةُ الاشتياق إليك؟
يا معاذ… لم أعد أسأل: لماذا رحلت؟ فقد سلّمت أمري لمن لا يختار لعبده إلا ما كتب، وآمنت أن لله في أقداره حكمةً قد يعجز القلب عن إدراكها، لكنه يسكن إليها حين يوقن برحمته. لكنني كثيرًا ما أسأل نفسي: كيف استطاع هذا العالم أن يستمر بعد أن غبت؟ كيف أشرقت الشموس، وتعاقبت الفصول، ومضت الأيام كأن شيئًا لم يحدث، بينما بقي جزءٌ من أبيك واقفًا هناك… عند آخر لحظةٍ كان فيها الوداع بيننا ممكنًا؟
يا قطعةً من روحي… يقولون إن لكل إنسان بيتًا يأوي إليه، أما أنا فمنذ رحيلك لم يعد البيت عندي جدرانًا وسقفًا. صار بيتي دعاءً أرفعه إليك كل ليلة، وصارت نافذتي إلى لقائك رجاءً لا ينطفئ، وصار عزائي يقينًا بأن الله الذي جمعنا مرةً في هذه الدنيا، قادرٌ أن يجمعنا مرةً أخرى في دارٍ لا موت فيها، ولا حرب، ولا فراق، ولا وداع.
اقرأ أيضا: رسائلٌ من معان | وجهة نظر
سلامٌ عليك يا ابا هاشم ، في ذكرى ميلادك الثالث والأربعين. سلامٌ على وجهٍ غاب عن عيني، وما غاب عن قلبي يومًا. سلامٌ على صوتٍ سكن الذاكرة حتى صار بعضًا من صوتي. وسلامٌ على روحٍ علّمت أباها أن بعض الغياب حضورٌ لا ينتهي، وأن الشهادة ليست انطفاء العمر، بل عبورٌ من عمرٍ فانٍ إلى رجاء الخلود في رحمة الله.
رحمك الله يا ولدي… رحم الله ضحكتك التي ما زالت تضيء عتمة الحنين، ورحم تلك الأيام التي كنتَ فيها قريبًا فأحسب القرب أمرًا عاديًا، ولم أكن أعلم أن بعض النِّعم لا نعرف اتساعها إلا حين تصبح ذكرى.
وفي يوم ميلادك، لا أملك لك هديةً تصل إليك إلا دعائي: اللهم إن معاذًا كان قطعةً من قلبي أودعتُها عندك، وأنت أرحم به مني؛ فأكرم نزله، وأنر مرقده، وارفع درجته، واجمعني به يومًا في مستقر رحمتك، حيث لا أقول له بعدها: وداعًا.
إلى ذلك اللقاء يا معاذ… سيبقى لك في قلب أبيك مكانٌ لا يسكنه أحد، وسيظل اسمك كلما مرّ على شفتيّ دعاءً، وكلما مرّ على قلبي وجعًا جميلًا يختلط فيه الفخر بالشوق. وسأظل، ما بقي لي من العمر بقية، أرفع رأسي فخرًا بك، ثم أخفضه قليلًا… كي لا يرى أحدٌ دمعةَ أبٍ ما زال يشتاق إلى ولده.
سلامٌ على روحك الطاهرة يا معاذ، ما بقي في هذا الوطن قلبٌ يعرف معنى الوفاء، وسلامٌ على أرواح جميع شهداء الوطن؛ أولئك الذين مضوا إلى الله وبقيت أسماؤهم في ذاكرة الأرض، وبقيت تضحياتهم ضوءًا لا يخبو في دروب الأجيال.
رحمكم الله جميعًا، وتقبّلكم في الشهداء والصالحين، وجعل هذا الوطن الذي أحببتموه وبذلتم أرواحكم من أجله آمنًا عزيزًا، وحفظه من كل سوء.
اقرأ أيضا: 5 أخطاء تربك التحاق الطالب بالجامعة
