
بعد خمس سنوات على
الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، لا تزال حركة طالبان تفرض سيطرتها على البلاد،
بينما تبدو محاولات عزلها دوليًا أقل تأثيرًا في تغيير سلوكها أو إضعاف نفوذها.
اقرأ أيضا: نيوم يهزم الفيحاء بثنائية في افتتاح دوري روشن
وأكدت مجلة “إيكونوميست”
أن حركة طالبان لن تختفي من المشهد الأفغاني، داعية الولايات المتحدة والدول الغربية
إلى التخلي عن سياسة عزل الحركة والبدء في التعامل معها باعتبارها السلطة التي يُرجح
أن تواصل حكم أفغانستان في المستقبل المنظور، حتى مع استمرار الخلافات العميقة حول
سياساتها وممارساتها.
وأشارت المجلة، في
افتتاحية لعددها الخاص عن أفغانستان، إلى أن قرار الولايات المتحدة الانسحاب من البلاد
قبل خمس سنوات لم يكن مفروضًا عليها بصورة حتمية، إذ كان بإمكان واشنطن، بحسب تقديرها،
مواصلة دعم الحكومة الأفغانية المنتخبة ديمقراطيًا، رغم عيوبها، لكنها اختارت إنهاء
وجودها العسكري بعد سنوات من الحرب.
ولفتت إلى أن قرار
الانسحاب جاء في ظل حالة من السأم لدى الناخب الأمريكي من أطول حرب خاضتها الولايات
المتحدة، بعدما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد وضع جدولًا زمنيًا للانسحاب، قبل
أن ينفذ الرئيس جو بايدن الانسحاب الأمريكي بصورة كاملة.
وقالت “إيكونوميست”
إن اقتراب رحيل القوات الأمريكية دفع الأفغان المسلحين إلى إعادة حساباتهم بشأن مستقبل
الحرب، إذ بدأ أمراء الحرب في تغيير تحالفاتهم، بينما تخلى جنود الحكومة عن مواقعهم
وتفرقوا، وسرعان ما انهارت الحكومة الأفغانية، لتستولي طالبان على السلطة دون مقاومة
تذكر.
وأشارت إلى أن المشهد
الذي رافق الانسحاب الأمريكي أصبح من أكثر الصور رمزية لنهاية الحرب، بعدما حاول مدنيون
أفغان يائسون، كانوا يسعون إلى الفرار من حكامهم الجدد، التشبث بعجلات طائرة أمريكية
مغادرة، قبل أن يسقط بعضهم منها ويلقوا حتفهم.
طالبان من الحكم إلى
الحرب ثم العودة
وأوضحت المجلة أن طالبان
كانت قد سيطرت على السلطة للمرة الأولى عام 1996، وفرضت آنذاك مزيجًا قاسيًا من الممارسات
الدينية التي امتزجت بالعادات القبلية القديمة، بما في ذلك منع تعليم الفتيات وفرض
عقوبات قاسية على المخالفين.
وأشارت إلى أن الولايات
المتحدة وحلفاءها أطاحوا بالحركة بعد إيوائها تنظيم القاعدة، الذي نفذ هجمات 11 أيلول
/ سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، لكن مقاتلي طالبان سرعان ما بدأوا حرب عصابات ضد
النظام الديمقراطي الذي أقامته واشنطن في أفغانستان.
وقالت “إيكونوميست”
إن مقاتلي الحركة استهدفوا القضاة ورجال الشرطة وكل من اعتبروه متعاونًا مع النظام
المدعوم من الولايات المتحدة، قبل أن ينتهي المشروع الأمريكي في البلاد، مع انسحاب
بايدن، بهزيمة وصفتها المجلة بأنها كانت مذلة.
وأضافت أن قوى أخرى
استخلصت من التجربة الأفغانية استنتاجات بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للوقوف
إلى جانب حلفائها، مشيرة إلى أنه بعد ستة أشهر فقط من الانسحاب الأمريكي من أفغانستان،
غزا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوكرانيا.
أفغانستان التي نسيها
الغرب
وأكدت المجلة أن الولايات
المتحدة نسيت أفغانستان إلى حد كبير، معتبرة أن ذلك يمثل خطأ، لأن البلاد يمكن أن تتسبب
مجددًا في اضطرابات جيوسياسية إذا جرى تجاهلها، فضلًا عن أن استمرار عزلها قد يجعلها
أكثر عرضة للوقوع في فلك الصين أو روسيا.
وأشارت “إيكونوميست”
إلى أن مراسلها أجرى رحلة برية داخل أفغانستان قطع خلالها نحو ألف كيلومتر، ووجد أن
طالبان تفرض سيطرة كاملة على البلاد، وأن الوضع يبدو هادئًا إلى حد كبير، باستثناء
مناوشات متقطعة مع باكستان.
لكن المجلة شددت على
أن هذا الاستقرار يبقى هشًا، لافتة إلى أن الموسيقى ممنوعة، وأن رجالًا مسلحين يسيطرون
على الشوارع، بينما تعاقب شرطة الآداب المخالفين بالضرب، بما في ذلك رجال ترى السلطات
أن لحاهم غير مكتملة.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت إلى أن النساء
ممنوعات من العمل والدراسة في الجامعات والسفر دون ولي، كما تمنع الفتيات من الالتحاق
بالمدارس الثانوية، في وقت أصبح فيه زواج الأطفال قانونيًا، وهو ما أدى، بحسب المجلة،
إلى إجبار كثير من الفتيات على الزواج بعد وقت قصير من انتهاء المرحلة الدراسية المتاحة
لهن.
وقالت “إيكونوميست”
إن من الصعب تحديد حجم الفقر والمرض والمعاناة التي خلفتها هذه السياسات على الأفغان،
خصوصًا أن جمع البيانات لا يمثل أولوية لدى حركة طالبان.
رغبة في الحرية وسيطرة
للمتشددين
ولفتت المجلة إلى أن
مراسلها لاحظ خلال رحلته أن غالبية الأفغان يتطلعون إلى قدر أكبر من الحرية، وأن كثيرًا
من عناصر طالبان أنفسهم لم يعودوا، بعد سنوات من الابتعاد عن السلطة، يؤمنون بأن السماح
للفتيات بتعلم القراءة والكتابة سيؤدي إلى انهيار المجتمع.
لكن “إيكونوميست”
أشارت في المقابل إلى أن المتشددين داخل الحركة تمكنوا من فرض سيطرتهم بقوة، موضحة
أن زعيم طالبان هبة الله أخوند زاده شكل حرسًا جمهوريًا مواليًا له، وسيطر على عقود
تعدين مربحة.
وأضافت أن عناصر طالبان
الأكثر اعتدالًا يفتقرون في الغالب إلى القوة اللازمة لمواجهته، أو يخشون عواقب ذلك،
بينما اضطر حتى أولئك الذين تجرأوا على تحديه إلى الفرار.
سياسة العزل لم تنجح
وأكدت المجلة أن الولايات
المتحدة وأوروبا حاولتا عزل نظام طالبان من خلال رفض الاعتراف به، وتجميد احتياطيات
البنك المركزي الأفغاني الموجودة في الخارج، وفرض عقوبات على مسؤولين في الحركة، إلا
أن هذه السياسة لم تحقق النتائج التي أرادها الغرب.
وأشارت إلى أن المتشددين
في طالبان لا يكترثون ببقاء الدبلوماسيين والمستثمرين الغربيين بعيدًا عن البلاد، كما
أنهم لن يغيروا أيديولوجيتهم لمجرد استعادة أصول الحكومة الأفغانية السابقة.
ولذلك، ترى “إيكونوميست”
أن الدول الغربية تحتاج إلى تجربة نهج جديد يقوم أولًا على الاعتراف بعدد من الحقائق
الصعبة، وفي مقدمتها أن طالبان لن تختفي، وأن قوى أخرى ستتعاون معها إذا رفض الغرب
التعامل معها.
اظهار أخبار متعلقة
وقالت المجلة إن روسيا
اعترفت رسميًا بطالبان، بينما تتعاون الصين والهند وتركيا والإمارات العربية المتحدة
مع الحركة في ملفات مختلفة، من بينها التعدين والتجارة.
كما أشارت إلى أن نظام
طالبان أصبح عاملًا مؤثرًا في العلاقات بين الهند وباكستان، إذ تخشى إسلام آباد من
أن يؤدي توثيق العلاقات بين نيودلهي وكابول إلى وضع باكستان أمام جارتين تنظر إليهما
باعتبارهما خصمين.
بداية تحول في الموقف
الغربي
ولفتت “إيكونوميست”
إلى أن بعض ملامح نهج غربي أكثر حزمًا بدأت في الظهور، موضحة أن الأوروبيين ما زالوا
يعتبرون النظام الأفغاني غير مقبول، لكنهم دعوا في حزيران / يونيو مسؤولين من طالبان
إلى بروكسل لبحث ملف تدفق المهاجرين وإعادة طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم إلى أفغانستان.
اقرأ أيضا: جيل إماراتي يقرأ العالم ويحاور ثقافته بلغة الدبلوماسية
وأضافت أن الولايات
المتحدة تتبادل أيضًا معلومات استخباراتية بصورة سرية مع طالبان في إطار حربها ضد الجماعات
الإسلامية المتطرفة.
وترى المجلة أن هناك
مجالات أخرى يمكن أن يكون التعاون فيها منطقيًا، لكنها شددت على أن الإفراج عن 4.2
مليار دولار من احتياطيات البنك المركزي الأفغاني الموجودة في سويسرا سيكون سابقًا
لأوانه، إذ ترى أن هذه الأموال ستستخدم حتمًا لدعم زعيم طالبان.
وفي المقابل، دعت
“إيكونوميست” المانحين إلى التوقف عن خفض المساعدات الإنسانية لأفغانستان،
مشيرة إلى أن هذه المساعدات انخفضت بنحو 70 بالمئة منذ عام 2022، في وقت يحتاج فيه
إليها ما يقرب من نصف السكان، وفق أحد التقديرات.
كما اعتبرت أن وجود
وكالات تابعة للأمم المتحدة داخل البلاد يظل مفيدًا، لأنها يمكن أن تعمل كـ”عيون
وآذان” ترصد مؤشرات المجاعة أو الاضطرابات أو عمليات سرقة المساعدات وتحذر منها
في وقت مبكر.
العقوبات والاستثمار
وقالت المجلة إن الخطوة
الثانية التي ينبغي على الغرب بحثها تتمثل في إصلاح نظام العقوبات المفروض على أفغانستان،
مشيرة إلى أن عددًا من كبار قادة طالبان الذين فُرضت عليهم عقوبات قبل عقود بسبب اتهامات
مرتبطة بالإرهاب يشغلون الآن مناصب وزارية.
اظهار أخبار متعلقة
وأشارت إلى أن استمرار
العقوبات يؤدي، بصورة غير مقصودة، إلى عزل أفغانستان عن النظام المالي العالمي وحرمانها
من الاستثمارات الخاصة، إذ تخشى الشركات الغربية الدخول في أعمال داخل البلاد خشية
مخالفة قوانين تمويل الإرهاب.
وأكدت أن تغيير هذا
الوضع يمكن أن يساعد على تعزيز النمو الاقتصادي، وهو ما قد يساهم في تخفيف البطالة
الجماعية التي تمثل، على المدى الطويل، أحد مصادر تهديد استقرار البلاد.
هل يعترف الغرب بطالبان؟
وأشارت “إيكونوميست”
إلى أن الخطوة الأكثر إثارة للجدل تتمثل في الاعتراف الدبلوماسي بحكومة طالبان، موضحة
أن الاعتراف لا يعني الموافقة على النظام أو سياساته، إذ إن الحكومات المحترمة، بحسب
المجلة، تعترف في أحيان كثيرة بأنظمة ترفضها أو تحتقرها سياسيًا.
وأوضحت أن الاعتراف
سيعني في الأساس قبول حقيقة أن طالبان يُرجح أن تواصل حكم أفغانستان في المستقبل المنظور،
وأن قطع العلاقات الدبلوماسية لا يمثل ورقة مساومة فعالة مع الحركة، التي لا ترى أن
شرعيتها تعتمد على رأي الدول غير المسلمة.
لكن المجلة رأت في
الوقت نفسه أن وجود سفارات غربية عاملة في أفغانستان يمكن أن يوفر قدرة أكبر على مراقبة
التهديدات الإرهابية، وإنشاء قنوات اتصال مباشرة ومفيدة، وربما تشجيع العناصر الأكثر
اعتدالًا داخل النظام على المدى الطويل.
الحوار بدل العزلة
وخلصت “إيكونوميست”
إلى أن إصلاح حكومة طالبان، التي وصفتها بأنها “بغيضة”، يجب أن يأتي في معظمه
من داخل أفغانستان، وقد يحتاج إلى عقود حتى يتحقق.
ومع ذلك، أكدت أن الحوار
الحكيم مع الحركة من المرجح أن يحقق فوائد أكبر من الأضرار، معتبرة أن الوقت حان أمام
الولايات المتحدة والديمقراطيات الأخرى للتغاضي عن بعض الأمور التي لا يمكن تغييرها
في الوقت الحالي، وفتح قنوات للحوار مع طالبان بدل الاستمرار في سياسة العزل التي لم
تؤد، بحسب تقييمها، إلى تغيير سلوك الحركة أو إزاحتها من السلطة.
اقرأ أيضا: مصر.. تفاصيل مروعة لجريمة قتل رجل 4 من أسرة طليقته بالرصاص
