أدخلت موجة الحر الحالية أوروبا في حالة تأهب بشأن مصادر الطاقة، حيث تعتمد عدة بلدان على الطاقة النووية لتوليد الكهرباء، إلى جانب التأثير على حركة الملاحة في بعض البلدان مثل ألمانيا بعد انخفاض منسوب مياه الأنهار.
اقرأ أيضا: العجز المائي في غزة يتجاوز 70%…
وتحتاج محطات الطاقة النووية إلى تبريد مستمر، أساسه الماء، على اختلاف مصادره، لكن المتأثر الأكبر هو الأنهار التي انخفض منسوبها بسبب موجة الحر الحالية، إلى جانب ارتفاع درجة حرارة المياه.
وتختلف آلية تبريد المحطات النووية بحسب مصادر المياه المتاحة كالأنهار، والبحار، والبحيرات أو الخزانات الاصطناعية.
التبريد عن طريق مياه الأنهار
تُبنى العديد من المفاعلات على ضفاف الأنهار الكبرى لاستخدام مياهها العذبة في تبريد المفاعلات النووية.
تقوم آلية التبريد عبر مياه الأنهار على طريقتين رئيسيتين؛ الأولى سحب كميات محدودة من مياه النهر لتبريد المفاعل، ثم تمريرها عبر أبراج التبريد لخفض حرارتها قبل إعادتها إلى النهر، والثانية – في الأنهار الكبرى ذات التدفق العالي – نظام التبريد المفتوح، حيث تسحب كميات كبيرة من المياه للتبريد، ثم تُعاد إلى النهر مباشرة.
ومن الأمثلة عليها محطة تشيرنافودا النووية الرومانية التي تعتمد على مياه نهر الدانوب.
Embed from Getty Images
وتفضل الدول هذه الآلية لأن المياه العذبة أقل ضررا للمعدات والأنابيب مقارنة بماء البحر المالح، لكن عيبها أنها تتأثر بالمناخ والطقس وانخفاض منسوب المياه.
التبريد عن طريق مياه البحار
تُبنى بعض المحطات النووية على السواحل البحرية مباشرة، على اعتبار البحار مصدر مياه لا ينضب، ولا يتأثر بالجفاف كالأنهار.
والآلية المستخدمة في التبريد هي الآلية المفتوحة، حيث تمر المياه من البحار إلى المفاعلات النووية لتبريدها ومن ثم طردها إلى البحر مجددا دون الحاجة إلى أبراج التبريد الشهيرة.
ومن الأمثلة عليها محطة غرافلين النووية الفرنسية على بحر الشمال.
Embed from Getty Images
ومن عيوب التبريد بماء البحر، ملوحة الماء التي تحتاج إلى أنابيب، ومعدات خاصة مصنعة من مواد عالية التكلفة مقارنة بمعدات وأنابيب المياه العذبة.
ومن عيوبها أيضا الكائنات البحرية لا سيما قناديل البحر، إذ أعلنت شركة الكهرباء الفرنسية الثلاثاء الماضي أن محطة نووية في شمال البلاد أوقفت ثلاثة مفاعلات بعدما تسبّب سرب من قناديل البحر في انسداد مضخات تُستخدم لتبريدها.
وذكرت الشركة في بيان أن ثلاثة مفاعلات أُخرجت من الخدمة، فيما خُفّض إنتاج مفاعل رابع إلى النصف، ما أبقى مفاعلا واحدا فقط يعمل بكامل طاقته.
التبريد عن طريق الخزانات والسدود
تعتمد المحطات النووية التي تستخدم الخزانات الصناعية والسدود على مخزون السد الصناعي، الذي يرفده أحيانا نهر قريب، ومن إيجابياتها أن الماء المستخدم فيها عذب غير مالح، ويعمل الخزان كبركة تبريد تسمح بتبديد الحرارة طبيعياً عبر السطح
ومن الأمثلة عليها محطة ألماراز النووية للطاقة في إسبانيا، والتي تعتمد على خزان أروكامبو.
Embed from Getty Images
أبرز الدول الأوروبية المتأثرة
تعتمد فرنسا على الطاقة النووية في حوالي 70 بالمئة من إنتاجها السنوي من الكهرباء.
وكشفت بيانات من شركة كهرباء فرنسا عن توقعات بأن تؤدي موجة الحر التي تشهدها أوروبا إلى خفض إنتاج الكهرباء من محطات الطاقة النووية في البلاد الجمعة بنحو 15 بالمئة من إجمالي طاقة تلك المحطات في البلاد، وسط تقديرات بتوقف ستة مفاعلات عن العمل تماما.

وبحسب وكالة رويترز، أظهرت بيانات الشركة أن من المتوقع وصول إجمالي الخفض في إنتاج الكهرباء من محطات الطاقة النووية إلى 9.4 جيجاوات عند الذروة الجمعة عبر تسعة مفاعلات.
وتحدد القواعد الفرنسية كمية الحرارة التي يمكن لمحطات الطاقة تصريفها في الأنهار لحماية البيئة، مما يجبر المفاعلات على خفض إنتاجها عندما ترتفع درجات حرارة المياه خلال موجات الحر.
وتقع أغلب المفاعلات الفرنسية على ضفاف الأنهار مثل الرون، اللوار، وغارون.

Eric Gaba (Sting – fr:Sting), CC BY-SA 2.5, via Wikimedia Commons
على سبيل المثال، في محطة “جولفيش”، يجب ألا يتجاوز متوسط الحرارة اليومي للنهر بعد الخلط 28 درجة مئوية، وفي ظروف استثنائية قد يُسمح برفعها إلى 30 درجة مئوية.
يوجد في المجر محطة نووية وحيدة، تحاول البلاد بكل جهدها إلى تلافي إغلاقها بسبب انخفاض منسوب نهر الدانوب الذي تعتمد عليه المحطة للتبريد.
وكانت محطة باكش النووية خفضت إنتاجها تدريجا خلال الأيام الماضية، مع تراجع منسوب النهر إلى مستويات قياسية نتيجة شح الأمطار وتوالي موجات الحر.
وقالت الحكومة إن المهندسين تمكنوا من تقليص كمية مياه التبريد اللازمة للإبقاء على إحدى التوربينات قيد التشغيل، مضيفا أن “الجميع يعملون من أجل إبقاء المحطة قيد الخدمة”.
وتسعى الحكومة إلى احتواء أي نقص محتمل في الطاقة عبر زيادة الواردات، وخفض الاستهلاك الطوعي لدى كبار المستهلكين، إضافة إلى تشجيع المواطنين على تقليل استهلاك الطاقة خلال ساعات الذروة المسائية.

وتحدد القوانين المجرية درجة حرارة مياه الدانوب بحد أقصى 30 درجة مئوية عند نقطة تبعد 500 متر من مكان التصريف.
أعلنت الشركة الوطنية الرومانية “نوكليار إلكتريكا” في بيان الخميس بدء آلية وقف الوحدة الثانية في محطة تشيرنافودا النووية بسبب “انخفاض منسوب المياه في نهر الدانوب”.
وهذا أول إغلاق للمحطة منذ موجة الحر عام 2003، حيث توقف العمل بها بسبب انخفاض مستوى نهر الدانوب.

وقالت وزارة الطاقة في بيان إنه من المفترض أن تغطي مصادر بديلة، ولا سيما طاقة الرياح والواردات، احتياجات البلاد من الكهرباء، مجددة الدعوة إلى “الاستهلاك المسؤول”.
ولم تحدد تاريخا لمعاودة تشغيل المحطة.
وتؤمّن المحطة عادة نحو خمس إجمالي الكهرباء في رومانيا، وجرى في نهاية الشهر الماضي وقف أحد مفاعلَيها البالغة قدرة كل منهما 700 ميغاواط.
