قرب يا بيه.. البضاعة وصلت.. الخائن محمد ناصر يتحول إلى بائع طماطم في سوق الشائعات.. من “الفرشة” إلى الشاشة تجارة أزمات بالصراخ وتغليف معاناة المواطن بالتهويل والتحريض وطرح الوهم كبضاعة سياسية جاهزة للبيع

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في مشهد أقرب إلى «فرشة» في سوق شعبي منه إلى برنامج يفترض أن يقدم خطابا إعلاميا، يواصل الإرهابي الهارب محمد ناصر تقديم نموذج يقوم على الصراخ والتهويل والاستعراض، وكأن الهدف لم يعد مناقشة القضايا بقدر ما أصبح جذب الانتباه بأي طريقة، حتى لو تحولت الشاشة إلى «سوق» لبيع الشائعات وترويج الانطباعات.

اقرأ أيضا: ضبابية بمسار المفاوضات بين إيران وامريكا.. طهران تنفي إحراز تقدم وواشنطن تتوعد بضغوط جديدة .. رئيس الباسيج: مضيق هرمز تحت سيطرتنا.. وإيران تكشف: أدلة على تلوث نفطي في سواحل جزيرة قشم

وبين رفع الصوت وتغيير نبرات الحديث والمبالغة في وصف الأزمات، يقدم ناصر خطابا يعتمد على الإثارة أكثر مما يعتمد على المعلومات، فيبدو المشهد أحيانا كأنه بائع ينادي على بضاعته بأعلى صوته، محاولا إقناع المارة بأن ما لديه هو «الفرصة الأخيرة»، بينما لا يقدم للمشاهد سوى خليط من التهويل والتشكيك والاستنتاجات غير الموثقة.

 

تعالى يا بيه.. حين تتحول الشاشة إلى فرشة سياسية

اللافت في طريقة التناول هو الاعتماد المتكرر على الأداء المسرحي، من الحركات المبالغ فيها إلى التلوين الصوتي، ثم الانتقال المفاجئ بين نبرة الاستعطاف والصراخ والهجوم، وهي أدوات تصلح لجذب الانتباه في عروض الشارع، لكنها تثير تساؤلات حقيقية عندما تصبح بديلا عن الأدلة والمعلومات.

فالمهنية الإعلامية لا تقاس بارتفاع الصوت، ولا بعدد العبارات الساخنة، ولا بقدرة المذيع على صناعة حالة انفعالية لدى المشاهد، وإنما بمدى دقة المعلومات، ووضوح مصادرها، والقدرة على عرض الوقائع في سياقها الكامل.

أما تحويل كل أزمة إلى «بضاعة» وكل معلومة إلى «سلعة» وكل خلاف إلى معركة، فيضع المشاهد أمام خطاب أقرب إلى المزاد السياسي منه إلى النقاش الإعلامي.

 

الصوت العالي.. محاولة لتغطية ضعف البضاعة

من أبرز أدوات هذا الخطاب، الصوت المرتفع والمبالغة في التعبير، وكأن الضجيج يمكن أن يمنح الرواية قوة لا توفرها الأدلة.

كلما ارتفعت حدة الخطاب، أصبح المشاهد أمام مساحة أقل للتفكير الهادئ، وكلما زادت العبارات الانفعالية، تراجعت مساحة التحقق والسؤال: من أين جاءت المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل هناك ما يؤكدها؟

وهنا يتحول الصراخ من مجرد أسلوب تقديم إلى وسيلة لصناعة الانطباع، بحيث يصبح وقع العبارة أهم من حقيقة ما تحمله.

 

التهريج والتلوين.. حين يصبح الأداء هو «المحتوى»

لا يكتفي هذا الأسلوب برفع الصوت، وإنما يعتمد أيضا على التهريج وتغيير الإيقاع والتعبيرات المسرحية، في محاولة لتحويل القضايا السياسية والاقتصادية إلى مشاهد ساخرة قابلة للاستهلاك السريع.

لكن المشكلة أن السخرية حين تنفصل عن المعلومات تتحول إلى أداة لتزييف الوعي، خصوصا عندما يتم تقديم الاستنتاجات على أنها حقائق، أو تضخيم أزمة حقيقية لتبدو وكأنها انهيار شامل، أو اقتطاع واقعة من سياقها لتقديم رواية تخدم الرسالة المراد تمريرها.

 

بيع الوهم.. من الأزمة الحقيقية إلى الرواية المفبركة

الأزمات الاقتصادية والاجتماعية موجودة في أي مجتمع، ومناقشتها حق مشروع وضرورة إعلامية، لكن الفارق بين النقد المسؤول والدعاية هو طريقة التعامل مع الحقيقة.

النقد يبحث عن الأرقام والمعلومات والمسؤوليات والحلول، بينما الخطاب القائم على الإثارة يبحث عن أكثر الصور قتامة، ثم يعيد تدويرها حتى تصبح الصورة الجزئية وكأنها المشهد الكامل.

اقرأ أيضا: “النزاهة” تضبط موظفا في “الزراعة” متلبسا بتسلّم رشوة وتحيله إلى القضاء

وهنا تظهر وظيفة «بائع الأزمات»: التقاط أي مشكلة حقيقية، ثم تحميلها بكل الاستنتاجات الممكنة، وتقديمها للمشاهد باعتبارها دليلا على انهيار شامل، من دون منح الحقائق الأخرى المساحة نفسها.

 

استغلال مشاعر المواطن

الأكثر وضوحا هو استثمار الملفات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وعلى رأسها الأسعار والظروف الاقتصادية، وتحويلها إلى مادة مستمرة لإثارة الغضب.

فالحديث عن معاناة المواطن وارتفاع الأسعار يمكن أن يكون جزءا من إعلام مسؤول يبحث عن حلول ويكشف الخلل، لكن استخدام معاناة الناس كوقود دائم للتحريض يختلف تماما عن ذلك.

المواطن هنا لا يصبح صاحب قضية، وإنما يتحول إلى «زبون» مطلوب جذبه بالعنوان الصادم والعبارة الساخنة والمشهد المثير، ثم دفعه إلى استهلاك رواية واحدة دون النظر إلى الصورة الكاملة.

 

البضاعة المكشوفة.. والمشاهد لم يعد يشتري بالصوت العالي

ومع تكرار الأسلوب نفسه، تصبح المشكلة الأكبر أمام هذا النوع من الخطاب هي فقدان عنصر المفاجأة، فالمشاهد الذي اعتاد الصراخ والتهويل أصبح أكثر قدرة على التمييز بين المعلومة والتحريض، وبين النقد الحقيقي والاستعراض، وبين كشف الخلل ومحاولة استغلاله سياسيا.

وبذلك تتحول «الفرشة الإعلامية» إلى مشهد مكشوف: صوت مرتفع، عبارات ساخنة، أزمات يعاد تدويرها، واستنتاجات تتكرر حتى تفقد قدرتها على الإقناع.

اقرأ أيضا: قفازات صعق.. سلاح جديد بيد شرطة الهجرة الأمريكية | أخبار

‫0 تعليق