
اختار المعارض السياسي التونسي جوهر بن
مبارك أن يكتب إلى نجله يوسف في يوم زفافه، من خلف جدران سجن برج العامري، محوّلاً
المناسبة التي كان يفترض أن تجمع الأب بابنه إلى رسالة فرح وصمود في مواجهة السجن،
ومؤكداً أن اعتقاله لم يتمكن من انتزاع واحدة من أكثر اللحظات خصوصية في حياة
الأب.
اقرأ أيضا: وزير الصناعة يفتتح معرض الصناعات الأردنية
وقال بن مبارك في تدوينة نشرها بمناسبة زواج
نجله من خطيبته آية إن السجن كان يمكن أن يحوّل اليوم إلى مناسبة للحزن، لكنه
اختار أن “يحوّل زنزانته إلى مكان يرسل منه الفرح والفخر والأمل”، في
رسالة شخصية حملت في الوقت نفسه أبعاداً سياسية، في ظل الحكم الصادر بحقه في قضية “التآمر
على أمن الدولة”.
فرح من خلف القضبان
استهل بن مبارك رسالته بإعلان خبر زواج نجله
يوسف، قائلاً إنه يكتب من “زنزانته في معتقل برج العامري” ليعلن زواجه
من “خطيبته الرائعة آية”.
لكن المناسبة العائلية سرعان ما تحولت في
نصه إلى شهادة شخصية عن كلفة السجن على المعتقل وأسرته، إذ تحدث عن حرمانه من أن
يكون إلى جانب ابنه في واحدة من أهم لحظات حياته.
وقال إنه كان يتمنى أن يكون حاضراً، وأن يرى
يوسف عريساً وأن يعيش معه تلك اللحظة التي “ينتظرها كل أب”، مضيفاً أن
هذه الغصة لا ينكرها ولا يخجل منها.
غير أن بن مبارك لم يترك لهذه الغصة أن
تتحول إلى خاتمة للرسالة، بل جعل منها مدخلاً إلى إعلان التمسك بالفرح.
وكتب أن من اعتقدوا أن السجن سيجعل من يوم
زفاف ابنه مناسبة للحزن “لا يعرفون الآباء حين يحبون، ولا يعرفون الأحرار حين
يحاصرون”.
وفي عبارة تختصر روح التدوينة، قال إن “الحب
أقوى من السجن”، وإن فرحة الأب بابنه لا تستطيع القضبان مصادرتها.
الأب الغائب.. والحاضر بالكلمات
تكشف الرسالة، في جانبها الإنساني، عن الوجه
الأكثر قسوة للاعتقال السياسي: ليس فقط حرمان المعتقل من حريته، وإنما إبعاده عن
تفاصيل الحياة العائلية التي لا يمكن تعويضها.
ويستعيد بن مبارك في رسالته صورة نجله منذ
طفولته، متذكراً الطفل الذي شاهده يكبر عاماً بعد عام إلى أن أصبح رجلاً يختار
اليوم أن يبدأ حياته مع المرأة التي أحبها.
وهذه الاستعادة تمنح النص بعداً زمنياً
واضحاً؛ فالأب لا يتحدث فقط عن غيابه عن حفل زفاف، وإنما عن غيابه عن لحظة كان
يتصور أنه سيعيشها مع ابنه بعد رحلة طويلة من الأبوة.
لكن المفارقة التي يصنعها بن مبارك هي أنه،
رغم غيابه الجسدي، يحاول أن يكون حاضراً بالكلمات. فالرسالة تصبح بمثابة حضور
رمزي للأب في حفل ابنه، قبلة من زنزانة إلى عروسين، وتهنئة تتجاوز المسافة التي
فرضها السجن.
وفي ختامها، وجه بن مبارك “قبلة حارة”
إلى يوسف وآية، متمنياً لهما دوام المحبة والسعادة، قبل أن يوقع الرسالة باسم
المعتقل ومكان احتجازه.
من مناسبة عائلية إلى رسالة سياسية
ورغم أن النص جاء في مناسبة شخصية، فإنه لا
ينفصل عن السياق السياسي الذي يوجد فيه صاحبه. فجوهر بن مبارك، أستاذ
القانون والناشط السياسي، كان من أبرز وجوه المعارضة التونسية للرئيس قيس سعيّد،
وشارك في تأسيس مبادرة “مواطنون ضد الانقلاب” وكان من الشخصيات البارزة
في جبهة الخلاص الوطني. وقد اعتُقل في فبراير/شباط 2023 في القضية المعروفة باسم “التآمر
على أمن الدولة”.
وفي أبريل/نيسان 2025، أصدرت المحكمة
الابتدائية في تونس حكماً بسجنه 18 عاماً في القضية، قبل أن ترفع محكمة الاستئناف
العقوبة إلى 20 عاماً في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه.
وتقول منظمات حقوقية إن القضية اتسمت
بانتهاكات لضمانات المحاكمة العادلة، فيما ترفض المعارضة التونسية الاتهامات
وتعتبر المحاكمات جزءاً من حملة تستهدف المعارضين. وقالت “هيومن رايتس ووتش”
إن أحكام الاستئناف في القضية تراوحت بين 5 و45 عاماً، ووصفت المحاكمات بأنها ذات
دوافع سياسية، داعية إلى إلغاء الأحكام والإفراج عن المعتقلين.
في المقابل، تتمسك السلطات التونسية بالمسار
القضائي وبحق الدولة في محاسبة من تتهمهم بارتكاب جرائم تمس أمن الدولة.
ومن هذه الزاوية، فإن كل مناسبة عائلية
يعيشها بن مبارك من داخل السجن تتحول تلقائياً إلى نافذة على قضية أكبر: ماذا يعني
أن يُحرم شخص من أن يكون مع أسرته في اللحظات التي لا تتكرر؟
“لم ينجحوا في انتزاع فرحتي”
تقوم رسالة بن مبارك على مفارقة واضحة:
السجن يستطيع أن يمنع الجسد من الوصول إلى حفل الزفاف، لكنه لا يستطيع إجبار
المعتقل على الحزن.
ولهذا يستخدم الكاتب لغة مواجهة مباشرة مع
من يعتبرهم مسؤولين عن سجنه، فيقول إنهم أرادوا أن يجعلوا من سجنه “عنواناً
للحزن والانكسار”، لكنه اختار أن يحوله إلى مكان يرسل منه “الفرح والفخر
والأمل”.
وهنا يتجاوز النص حدود التهنئة العائلية،
ليصبح نوعاً من المقاومة الرمزية. فالمعتقل الذي يُحرم من الحركة يحاول استعادة
قدرته على الاختيار؛ والسجن الذي يفترض أن يكون أداة للعقاب يتحول في رسالته إلى
منصة لإعلان الفرح. ولا يقدم بن مبارك نفسه في النص بوصفه ضحية فقط، بل بوصفه أباً يريد أن
يحتفظ بحقه في الفرح، حتى في أكثر الظروف قسوة.
السجن كمساحة للمقاومة
هذه اللغة ليست جديدة تماماً في تجربة بن
مبارك داخل السجن. ففي أكتوبر/تشرين الأول
2025، بدأ إضراباً عن الطعام احتجاجاً على ما وصفه بالاحتجاز التعسفي، وانضم
لاحقاً إلى إضرابه عدد من رموز المعارضة، بينهم عصام الشابي وراشد الغنوشي. وذكرت “هيومن
رايتس ووتش” أن بن مبارك بدأ الإضراب في 29 أكتوبر احتجاجاً على احتجازه.
وبذلك، تأتي رسالة الزفاف في سياق أوسع من
استخدام المعتقلين السياسيين للكلمة والإضراب والرسائل بوصفها وسائل للحفاظ على
حضورهم خارج أسوار السجن.
لكن ما يميز هذه الرسالة تحديداً أنها لا
تأتي في شكل بيان سياسي أو احتجاج حقوقي، وإنما من أكثر المساحات خصوصية: علاقة أب
بابنه.
وهذا ما يمنحها قوة إضافية؛ فبدلاً من
الحديث عن السجن بلغة الأرقام والأحكام، يستحضر بن مبارك لحظة عائلية بسيطة: أب
يريد أن يرى ابنه عريساً.
قضية “التآمر” في الخلفية
يقف وراء الرسالة ملف سياسي وقضائي واسع
أثار جدلاً كبيراً في تونس وخارجها. ففي قضية “التآمر على أمن الدولة”، أصدرت المحاكم التونسية
في 2025 أحكاماً قاسية بحق عدد من أبرز وجوه المعارضة. وفي أبريل/نيسان من ذلك
العام، تراوحت الأحكام الابتدائية بين 4 و66 عاماً، وشملت بن مبارك وإصام الشابي
وغازي الشواشي وغيرهم.
ثم جاءت أحكام الاستئناف في نوفمبر/تشرين
الثاني لتشدد العقوبة بحق بعض المتهمين، ومن بينهم بن مبارك الذي ارتفعت عقوبته من
18 إلى 20 عاماً.
وقد أصبحت القضية واحدة من أبرز ملفات
الصراع السياسي في تونس منذ الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس قيس سعيّد
في يوليو/تموز 2021، حين جمّد أعمال البرلمان وأقال الحكومة، ثم أعاد تشكيل النظام
السياسي والمؤسساتي في البلاد.
وتقول منظمات حقوقية إن السلطات صعّدت منذ
ذلك الحين التضييق على المعارضة، بينما يؤكد سعيّد أن إجراءاته تستهدف الفساد
والفوضى وحماية الدولة، وينفي التدخل في القضاء.
اقرأ أيضا: حماقي يكتب أولى لياليه مع جمهور أبها على مسرح طلال مداح غدًا
“لا لأخذ الفرح”
ما يلفت في رسالة بن مبارك أنه لا ينكر
الألم. على العكس، يقر بوضوح بأنه
كان يريد أن يكون حاضراً، وأن الغياب عن زفاف ابنه يمثل “غصة”. لكنه
يرفض أن تتحول هذه الغصة إلى انتصار لمن يحمّلهم مسؤولية سجنه.
وهذه الثنائية ـ الاعتراف بالألم ورفض
الاستسلام له ـ هي التي تمنح النص قوته العاطفية. فبن مبارك لا يقول إن
السجن لم يؤثر فيه، بل يقول إن تأثيره لن يكون بالضرورة بالشكل الذي يريده السجّان. لقد حُرم من الحضور، لكنه
لم يتنازل عن التهنئة. وحُرم من مصافحة ابنه يوم زفافه، لكنه أرسل إليه كلماته. وحُرم من مشاركة العائلة
فرحتها، لكنه رفض أن يتخلى عن حقه في الفرح.
“سأنتظر اليوم الذي أخرج فيه”
وفي أكثر أجزاء الرسالة ارتباطاً بالمستقبل،
يقول بن مبارك إنه سينتظر اليوم الذي يخرج فيه من زنزانته، “لا لأستعيد
فرحتي، وإنما لأكملها”. الجملة تختصر تحولاً لافتاً في معنى الانتظار داخل
السجن. فالخروج، بالنسبة إليه،
ليس استعادة لحياة توقفت تماماً، وإنما استكمال لفرح بدأ في غيابه. وكأن الأب
يحتفظ لنفسه بجزء من الاحتفال إلى اليوم الذي يصبح فيه قادراً على لقاء ابنه
وزوجته بعيداً عن القضبان.
وفي الوقت نفسه، تحمل العبارة معنى سياسياً
ضمنياً: السجن ليس نهاية الزمن بالنسبة إلى المعتقل. فالزمن يستمر، والأبناء
يكبرون، ويتزوجون، وتتشكل حياة جديدة، فيما يبقى السجن مرحلة مؤقتة في تصور صاحبه،
مهما طال أمدها.
تونس.. السياسة التي تدخل إلى البيوت
تقدم تدوينة بن مبارك، من دون خطاب سياسي
مباشر، صورة عن الكلفة الإنسانية للصراع السياسي في تونس. فالمواجهة بين السلطة
والمعارضة لا تجري فقط داخل البرلمان أو المحاكم أو الشوارع؛ إنها تصل إلى البيوت
والأسر والمناسبات الخاصة.
وعندما يكون أحد أفراد الأسرة في السجن،
تصبح الأعياد والولادات والزيجات والوفيات لحظات تحمل غياباً ثقيلاً لا يظهر في
بيانات الأحكام القضائية. لهذا، فإن رسالة بن مبارك تكتسب أهميتها من كونها تضع الإنسان خلف
السياسي.
قبل أن يكون معارضاً أو متهماً في قضية أمن
دولة، هو أب يريد أن يشارك ابنه يوم زفافه. وقبل أن يكون اسماً في ملف
قضائي، هو شخص يراقب من خلف القضبان مرور السنوات ونمو ابنه وصولاً إلى لحظة
اختياره شريكة حياته.
فرح في مواجهة السجن
في نهاية المطاف، تبدو رسالة جوهر بن مبارك
أكثر من تهنئة أب لابنه؛ إنها نص قصير عن القدرة على الاحتفاظ بالإنسانية في
مواجهة السجن. ففي الوقت الذي يحاول فيه المعتقلون السياسيون عادة إيصال رسائلهم
عبر البيانات والاحتجاجات والإضرابات، اختار بن مبارك هذه المرة أن يخاطب ابنه
وزوجته، لكن رسالته وصلت إلى فضاء سياسي أوسع.
ومن زنزانة برج العامري، كتب إلى يوسف وآية
أن حياتهما يجب أن تبدأ بالحب والسعادة، وأن السجن لن يكون قادراً على تحديد معنى
هذه اللحظة بالنسبة إليه.
وفي بلد ما زال يعيش جدلاً حاداً حول مستقبل
الديمقراطية والحريات والمحاكمات السياسية، جاءت الرسالة لتضع سؤالاً بسيطاً في
قلب النقاش: ماذا يستطيع السجن أن يأخذ من الإنسان، وماذا يعجز عن مصادرته؟
بالنسبة إلى بن مبارك، الإجابة واضحة: يمكن
للقضبان أن تمنعه من حضور زفاف ابنه، لكنها لا تستطيع أن تمنعه من أن يكون أباً،
ولا أن تنتزع منه فرحته بابنه، ولا أن تمنع كلماته من الوصول إلى يوسف وآية. ولهذا ختم رسالته لا ببيان
سياسي، وإنما بقبلة أب: “قبلة حارة ليوسف وآية، ودامت لكما المحبة والسعادة”.
اظهار أخبار متعلقة
اقرأ أيضا: «نادر».. تسهيلات تنظيمية لتسريع وصول علاجات الأمراض النادرة
