كتبت دينا الأدغم:
اقرأ أيضا: البابا تواضروس ناعيًا الأنبا يوحنا: “تعرض لمتاعب صحية كثيرة ونطلب صلواته لأجلنا ولأجل الكنيسة”
في تطور جديد يعكس حساسية ملف غرينلاند وتشابكه مع الطموحات الأمريكية في القطب الشمالي، أجبرت سلطات غرينلاند شركة نفط أمريكية مرتبطة بدوائر الرئيس دونالد ترامب على تأجيل خططها للتنقيب عن النفط، بعدما وصلت معدات الحفر إلى المنطقة من دون الحصول على التصاريح الحكومية اللازمة.
اقرأ أيضا| أغرب 5 أماكن اختبأ فيها ترامب
وبحسب صحيفة The Guardian، فإن شركة Greenland Energy لن تتمكن من تنفيذ عمليات الحفر هذا العام، بعدما أكدت السلطات في غرينلاند أن الجدول الزمني المقترح لا يتيح إجراء التقييمات البيئية والاجتماعية المطلوبة، لتتأجل عمليات التنقيب إلى شتاء عام 2027 على الأقل.
وتأتي الخطوة في وقت تتزايد فيه أهمية غرينلاند بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب ما يُعتقد أنه يوجد في أراضيها من احتياطيات نفطية وثروات معدنية، وإنما أيضاً بسبب موقعها الجغرافي شديد الحساسية بين أمريكا الشمالية وأوروبا، في قلب التنافس المتصاعد على النفوذ في منطقة القطب الشمالي.
مشروع نفطي في قلب جدل سياسي
أثارت أنشطة شركة Greenland Energy اهتماماً واسعاً بسبب صلات عدد من الشخصيات المرتبطة بالمشروع بدوائر سياسية مؤيدة لترامب. وكانت الشركة قد بدأت في نقل معدات إلى منطقة جيمسون لاند في شرق غرينلاند، رغم عدم حصولها على الموافقات النهائية اللازمة لبدء عمليات الحفر.
وكانت السلطات الغرينلاندية قد وجهت في وقت سابق تحذيراً شديد اللهجة إلى الشركة، مؤكدة أن أي أنشطة لوجستية مرتبطة بالتنقيب تحتاج إلى موافقة مسبقة.
وتكتسب القضية أهمية إضافية لأن المنطقة المستهدفة تقع في نطاق بيئي حساس، يضم أراضي رطبة ومناطق للحياة البرية وموائل تعتمد عليها أنشطة الصيد المحلية، ما دفع السلطات إلى التشديد على ضرورة إخضاع المشروع لمراجعات بيئية واجتماعية قبل السماح بالمضي فيه.
ضربة لطموحات ترامب في القطب الشمالي
ويأتي تأجيل التنقيب في وقت يواصل فيه ترامب الدفع باتجاه تعزيز الحضور الأمريكي في غرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي داخل مملكة الدنمارك.
وقد ارتبط اهتمام الإدارة الأمريكية بغرينلاند خلال الفترة الماضية بمجموعة من العوامل، من بينها الأمن القومي الأمريكي، ومنافسة روسيا والصين في القطب الشمالي، إضافة إلى الموارد الطبيعية الهائلة التي يُعتقد أن الجزيرة تمتلكها.
وأشارت Reuters في تحليلات سابقة إلى أن اهتمام ترامب بغرينلاند لا يرتبط بالموارد وحدها، وإنما بالموقع الاستراتيجي للجزيرة، التي تقع في منطقة تشهد تزايداً في المنافسة بين القوى الكبرى مع ذوبان الجليد وفتح مساحات جديدة أمام النشاط الاقتصادي والعسكري.
كما أكدت رويترز أن حلفاء الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي عززوا في عام 2026 اهتمامهم بأمن القطب الشمالي، في محاولة لإظهار قدرة أوروبا وكندا على حماية الجناح الشمالي للحلف، بالتزامن مع الضغوط الأمريكية بشأن مستقبل غرينلاند.
النفط ليس الثروة الوحيدة
ورغم أن النفط يمثل أحد عناصر الجذب، فإن غرينلاند تمتلك أهمية اقتصادية واستراتيجية أكبر بكثير.
فالجزيرة تحتوي على موارد معدنية يُنظر إليها باعتبارها مهمة للصناعات التكنولوجية والدفاعية، بما في ذلك بعض المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة. وقد سلطت تقارير Reuters وAssociated Press الضوء على الإمكانات المعدنية الكبيرة لغرينلاند، وإن كان استغلالها لا يزال يواجه تحديات كبيرة مرتبطة بالمناخ القاسي، وغياب البنية التحتية، وصعوبة عمليات الاستخراج والنقل.
وهنا تتضح الصورة الأوسع: فالصراع حول غرينلاند لا يتعلق فقط بمن يملك النفط، وإنما بمن يمتلك القدرة على الوصول إلى موارد استراتيجية يمكن أن تصبح أكثر أهمية في الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
بين الاستقلال والسيادة والموارد
وتشكل القضية أيضاً اختباراً حساساً لعلاقة غرينلاند بالدنمارك والولايات المتحدة.
فغرينلاند ليست دولة مستقلة، لكنها تتمتع بحكم ذاتي واسع داخل مملكة الدنمارك، بينما تظل قضايا الدفاع والسياسة الخارجية ضمن اختصاص المملكة.
ومن ثم فإن أي تحرك أمريكي اقتصادي أو استثماري واسع النطاق في الجزيرة يمكن أن يتحول بسهولة إلى قضية سياسية، خصوصاً في ظل تاريخ التصريحات الأمريكية بشأن رغبة واشنطن في الحصول على غرينلاند.
اقرأ أيضا: أصغر مُتحدثة للبيت الأبيض .. كارولين ليفيت تطوي صفحة ترامب في توقيت حسّاس
وقد واجهت هذه الطموحات معارضة سياسية وشعبية في غرينلاند والدنمارك، في وقت تحاول فيه القوى الأوروبية تعزيز وجودها في القطب الشمالي. كما أشار تقرير لـReuters إلى أن القيادة العسكرية الدنماركية في غرينلاند تركز على المخاطر المرتبطة بروسيا، مع استمرار التعاون داخل إطار حلف الناتو.
تأجيل الحفر يربك المستثمرين
ولم يكن القرار الغرينلاندي سياسياً وبيئياً فقط، بل انعكس سريعاً على الأسواق.
فبحسب The Guardian، تراجعت أسهم Greenland Energy بأكثر من 30% عقب الإعلان عن تأجيل عمليات الحفر، في حين أكدت الشركة وشريكتها البريطانية 80 Mile استمرار التزامهما بالمشروع والسعي لاستكمال الإجراءات التنظيمية اللازمة.
ويكشف ذلك عن الفجوة بين الطموحات السياسية والواقع العملي للاستثمار في القطب الشمالي؛ فحتى مع وجود اهتمام أمريكي كبير بالمنطقة، فإن تنفيذ مشروعات الطاقة يتطلب موافقات قانونية وبيئية، فضلاً عن التعامل مع ظروف مناخية وجغرافية بالغة الصعوبة.
معركة أكبر من النفط
ويبدو أن التطور الأخير يتجاوز مجرد خلاف بين حكومة محلية وشركة نفط.
فغرينلاند أصبحت واحدة من أبرز نقاط التنافس الجيوسياسي في العالم، حيث تتقاطع فيها مصالح الولايات المتحدة والدنمارك وأوروبا وروسيا والصين، إلى جانب طموحات سكان الجزيرة أنفسهم في تحديد مستقبلهم السياسي والاقتصادي.
ومن هذه الزاوية، فإن قرار تأجيل التنقيب يمثل رسالة واضحة بأن الثروات الطبيعية لغرينلاند لن تكون متاحة لمجرد وجود رغبة سياسية أو استثمارية خارجية، وأن أي مشروع يحتاج إلى المرور عبر المؤسسات والقوانين المحلية.
كما أن القرار يسلط الضوء على معادلة أكثر تعقيداً: فكلما ارتفعت القيمة الاستراتيجية للقطب الشمالي، ازدادت الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية على غرينلاند، لكن في المقابل تزداد أيضاً أهمية حماية حق سكانها في تقرير كيفية استغلال مواردهم ومستقبل أراضيهم.
وبذلك، قد يتحول النفط من كونه فرصة اقتصادية لغرينلاند إلى ورقة جديدة في صراع النفوذ على القطب الشمالي، خصوصاً إذا استمر اهتمام إدارة ترامب بالجزيرة باعتبارها جزءاً من استراتيجية أمريكية أوسع لتعزيز النفوذ في المنطقة.
اقرأ أيضا: وزيرة الإسكان تُشارك في فعالية صندوق تحيا مصر بمناسبة مرور 12 عامًا على تأسيسه| صور
