صكوك الضرائب في مصر: رهن موارد الأجيال القادمة وتعميق الانهيار الاقتصادي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

تقدير
الموقف: الانسداد التمويلي والهروب نحو مصادرة المستقبل

تعيش
المالية العامة في مصر مرحلة أزمة حادة وانسداد تمويلي كبير تعكس عمق الأزمة
الهيكلية المتراكمة، حيث تشير التقارير الرسمية الصادرة عن البنك المركزي المصري
والجهاز المركزي للمحاسبات وصندوق النقد الدولي إلى أن إجمالي فاتورة خدمة الدين
المحلّي والخارجي (الفوائد والأقساط المستحقة) للعام المالي 2026/2027 قد قفزت إلى
مستويات قياسية بلغت نحو 5.23 تريليون جنيه مصري، بالتوازي مع بلوغ الدين الخارجي
قرابة 164.78 مليار دولار. وأمام هذا العجز الهيكلي الممتد وتآكل الإيرادات
السيادية، أعلنت الرئاسة المصرية موافقتها على مقترح إصدار “صكوك
ضريبية” يحملها الممولون وكبار التجار
ورجال الأعمال، على أن تُخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية مقابل عوائد مالية
حافزة.

اقرأ أيضا: ترامب يعلن مغادرة كارولين ليفيت البيت الأبيض.. لهذه الأسباب

 إن هذا القرار العشوائي
كالعادة لا يمثل مجرد أداة مالية مبتكرة كما يُروّج له، بل هو في جوهره استنزاف
خطير لمالية الغد لتغطية عجز اليوم.

إن لجوء
السلطة التنفيذية إلى تحصيل ضرائب السنوات القادمة مقدماً يعكس عجزاً تاماً عن
ابتكار الحلول وفشلا في إدارة الموارد وإفلاساً في تقديم أي حلول إنتاجية، مما يضع
الموازنات القادمة للدولة في مواجهة جفاف مالي محقق يُسقط قدرتها على تلبية أدنى
الخدمات الأساسية. ولست مستغربا أداء حكومة تم اختيارها بعناية لاستكمال تدمير
البلاد وفق أجندة الكيان الصهيوني.

 التوصيف الاقتصادي: صكوك
الجباية ومصادرة حق الأجيال:

يمكن أن
تُصنف الصكوك الضريبية من الناحية التحليليّة الاستراتيجية كنوع من الاقتراض
المستتر عالي الكلفة والمضمون بالإيرادات السيادية المستقبلية. فالتركيبة المالية
للقرار تقتضي منح الممولين عوائد وخصومات تشجيعية مقابل الدفع المسبق لضرائب
محتملة عن صافي أرباح غير متوقعة أصلا؛ في ظل كساد عالمي وأزمة محلية ومناخ إقليمي
متفجر ومرشح للانفجار واندلاع حرب عالمية ثالثة مدمرة في المنطقة لن تستثنى منها
الجبهة والأراضي المصرية (اللهم سلم سلم)، مما يعني أن الحصيلة الفعلية للضرائب
التي يفترض جدلا أنها ستدخل الخزانة العامة مستقبلاً ستنخفض بنسب كبيرة، فضلاً عن
تحميل الموازنة أعباء فوائد جديدة تُضاف إلى كاهل الدين العام المنتفخ أصلاً.

وسيترتب
على سحب أموال المستقبل حرمان الشعب والأجيال الحالية والقادمة من  الاستفادة من نتائج استثمار افتراضي للموارد
المالية الضريبية المخصصة قانوناً ودستورياً لتمويل خدمات تقدم للشعب على كافة
الأصعدة (وإن كان هذا لا يحدث أصلا حاليا في مصر!)، وأهمها في قطاعات الخدمات
الصحية والتعليمية والمرافق والبنية التحتية والخدمات المحلية.

إن تحويل
إيرادات المستقبل لسداد ديون استدانها النظام وأنفقها عشوائيا بلا أدنى دراسة ولا
أي رقابة على مشاريع غير إنتاجية ولا تتمتع بأي جدوى اقتصادية، ينطوي على مخاطر
على أجيال متلاحقة من أبناء شعبنا بصورة غير مسبوقة، حيث سيجد المواطن المصري نفسه
مستقبلاً بلا خدمات حكومية، ومطالباً في الوقت ذاته بتحمل موجات متتالية من التضخم
والرسوم المبتكرة لسد الفجوات التمويلية المتجددة بل وبسداد قيمة هذه الصكوك التي
ستكون قد تبخرت بلا أي فائدة!

مطرقة
المؤسسة العسكرية وسندان الإمارات: سحق القطاع الخاص بين توغل المطرقة وتمدد
السندان:

إن
التشخيص الدقيق للأزمة الاقتصادية في مصر لا يمكن أن يتغاضى عن السبب المحوري
للانهيار، والمتمثل في التغول المطلق للمؤسسة العسكرية (الجيش المصري ومؤسساته)
على كافة مفاصل الاقتصاد الوطني، حتى أضحت مصر تبدو وكأنها “جيش أصبحت له
دولة تابعة واستعبد شعبا مملوكا له”، وليس مجرد مؤسسة من مؤسسات الدولة له
دور محدد.

ويتجسد
هذا التغول في إنشاء كيانات موازية أُسست تحت السيطرة المباشرة للجيش مثل
“جهاز مستقبل مصر”، وقبله “صندوق تحيا مصر”، و”صندوق مصر
السيادي” الذي تأسس أصلاً تحت التبعية المباشرة لقائد انقلاب تموز/يوليو 2013
قبل أن يُستخدم كأداة لتجريد مصر من أصولها وتمريرها للإمارات كواجهة للكيان
الصهيوني، ثم تُنقل تبعيته لاحقاً إلى رئيس الوزراء الذي يمارس دوره كأحد سكرتارية
قائد السلطة العسكرية الديكتاتورية القمعية ليس إلا.

لقد أدى
هذا النموذج الاحتكاري إلى وضع الاقتصاد المحلي والقطاع الخاص بين مطرقة الجيش
وسندان السيطرة الإماراتية التي تمددت سرطانياً في قطاعات مؤثرة مباشرة على الأمن
القومي، كالاتصالات والخدمات الصحية وصناعة الدواء والأسمدة والزراعة والموانئ
والمصارف والطاقة والسياحة والعقارات.

وفي ظل
هذه البيئة القمعية والمتحيزة، خُنقت الاستثمارات المحلية، وترددت وجبنت
الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجادة وهربت من السوق، بعدما رأت كيف يُسحق القطاع
الخاص وتُصادر منافسته العادلة لصالح إمبراطوريات عسكرية وشركات عابرة للحدود؛
دخلت مصر لتنفيذ أجندة أجنبية تطمح لاحتلال مصر واستعباد شعبها ونهب ثرواتها وطمس
ريادتها العربية والأفريقية والإسلامية وحبس استقلالها وحريتها واهدار كرامتها.

انكماش
السوق المحلي: تهاوي القدرة الشرائية وإفلاس الممولين

وفقاً
لآخر بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يتجاوز عدد سكان مصر 110
ملايين نسمة، وهو ما يُفترض فيه وفق القواعد الاقتصادية المستقرة أن يكون سوقاً
ضخماً وجاذباً للاستثمارات الإنتاجية ومحركاً رئيساً للنمو في منطقة الشرق الأوسط.

غير أن
الواقع الميداني يكشف عن تراجع حاد في القدرة الشرائية الحقيقية للجنيه المصري،
وتفشي معدلات التضخم والبطالة والفقر بين مختلف شرائح المجتمع، مما حول هذا السوق
الضخم إلى سوق راكد وعاجز تماماً عن الاستهلاك.

وهذا
بخلاف انخفاض حاد في إيرادات قناة السويس وتراجع الصادرات وعائدات السياحة وانهيار
قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات بالداخل.

إن هذا
الجمود الاستهلاكي وانخفاض المؤشرات التجميعية لمديري المشتريات يلقيان بظلال
قاتمة على مستقبل الشركات والتجار الذين تعول الحكومة على جباية ضرائبهم مقدماً. فكيف
لشركات ومؤسسات اقتصادية تعاني من تراجع المبيعات وانكماش الصادرات وارتفاع تكاليف
الإنتاج، أن تتمكن من سداد ضرائب السنوات القادمة؟!

إن فرض
هذه الآلية سيؤدي حتماً إلى تجريف السيولة النقدية لدى الشركات، ويحد من قدرتها
على تعظيم إيراداتها بتوزيع أنشطتها، وقد يؤدي إلى زيادة احتمالات تعرضها للخسائر
التشغيلية بل وخطر الإفلاس، وبالتالي القضاء التام على القاعدة الضريبية المستدامة
التي تعتمد عليها الدولة مستقبلاً.

اقرأ أيضا: عملية البحث عن ناجين من زلزال كولومبيا تدخل “مرحلتها الأخيرة”…

البدائل
الاستراتيجي: خريطة طريق الإصلاح الهيكلي الشامل:

إن الخروج
من هذه الدوامة الكارثية لا يكون بابتداع آليات جباية جديدة أو مواصلة بيع أصول
البلاد، بل يتطلب خريطة طريق استراتيجية شجاعة؛ تبدأ أولاً بتوحيد الموازنة العامة
للدولة وإلغاء كافة الموازنات المستقلة والموازية بما فيها الصناديق والهيئات،
وإخراج الجيش تماماً من المعادلة الاقتصادية والتجارية وإعادته لدوره الدستوري
الأصلي في حماية الحدود، وتعديل الدستور بما يخرج الجيش مجددا من المعادلة
السياسية ويضعه في حجمه الذي يعيد للشعب سيادته وللدولة هيبتها ومركزيتها وهيمنتها
على جيشها وقرارها، وليس العكس.

وثانياً،
إيقاف مسلسل البيع والتفريط في الأصول الوطنية والمرافق السيادية، والتركيز بدلاً
عن ذلك على دعم القطاع الخاص والقطاع التعاوني وقطاع الأوقاف الاستثمارية، وإصلاح
وتطوير وتقوية قطاع الأعمال العام لتوليد فرص عمل حقيقية وتنمية مستدامة.

وثالثاً،
إقالة هذه الحكومة الفاشلة الحالية عديمة الكفاءات ذليلة الإرادة منعدمة الشرعية،
وتشكيل حكومة كفاءات مستقلة وموثوقة من ذوي الخبرة والكفاءة  والأمانة والوطنية لإدارة الموارد البشرية
والمالية والطبيعية بكفاءة ونزاهة واستقلال، وتحت رقابة من مجالس نيابية منتخبة
شعبيا، وليست مشكّلة في غرف المخابرات العامة وبمقابل مالي يدفعه كل عضو بعشرات
الملايين، وفي غياب أو تغييب لإرادة الشعب الذي أوصلته سياسات دولة العسكر لمرحلة
بيع صوته بكرتونة تحوي كيس أرز وكيس مكرونة وكيس سكر وزجاجة زيت و200 جنيه مصري (4
دولارات أمريكية).

علاوة على
ذلك، فإن أي إصلاح اقتصادي سيبقى حبراً على ورق ما لم يُسبق بمصالحة مجتمعية شاملة
تُرد فيها الحقوق والمظالم، ويُطلق بموجبها سراح أكثر من 100 ألف من خيرة علماء
ومصلحي وشباب مصر الوطنيين القابعين في السجون، وتلغى أنظمة حظر السفر والترقب
والانتظار والتصاريح  الأمنية التي حددت
إقامة نحو 60 مليون مصري واضطرت نحو 10 ملايين مصري لتفضيل النفي الاختياري في أي
مكان خارج مصر، إذ يندر أن لا تجد عالما أو باحثا أو مواطنا حرا مصريا في كل مدن
العالم، شرقه وغربه وشماله وجنوبه، فارّا من ظلم الطغمة الفاسدة في مصر !!

إن إنقاذ
مصر يرتبط بشكل وثيق بإنهاء حالة الانسداد السياسي، وضرورة إطلاق الحريات العامة
والمالية والاستثماري، وإعادة الاعتبار للمواطن المصري باعتباره السيد الحر في
وطنه، وليس عبداً مملوكاً لسلطة عسكرية يعيش في سجن مساحته مليون كيلومتر مربع
اسمه مصر!

نسأل الله
العلي القدير أن يحفظ مصر وشعبها العظيم من فساد المفسدين وحقد العملاء وحسد
الأعداء، ومؤامرات المتربصين  بها وشعبها
وعقيدته ودينه وموارد بلاده وثرواتها، في الداخل وفي الخارج، ويحمي مؤسسات
المواطنين من الإفلاس، ويحفظ البلاد مما تسعى إليه سلطاتها وحكومتها  وأعداؤها من انهيار اقتصادي وأخلاقي ومجتمعي
وأسري، وأن يدرأ عنا البلاء والوباء والغلاء والفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجمع
كلمة أبناء مصر والأمة على التوحيد والحق والعدل، ويدفع عنا الفساد ويحمينا من
الفاسدين المفسدين، ويردّ حقوق المظلومين، ويفك أسرانا ويرحم شهداءنا، ويحمي
عقيدتنا ويحفظ على البلاد دينها وقيمها وأمنها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

اقرأ أيضا: زراعة غزة: قطاع زراعة العنب يتكبد خسائر مالية فادحة 

‫0 تعليق