
بعد أكثر من ثلاثة عقود على انتهاء الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفييتي، يتضح أن العالم لم يدخل عصرًا تنتهي فيه الصراعات الكبرى كما تصور البعض، بل انتقل إلى مرحلة جديدة تغيرت فيها أدوات الصراع بينما بقي جوهره كما هو.
اقرأ أيضا: أمين عام الأطباء: التوسع في كليات الطب دون مستشفيات جامعية يهدد مهارة الخريجين
القوة والمصلحة والنفوذ والموقع الجغرافي
كان الاعتقاد السائد في تسعينيات القرن الماضي أن انتصار النموذج الرأسمالي الليبرالي وانهيار المعسكر الاشتراكي سيقودان العالم تدريجيًا إلى نظام دولي أكثر استقرارًا، تحكمه التجارة والأسواق والمؤسسات الدولية، وأن المنافسة الاقتصادية ستحل محل الصراع التقليدي بين القوى الكبرى.
لكن الأحداث أثبتت أن الاقتصاد لم يلغ الجغرافيا، وأن العولمة لم تُنهِ حسابات القوة.
فالحرب في أوكرانيا أعادت الأمن الأوروبي إلى صدارة الحسابات العسكرية، والتنافس الأمريكي الصيني نقل مركز الثقل الدولي نحو آسيا، بينما ظل الشرق الأوسط ساحة مفتوحة للصراع على النفوذ والطاقة والممرات البحرية، وهكذا عادت الجيوبوليتيك إلى قلب السياسة الدولية.
من اقتصاد العولمة إلى صراع النفوذ
المشكلة لم تكن في العولمة باعتبارها ظاهرة اقتصادية، وإنما في الاعتقاد بأنها قادرة وحدها على إعادة تشكيل النظام الدولي، فالدول الكبرى لا تتحرك وفق الحسابات الاقتصادية فقط.
روسيا تنظر إلى محيطها القريب باعتباره مجالًا حيويًا لأمنها القومي، والصين تعمل على تعزيز حضورها في شرق آسيا وممرات التجارة العالمية، والولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي ومنع ظهور قوة منافسة قادرة على تغيير قواعد النظام الدولي.
أما إيران فقد بنت خلال السنوات الماضية شبكة نفوذ إقليمية جعلتها طرفًا أساسيًا في معادلات الشرق الأوسط، وقد تختلف حسابات هذه القوى وأهدافها، لكن القاسم المشترك بينها هو رفض احتكار قوة واحدة لتحديد شكل النظام الدولي
أوكرانيا تكشف عودة الجغرافيا
الحرب الروسية الأوكرانية ليست مجرد نزاع على حدود بين دولتين، إنها واحدة من أبرز مظاهر الصراع على مستقبل الأمن الأوروبي وموقع روسيا داخل النظام الدولي.
فالموقع الجغرافي لأوكرانيا، وقربها من المجال الروسي، وارتباطها بالمنظومة الأوروبية والأطلسية، جعلها نقطة تماس بين مشروعين استراتيجيين متعارضين، وهنا ظهرت حقيقة حاولت مرحلة ما بعد الحرب الباردة إخفاءها
الدول لا تنسى جغرافيتها
والحدود لا تفقد قيمتها لمجرد توقيع الاتفاقيات الاقتصادية، والقوة العسكرية تظل حاضرة عندما تشعر دولة كبرى أن مصالحها الحيوية أصبحت مهددة
آسيا تتحول إلى مركز المنافسة
إذا كانت أوروبا تمثل أحد ميادين الصراع الجيوسياسي الحالي، فإن آسيا قد تكون الساحة الأهم في تشكيل النظام الدولي خلال العقود المقبلة.
الصين لم تعد قوة اقتصادية صاعدة فقط، بل أصبحت لاعبًا عسكريًا وتكنولوجيًا وماليًا ينافس الولايات المتحدة في مجالات متعددة.
وفي المقابل، تنظر واشنطن إلى المحيطين الهندي والهادئ باعتبارهما منطقة حاسمة في الحفاظ على التوازن الدولي.
ولهذا تتداخل حسابات الصين والولايات المتحدة واليابان والهند وأستراليا في مشهد استراتيجي شديد التعقيد.
الصراع هنا ليس على التجارة وحدها، إنه صراع على طرق الملاحة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والقواعد العسكرية وموازين القوة في البحار والممرات الحيوية
الشرق الأوسط ما زال عقدة الجغرافيا
أما الشرق الأوسط، فلا يمكن فهم الصراع فيه بعيدًا عن موقعه الجغرافي، المنطقة تقع عند نقطة التقاء ثلاث قارات، وتضم أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم «مضيق هرمز، والبحر الأحمر، وباب المندب، وقناة السويس، وشرق المتوسط»، كلها عناصر تجعل المنطقة جزءًا من الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى
ولهذا فإن أي أزمة أمنية في هذه المناطق لا تتوقف آثارها عند حدود الدول المعنية، وإنما يمكن أن تمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد، وهنا تبرز أهمية مصر بصورة خاصة.
فقناة السويس ليست مجرد ممر ملاحي أو مصدر للعملة الأجنبية، وإنما ورقة جيوسياسية مرتبطة بحركة التجارة العالمية وبأمن البحر الأحمر والبحر المتوسط.
ومن ثم فإن حماية البيئة الجغرافية المحيطة بها أصبحت جزءًا من مفهوم الأمن القومي المصري
القوة لم تعد عسكرية فقط
العودة إلى الجيوبوليتيك لا تعني العودة إلى عصر الدبابات وحدها
اقرأ أيضا: طلاب «هندسة المطرية» يبتكرون روبوتا لإنهاء مخاطر اللحام اليدوي
الصراع الحديث أكثر تعقيدًا
هناك العقوبات الاقتصادية، والحرب التكنولوجية، والهجمات السيبرانية، وحروب المعلومات، والتحكم في سلاسل الإمداد، والسيطرة على مصادر الطاقة، إلى جانب القوة العسكرية التقليدية
ولهذا فإن الدولة الأقوى في النظام الدولي ليست بالضرورة الدولة التي تمتلك أكبر جيش فقط، وإنما الدولة التي تستطيع دمج الاقتصاد والتكنولوجيا والموقع الجغرافي والقوة العسكرية والدبلوماسية في استراتيجية واحدة.
وهنا تغيرت طبيعة القوة نفسها، لكن الجغرافيا بقيت ثابتة، والعالم يتجه إلى تعدد مراكز القوة.
المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة عودة إلى نظام الحرب الباردة، كما أنها لن تكون استمرارًا لعصر القطب الواحد الذي ساد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، والأقرب أننا نتجه إلى نظام أكثر تعددًا لمراكز القوة.
الولايات المتحدة ستظل قوة رئيسية، لكن الصين ستواصل صعودها، وروسيا ستحتفظ بأدوات استراتيجية مهمة، والهند ستصبح لاعبًا أكثر تأثيرًا، بينما ستظل القوى الإقليمية صاحبة دور متزايد في تحديد مستقبل مناطقها، وهذا يعني أن إدارة الصراعات ستصبح أصعب، وأن هامش الخطأ سيكون أكبر.
التاريخ لم ينته
ربما كانت أكبر أوهام مرحلة ما بعد الحرب الباردة هي الاعتقاد بأن انتصار نموذج سياسي واقتصادي يعني نهاية المنافسة بين الدول، فالتاريخ لم ينته، بل تغيرت أدواته.
الجغرافيا التي اعتقد البعض أنها أصبحت أقل أهمية عادت لتفرض نفسها بقوة، والطاقة والممرات البحرية والحدود ومناطق النفوذ أصبحت مرة أخرى عناصر رئيسية في صناعة القرار الدولي، لكن الجيوبوليتيك الجديد يختلف عن جيوبوليتيك القرن التاسع عشر.
اليوم تتصارع الدول على الأرض والموانئ والممرات، لكنها تتصارع أيضًا على التكنولوجيا والبيانات والأسواق والطاقة وسلاسل الإمداد، وهذا هو المشهد الذي يجب أن نفهمه ونحن نقرأ التحولات الكبرى في العالم.
فالمستقبل لن تحدده قوة واحدة منفردة، ولن تصنعه الأسواق وحدها، بل ستحدده معادلة أكثر تعقيدًا تجمع بين الجغرافيا والاقتصاد والتكنولوجيا والقوة العسكرية، ومن يفهم هذه المعادلة سيكون أكثر قدرة على قراءة العالم، أما من يتجاهلها فسوف يكتشف، مرة أخرى، أن الجغرافيا لا تموت (كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)
اقرأ أيضاًحين تصبح العقول ميدان الحرب.. مصر في مواجهة معركة الوعي
من يريد جرَّ مصر إلى قلب الحرب؟
اقرأ أيضا: بروتوكول تعاون بين الشهر العقاري و«العامة للاستثمار» لتبسيط الإجراءات على المستثمرين
