لم يزل الفلاسفة والمفكرون والمتأملون والمتبصرون يتعجبون من تقلبات الزمان وعجائب صرف الليالي والأيام، حتى قال الشاعر:
اقرأ أيضا: مسرور بارزاني على الجزيرة.. كردستان تطرح نفسها شريكا في حل أزمات العراق
إن للدهر إن تأملت صرفا .. يكسب المرء حكمة واعتبارا
ها أنا اليوم بالنوارا مقيم .. أي عهد بيني وبين النوارا
ولم يزل التاريخ يؤكد على عنصر المفاجأة وعدم الاستقرار، ففي كل عصر صراع، وفي كل قرن نزاع، وفي كل دهر صعود وهبوط، كأن التاريخ والزمان لا يعرفان الوقوف، بل في حركة مستمرة وتدافع دائم.
شخص الإيطالي غرامشي الوضع تشخيصا دقيقا إذ قال: (القديم يموت والجديد يكافح للولادة، إنه وقت الوحوش الكبرى). فمنذ فجر التاريخ والعالم يشهد صعود إمبراطوريات وهبوط أخرى، زوال قوى وولادة قوى أخرى، موت وحياة، ظهور وخمود، في أعجب صورة لاجتماع النقيضين في حركة التاريخ العامة، فلطالما أولع التاريخ بذروة الشقاء أو منتهى النعيم، الأمل والألم، النور والظلام.
وقد نص القرآن الكريم على هذه الحقيقة بقوله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس). إنها سنة التداول التي تقتضي انتقال الدولة والسيادة والسطوة من قوم إلى قوم، إنها لعبة الحضارات (Game of Civilizations) أخطر وأشد تعقيدا ألف مرة من صراع العروش (Game of Thrones).
إن المملكة المتحدة هي القوة الأكثر هيمنة في القرون الأربعة السابقة، فقد ساعدتها عوامل الاستقرار السياسي الطويل والقوة البحرية المتمكنة، بالإضافة إلى الموقع الجغرافي المتميز
الهيمنة العالمية حسناء يطلب ودها الجميع
شهد التاريخ نزاعات طويلة على الهيمنة، فساد الفرس واليونان العالم القديم، ثم ظهرت الإمبراطورية الرومانية وسادت طويلا حتى انتهى وقتها بغزو البرابرة وزحف الهمجية على المدنية، ثم ظهر الإسلام ليسود العالم بخلافته الراشدة وإمبراطورياته الزاهرة (الأموية والعباسية والعثمانية)، حتى أصاب المرض بني عثمان، فصاروا الرجل المريض في وسط أوروبي طموح بعد اكتشاف العالم الجديد وعصور التنوير والتحرر الكبير من السجن الكنسي الطويل (هيمنة الكنيسة).
كما شهدت القرون الأربعة الأخيرة، منذ عام 1600 ميلادي، بزوغ الحضارة الغربية، فانتقلت القوة والهيمنة من الشرق إلى الغرب، ولكن هل توقفت سنة التداول؟
من بريطانيا إلى المملكة المتحدة
القرون الخمسة الأخيرة كانت أشد ديناميكية، وسرعت كثيرا من حركة التاريخ، فلم يعرف العالم كمية حروب وكمية اكتشافات كما عرفها في قرونه الأخيرة، فمن اكتشاف الأمريكتين إلى اكتشاف الكهرباء إلى اكتشاف الإنترنت، ومن حروب الخلافة الإسبانية الفرنسية إلى الثورة الفرنسية إلى الحروب النابليونية إلى الحروب العالمية.
ويمكن أن نقول بالإجمال إن المملكة المتحدة هي القوة الأكثر هيمنة في القرون الأربعة السابقة، فقد ساعدتها عوامل الاستقرار السياسي الطويل والقوة البحرية المتمكنة، بالإضافة إلى الموقع الجغرافي المتميز.
أصبحت بريطانيا هي الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس بأساطيلها وتجارتها العابرة للقارات واكتشافاتها وسوابقها الحضارية، حتى أدركتها سنة التداول بالحرب العالمية الأولى والثانية، لتنتهي أيام سعدها وينعق الغراب عن شمالها، ليبدأ العالم عصرا جديدا، مسرحا جديدا من مسارح سنة التداول.
لم تقتصر الهيمنة الأمريكية على قوتها الذاتية فحسب، بل وظفت كل المؤسسات الدولية من هيئات الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجلس الأمن لخدمة تلك الهيمنة وتأكيدها بشكل مباشر وغير مباشر
الحرب الباردة (الثنائية القطبية)
لقد انجلت الحربان العالميتان عن تحول العالم لقطبين متنازعين: القطب الغربي بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها، والقطب الشرقي بقيادة الاتحاد السوفياتي وحلفائه.
وطبع النزاع والتنافس بين هذين القطبين جل الديناميكيات التي حكمت حركة التاريخ في النصف الأخير من القرن العشرين، حتى أصبح العالم كله يرقص بشكل مباشر وغير مباشر على إيقاع التنافس الشرقي الغربي.
العصر الأمريكي (ذروة سنة التداول)
كما عودنا التاريخ أنه لا يقف وأن عجائبه لا تنقضي، فلقد أدت الحرب التي خاضها الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، إضافة إلى فشل منظومته الاقتصادية، إلى انهيار دراماتيكي هائل. كان سقوط جدار برلين المشهد الأخير من العملاق الشرقي، ليشهد العالم عصرا جديدا، هيمنت فيه الولايات المتحدة على العالم بأسره.
انتشرت القواعد الأمريكية في أنحاء العالم (تشير بعض التقارير إلى أن الولايات المتحدة تملك حوالي 750 قاعدة عسكرية حول العالم)، وليهيمن الاقتصاد الأمريكي على الاقتصاد العالمي، ويفتح العالم أسواقه للمنتجات الأمريكية، وتفتح البيوت أبوابها للسينما الأمريكية، ويولع الجيل الجديد بالبرغر الأمريكي.
لم تقتصر الهيمنة الأمريكية على قوتها الذاتية فحسب، بل وظفت كل المؤسسات الدولية من هيئات الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومجلس الأمن لخدمة تلك الهيمنة وتأكيدها بشكل مباشر وغير مباشر.
رأى ذلك المفكر المغربي الكبير المهدي المنجرة بعد خدمة واعية في المؤسسات الدولية، فقال: (إنها قد وجدت لخدمة مصالح الدول الكبرى وليس للعالم أو الإنسانية).
اقرأ أيضا: نهرو وعبد الناصر وتيتو.. لماذا نجحت الهند وتعثرت التجارب الأخرى؟
ويمكن أن نقول إجمالا إن الفترة الفاصلة بين عامي 1990 و2011 عصر سيادة العم سام، الدولة العظيمة التي أسسها الآباء المكافحون الطموحون، وقال فيها الرئيس توماس جيفرسون: (إمبراطورية الحرية) (The Empire of Liberty)، ووصفها الرئيس المحرر إبراهام لينكولن بالأمل الأخير على الأرض (The Last Hope on the Earth)، ولكن هل تنجو بلاد رعاة البقر من تقلبات الدهر؟
إن التاريخ حركة دائبة لا تعرف الوقوف، وإن التدافع سنة غالبة لا تعرف الخمود، وإن لكل بداية نهاية، وكم في هذا من دروس عظيمة في العمل والاستمرار والكفاح وعدم اليأس
من القطب الأمريكي إلى تعدد الأقطاب
إن المتأمل في العشرين سنة الأخيرة يعجب من تتابع الأحداث وتسارع القضايا، فكأن العشرين سنة الأخيرة فيلم سينمائي من نوع أكشن. إن كل المؤسسية الدولية والعولمة تقف عاجزة أمام هذا التسارع، فلقد شهد مطلع القرن الحادي والعشرين أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ثم غزو أفغانستان، ثم العراق، ثم الربيع العربي، ثم الثورة المضادة، ثم الحرب الأوكرانية، ثم الطوفان العظيم، طوفان الشهامة والعزة، طوفان الأقصى، وما أطلق من تطورات كبرى سيكون لها ما بعدها من سقوط النظام السوري واندلاع أزمة مضيق هرمز والحرب الإسرائيلية الأمريكية.
كل هذه الأحداث تنبئ أن الإنسان الأخير، كما وصفه فوكوياما، لم يهنأ بعرش التفرد ساعة واحدة، وأن نهاية التاريخ التي تصورها ما هي إلا بداية فصل جديد من فصول صراع الحضارات.
إن جل المحللين السياسيين الحصفاء اليوم يجمعون على أن عصر التفرد الأمريكي قد ولى، وأن العالم يشهد بزوغ عصر جديد، تتعدد فيه الأقطاب وتتسع فيه المحاور.
فنتيجة الاستنزاف الأمريكي الطويل في العراق وأفغانستان، ونتيجة الأزمات الاقتصادية المترتبة على ذلك، ونتيجة صعود مدرسة العزلة في السياسة الخارجية الأمريكية وما تحمله من فكرة رفض الاهتمام بقضايا ما وراء القارة الأمريكية، وما يشهده العالم من الصعود الكبير لقوى موازية كالصين وروسيا، وما تشهده علاقة الولايات المتحدة بحلفائها القدماء من فتور (التوتر بين ترامب وقادة دول الاتحاد الأوروبي)، توشك الهيمنة الأمريكية المنفردة أن تنتهي، ويوشك العالم أن يدخل في عصر تعدد الأقطاب.
فالصين قطب، وروسيا قطب، والاتحاد الأوروبي (مع تنامي الشرخ بينه وبين الحليف الأمريكي) قطب آخر، والولايات المتحدة قطب، وبين هذه الأقطاب تتحرك وتناور قوى إقليمية صاعدة ليست قوية بما يكفي لكي تكون قطبا، وليست ضعيفة بما يكفي لكي تكون دولا نامية منقوصة السيادة، وأبسط مثال تركيا وإيران والهند وباكستان، وربما في بعض الظروف مصر والسعودية.
إن التاريخ حركة دائبة لا تعرف الوقوف، وإن التدافع سنة غالبة لا تعرف الخمود، وإن لكل بداية نهاية، وكم في هذا من دروس عظيمة في العمل والاستمرار والكفاح وعدم اليأس.
فمهما بلغت قوة أو حضارة من الرسوخ والتمكن، فسوف تظل تحمل عوامل ضعفها في داخلها، وسيأتي اليوم الذي تتكاثر فيه تلك العوامل، فتؤدي للانهيار المحتوم، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: الاتحاد السعودي يعتمد جدول الدوري الممتاز للناشئات تحت 17 عاماً بمشاركة 8 أندية
