مقابلة رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني مع الإعلامي علي الظفيري اكتسبت أهميتها من اجتماع ثلاثة عناصر: الشخصية، والتوقيت، والمنصة.
اقرأ أيضا: نهرو وعبد الناصر وتيتو.. لماذا نجحت الهند وتعثرت التجارب الأخرى؟
فقد جاءت المقابلة عبر برنامج «المقابلة»، أحد أشهر البرامج الحوارية السياسية العربية، الذي استضاف خلال سنوات بثه نخبة من الرؤساء وصناع القرار والشخصيات السياسية والفكرية المؤثرة. كما عرضت عبر قناة الجزيرة، إحدى أكثر القنوات العربية حضورا وتأثيرا، بما تملكه من شاشة فضائية ومنصات رقمية يصل خطابها إلى الجمهور العربي داخل المنطقة وخارجها. وتظهر مؤشرات الحضور الرقمي حجم هذه المنصة؛ إذ تجاوز عدد مشتركي قناة الجزيرة الإخبارية على يوتيوب 20 مليونا، فيما حقق محتواها أكثر من 4.5 مليارات مشاهدة خلال عام 2024 وحده، وفق بيانات شبكة الجزيرة الإعلامية.
لهذا لم يكن بارزاني يتحدث إلى جمهور كوردستان وحده، ولا إلى النخبة السياسية في بغداد فقط، بل كان يخاطب فضاء عربيا وإقليميا واسعا، ظلت صورة إقليم كوردستان تصل إليه غالبا من خلال أخبار الخلافات مع بغداد، أو الهجمات والصراعات الحدودية، أو الاتهامات المرتبطة بعلاقات الإقليم الخارجية. وقد أتاحت المقابلة له أن يقدم الصورة من داخل أربيل، وأن يخاطب الجمهور العربي مباشرة، بلغة هادئة وواضحة، في أكثر الملفات حساسية وتعقيدا.
في الملف الأمني، طرح حصر السلاح بيد الدولة وإخضاع الجميع لسيادة القانون بوصفه حماية للعراق قبل أن يكون مطلبا كوردستانيا
مقابلة تحولت إلى عناوين عربية
أظهر الرصد الأولي للتناول الإعلامي العربي أن المقابلة لم تمر بوصفها ظهورا بروتوكوليا، بل تحولت مضامينها سريعا إلى سلسلة من العناوين السياسية والاقتصادية والأمنية.
فقد اختارت الجزيرة للحلقة عنوانا يلخص جوهر الرسالة: «إقليم كوردستان دفع ثمنا كبيرا لحرب لم ينخرط فيها»، وأفردت تغطية أخرى لموقفه الداعم لحصر السلاح بيد الدولة ورفض الانخراط في صراعات المنطقة.
وركزت وسائل إعلام عراقية وعربية أخرى على زوايا مختلفة؛ إذ أبرزت وكالة شفق نيوز ووكالة الحدث الإخبارية حديثه عن تعرض كوردستان لأكثر من ألف هجوم، إلى جانب دعمه حصر السلاح بيد القوات النظامية. أما شبكة الساعة فاختارت موقفه من العلاقات مع إسرائيل ورفض الإقليم الانخراط في أي صراع.
وعلى منصات الجزيرة الرقمية، برزت بصورة خاصة رسالته الاقتصادية بشأن تراجع تجارة الإقليم بنسبة كبيرة، وتأثر الصادرات العراقية بإغلاق مضيق هرمز، واستعداد كوردستان لمساعدة بغداد عبر المنفذ النفطي الشمالي.
هذا التعدد في العناوين يكشف أن المقابلة لم تحمل رسالة واحدة، بل قدمت خريطة متكاملة لموقف الإقليم: رفض الحرب، وحصر السلاح، واستقلال القرار العراقي، وتطبيق الفيدرالية، والتعاون النفطي، والحوار مع دول الجوار، والانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول.
من الدفاع عن الإقليم إلى تقديم الحلول للعراق
أهم ما ميز خطاب مسرور بارزاني أنه لم يتوقف عند عرض مظالم الإقليم أو تعداد خلافاته مع بغداد، رغم أن لديه قائمة طويلة من القضايا التي كان يمكن أن تجعل المقابلة خطاب شكوى واحتجاج. فقد تحدث عن تعطيل مواد دستورية، وعدم تنفيذ المادة 140، وغياب قانون النفط والغاز، واستمرار العراق الاتحادي في العمل بقوانين تعود إلى زمن النظام المركزي، فضلا عن الهجمات التي استهدفت الإقليم وأضرت بمدنييه وبنيته التحتية واقتصاده.
لكن بارزاني لم يحول هذه الملفات إلى أدوات للتصعيد. وعلى العكس من ذلك، قدم نفسه وحكومته باعتبارهما شريكا مستعدا للمساهمة في معالجة المشكلات العراقية، لا طرفا يسعى إلى الاستفادة من ضعف بغداد أو أزماتها.
في الملف الأمني، طرح حصر السلاح بيد الدولة وإخضاع الجميع لسيادة القانون بوصفه حماية للعراق قبل أن يكون مطلبا كوردستانيا. فالهجمات التي تنطلق من جماعات خارج مؤسسات الدولة لا تهدد كوردستان ودول الجوار فقط، بل تضعف العراق وتعرض مصالحه وسيادته وعلاقاته الخارجية للخطر.
وفي الملف السياسي، أعاد بارزاني الخلاف بين أربيل وبغداد إلى جذره الحقيقي: عدم التطبيق الكامل للدستور الاتحادي. والحل الذي عرضه ليس تنازلا من طرف لمصلحة آخر، بل عودة الطرفين إلى العقد الدستوري الذي اتفق عليه العراقيون عام 2005. فإقرار قانون اتحادي للنفط والغاز، وتنفيذ المادة 140، وتحديد الصلاحيات المالية والضريبية، واحترام اللامركزية، يمكن أن ينقل العلاقة من إدارة الأزمات الموسمية إلى شراكة مستقرة.
وهذه الحلول تحتاج إلى يد تمتد من بغداد لتلتقي باليد التي مدها بارزاني. فالفيدرالية لا يمكن أن تنجح بإرادة الإقليم وحده، كما لا يمكن للعراق أن يستفيد من إمكانات كوردستان إذا ظل ينظر إليها بوصفها منافسا للمركز، لا شريكا داخل الدولة الاتحادية.
في سوريا، لم يطرح بارزاني إقليم كوردستان طرفا في مواجهة دمشق، بل جسرا يساعد على تقريب وجهات النظر بينها وبين الكورد السوريين، ويدعم حلا يحفظ وحدة سوريا ويضمن، في الوقت نفسه، حقوق مواطنيها
مضيق هرمز وفرصة الطريق الشمالي
قدم ملف النفط المثال الأكثر وضوحا على إمكانية تحويل الخلاف إلى فرصة للتعاون. فإغلاق مضيق هرمز وتراجع قدرة العراق على تصدير نفطه من الجنوب كشفا خطورة الاعتماد على منفذ تصديري واحد، مهما كانت طاقته كبيرة.
لم يقل بارزاني إن نفط كوردستان قادر وحده على تعويض أكثر من 4 ملايين برميل كان العراق يصدرها عبر الجنوب. بل كان واقعيا حين أوضح أن إنتاج الإقليم يدور حول 300 ألف برميل يوميا، ويمكن رفعه إلى نحو 400 ألف مع توافر الاستثمار، إضافة إلى إمكان نقل جزء من نفط كركوك، وربما نفط مناطق عراقية أخرى، عبر كوردستان إلى تركيا.
هذه الكميات لن تعوض خسائر الجنوب بالكامل، لكنها تستطيع تخفيفها، ورفع حجم الصادرات المتاحة، وتوفير منفذ إستراتيجي بديل، ومنح الاقتصاد العراقي قدرا أكبر من المرونة في مواجهة الأزمات البحرية والإقليمية.
ويمتلك الإقليم تجربة عملية وعلاقات اقتصادية واسعة مع تركيا، أكبر شركائه التجاريين، كما يمتلك بنية تحتية وخبرة سابقة في تصدير النفط عبر الأراضي التركية. والمطلوب الآن أن تستثمر بغداد هذه الخبرة، لا أن تعطلها بسبب خلافات الماضي.
ويستدعي ذلك اتفاقا اتحاديا واضحا على إدارة الإنتاج والتصدير والإيرادات، وتوفير ضمانات قانونية وأمنية للشركات المستثمرة، وإقرار قانون النفط والغاز، والعمل المشترك مع أنقرة لزيادة القدرة الاستيعابية للطريق الشمالي. عندها لا يعود نفط كوردستان ملفا للخلاف، بل يتحول إلى جزء من منظومة الأمن الاقتصادي العراقي.
اقرأ أيضا: الاتحاد السعودي يعتمد جدول الدوري الممتاز للناشئات تحت 17 عاماً بمشاركة 8 أندية
العامل الكوردي جسرا إقليميا
التحول الأعمق في خطاب بارزاني ظهر في حديثه عن القضية الكوردية في دول الجوار. تاريخيا، كان وجود الكورد موزعين بين دول المنطقة يقدم باعتباره مصدرا دائما للتوتر بين إقليم كوردستان وهذه الدول. أما الخطاب الذي ظهر في المقابلة فحاول تحويل هذا العامل من سبب للصراع إلى فرصة للوساطة وصناعة السلام.
في سوريا، لم يطرح بارزاني إقليم كوردستان طرفا في مواجهة دمشق، بل جسرا يساعد على تقريب وجهات النظر بينها وبين الكورد السوريين، ويدعم حلا يحفظ وحدة سوريا ويضمن، في الوقت نفسه، حقوق مواطنيها الكورد.
وفي تركيا، ورغم أن الصراع الحدودي تسبب في تدمير مئات القرى الكوردستانية، وضع بارزاني ثقله خلف مبادرة السلام، لأن تسوية القضية الكوردية داخل تركيا ستنعكس أمنا واستقرارا على حدود الإقليم وعلى المنطقة كلها.
وحتى في حديثه عن الكورد في إيران، لم يدع إلى المواجهة أو التدخل، بل إلى الحوار والمواطنة المتساوية، مع تأكيده أن أراضي الإقليم لن تستخدم لتهديد أمن أي دولة مجاورة.
إنه تغيير مهم في كيفية إدارة العامل الكوردي: من قضية تستخدمها الدول للضغط المتبادل، إلى مساحة يمكن أن تؤدي فيها أربيل دور الوسيط. وهذا لا يعني تخلي الإقليم عن دعم حقوق الكورد، بل يعني الدفاع عن تلك الحقوق من خلال الحوار والمواطنة الكاملة واحترام خصوصية الدول التي يعيشون فيها.
المقابلة لم تكن دفاعا عن كوردستان فقط، بل عرضا لدور جديد تستطيع كوردستان أن تؤديه: شريكا في حماية العراق، ومنفذا لتعزيز اقتصاده، ووسيطا في محيطه
ثقة رجل يطرح نفسه شريكا
رغم التحديات المحلية والإقليمية والدولية المحيطة به، ظهر مسرور بارزاني في المقابلة واثقا من قدرته على تقديم كوردستان عاملا للحل، لا عاملا إضافيا في المشكلات. لم ينكر حجم الضغوط، ولم يقلل من آثار الهجمات أو الأزمة الاقتصادية أو الخلافات مع بغداد، لكنه رفض أن يجعل منها مبررا للانغلاق أو التصعيد.
هذه الثقة هي الرسالة السياسية الأهم في المقابلة: كوردستان التي دفعت أثمان الحروب لا تريد أن تعيش على ذاكرة المظلومية وحدها، بل تريد توظيف تجربتها وعلاقاتها وإمكاناتها في خدمة استقرار العراق والمنطقة.
أمام بغداد اليوم فرصة لالتقاط هذه الرسالة. فاليد الممدودة من أربيل تحتاج إلى يد تقابلها، وإغلاق مضيق هرمز يمكن أن يتحول من أزمة خانقة إلى حافز لبناء سياسة نفطية اتحادية متعددة المنافذ. والخلاف على الفيدرالية يمكن أن يتحول إلى فرصة لتحديث الدولة، كما يمكن للعامل الكوردي أن يصبح جسرا للحوار بين دول المنطقة وكوردها.
المقابلة لم تكن دفاعا عن كوردستان فقط، بل عرضا لدور جديد تستطيع كوردستان أن تؤديه: شريكا في حماية العراق، ومنفذا لتعزيز اقتصاده، ووسيطا في محيطه، ونموذجا يسعى إلى أن يجعل من السلام والتنمية طريقا للمستقبل.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: “الاقتصاد النيابية” تبحث قضية فرض رسوم المواقف على موظفي مجمع …
