- لماذا نجح نهرو وفشل تيتو وعبد الناصر؟
في هذا الصيف، وبينما كنت أتجول في جمهورية الجبل الأسود، وقفت على سفح أحد جبالها المطلة على البحر الأدرياتيكي. هناك التقيت شيخا مسنا يعمل في البحر منذ عقود، وكان قد أمضى عمره بحارا يجوب سواحل يوغوسلافيا السابقة. وحين علم أنني من مصر، تهلل وجهه، ولم يحتج إلى كثير من الكلمات. ابتسم، ثم قال بسرعة، وكأنه يستدعي زمنا كاملا من ذاكرته: «تيتو… نهرو… عبد الناصر!»
اقرأ أيضا: الاتحاد السعودي يعتمد جدول الدوري الممتاز للناشئات تحت 17 عاماً بمشاركة 8 أندية
لم يكن يذكر ثلاثة أسماء فحسب، بل كان يستحضر عصرا كاملا، كانت فيه هذه الأسماء رمزا لحلم عالمي جديد، وحركة أرادت أن تمنح الشعوب الخارجة من الاستعمار طريقا ثالثا – حركة عدم الانحياز – لا شرقا ولا غربا، بل استقلالا وكرامة وسيادة. كانت تلك الكلمات الثلاث بالنسبة إليه ذكرى زمن كان يظن أن العالم النامي قادر فيه على أن يصنع مستقبله بيده.
توقفت طويلا أمام تلك العبارة العابرة. كيف بقيت أسماء هؤلاء القادة الثلاثة حية في ذاكرة بحار عجوز على سواحل الأدرياتيك؟ وما الذي بقي اليوم من المشروعات التي حملوها؟ وهل بقيت تلك التجارب كما حلم أصحابها، أم أن التاريخ سار بها في اتجاه آخر؟
من هنا بدأت أستعيد واحدة من أهم التجارب السياسية في القرن العشرين؛ تجربة حركة عدم الانحياز، التي قادها ثلاثة رجال تركوا أثرا عميقا في التاريخ الحديث: جواهر لال نهرو في الهند، وجمال عبد الناصر في مصر، وجوزيف بروز تيتو في يوغوسلافيا.
وقف هؤلاء الثلاثة من كبار قادة العالم النامي آنذاك على منصة التاريخ، يحاولون أن يرسموا طريقا ثالثا بين الشرق والغرب، بعيدا عن الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب الباردة، ومن لقاء رؤاهم ولدت عام 1961 حركة عدم الانحياز، التي لم تكن مجرد تجمع دبلوماسي، بل كانت مشروعا حضاريا أراد أن يمنح دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية استقلالا في القرار، وكرامة في الموقف، ومساحة لبناء مستقبلها بعيدا عن الهيمنة الأمريكية أو السوفيتية.
جمال عبد الناصر، خرج من المؤسسة العسكرية، وحمل مشروعا وطنيا كبيرا للتحرر من الاستعمار، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء الدولة الحديثة. ولا يمكن إنكار ما حققه من إنجازات
لكن المفارقة التي يطرحها التاريخ اليوم هي أن المصائر لم تكن واحدة. فقد انتهى المشروع اليوغوسلافي إلى التفكك، وتلقى المشروع الناصري ضربة قاسية مع هزيمة عام 1967، بينما استمرت الدولة التي أسسها نهرو في النمو حتى أصبحت الهند اليوم واحدة من القوى الكبرى في العالم. فلماذا نجا المشروع الهندي، بينما تعثرت التجربتان المصرية واليوغوسلافية؟
قد تبدو الإجابات لأول وهلة مرتبطة بالاقتصاد أو الجغرافيا أو الحروب، لكنها في جوهرها ترتبط بشيء أعمق: الثقافة السياسية التي قامت عليها كل تجربة، وطبيعة الدولة التي أسسها كل قائد.
كان الثلاثة يتمتعون بكاريزما استثنائية، وحضور عالمي، وقدرة على مخاطبة الشعوب. لكن خلفياتهم الفكرية لم تكن واحدة. فتيتو كان قائدا عسكريا خرج من المقاومة المسلحة ضد الاحتلال النازي، وبنى دولة اتحادية متماسكة بقوة الحزب الواحد، والجيش، وشخصيته الكاريزمية.
وقد نجح طوال حياته في ضبط التناقضات القومية والدينية داخل يوغوسلافيا، لكنه لم ينجح في بناء مؤسسات قادرة على إدارة تلك التعددية بعد غيابه، وما إن توفي حتى بدأت التصدعات القديمة في الظهور، وتحولت الدولة إلى سلسلة من الحروب الدموية انتهت بتفكك يوغوسلافيا إلى دول عدة.
أما جمال عبد الناصر، فقد خرج من المؤسسة العسكرية، وحمل مشروعا وطنيا كبيرا للتحرر من الاستعمار، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء الدولة الحديثة. ولا يمكن إنكار ما حققه من إنجازات في مجالات الصناعة، والتعليم، والاستقلال الوطني، كما لا يمكن تجاهل تأثيره الهائل في الوجدان العربي.
لقد بنى تيتو وحدة سياسية، لكنه لم يبن ثقافة سياسية قادرة على حماية تلك الوحدة بعد غيابه. وبنى عبد الناصر دولة قوية، لكنه لم ينجح في تحويل القوة إلى مؤسسات مستقلة قادرة على تجديد نفسها
غير أن مشروعه ظل يعتمد بدرجة كبيرة على مركزية الدولة، ودور المؤسسة العسكرية، والقيادة الفردية، مع تضييق المجال السياسي وإضعاف التعددية الحزبية والمؤسسات المستقلة. وقد جاءت هزيمة عام 1967 لتكشف هشاشة هذا البناء؛ إذ لم تكن الهزيمة العسكرية مجرد خسارة أرض، بل كانت صدمة للمشروع كله، لأنها كشفت أن الدولة التي تعتمد على الزعيم أكثر مما تعتمد على المؤسسات تصبح أكثر عرضة للاهتزاز عندما تتعرض لأول اختبار كبير.
أما جواهر لال نهرو، فقد كان مختلفا في تكوينه الفكري والسياسي. فهو لم يكن قائدا عسكريا، بل مفكرا، ومحاميا، وتلميذا للحركة الدستورية التي قادها المهاتما غاندي. وكانت رؤيته تقوم على أن بناء الأمة لا يبدأ من الجيش، بل من الدستور، والمؤسسات، والتعليم، والثقافة، والتعددية.
ورغم أن الهند كانت عند استقلالها واحدة من أفقر دول العالم وأكثرها تنوعا وتعقيدا، فإن نهرو أصر على ترسيخ الديمقراطية، وإجراء انتخابات حرة، واحترام تداول السلطة، واستقلال القضاء، وحرية الصحافة، وبناء الجامعات ومراكز البحث العلمي. وربما اختلف كثيرون مع بعض سياساته الاقتصادية، لكنهم لا يختلفون في أن المؤسسات التي أسسها استطاعت أن تستمر بعد وفاته، وأن تطور نفسها مع الزمن.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين التجارب الثلاث. لقد بنى تيتو وحدة سياسية، لكنه لم يبن ثقافة سياسية قادرة على حماية تلك الوحدة بعد غيابه. وبنى عبد الناصر دولة قوية، لكنه لم ينجح في تحويل القوة إلى مؤسسات مستقلة قادرة على تجديد نفسها. أما نهرو، فقد بنى مؤسسات سبقت الأشخاص، ورسخ قواعد اللعبة الديمقراطية قبل أن يرسخ نفوذ الزعيم.
اقرأ أيضا: “الاقتصاد النيابية” تبحث قضية فرض رسوم المواقف على موظفي مجمع …
إن الدول لا تقاس بما يحققه القادة في حياتهم فقط، بل بما يبقى بعد رحيلهم. ومن هذه الزاوية, تبدو الديمقراطية ليست مجرد آلية لانتخاب الحكام، بل وسيلة لحماية المشروع الوطني من الارتباط بشخص واحد. فحين تصبح المؤسسات أقوى من الأفراد، يكتسب المشروع قدرة على الاستمرار، وتصحيح الأخطاء، وتجديد النخب، كما أن البعد الثقافي كان عاملا حاسما في اختلاف المصائر.
فنهرو كان قارئا واسع الاطلاع، ومثقفا يؤمن بالحوار مع الحضارات المختلفة، وبأن قوة الهند تكمن في تنوعها لا في توحيدها القسري. ولذلك لم يحاول صهر المجتمع في قالب واحد، بل سعى إلى إدارة التعددية ضمن إطار دستوري.
المشروعات الوطنية لا تعيش بالشعارات، ولا بالكاريزما، ولا بالانتصارات المؤقتة فقط، وإنما تعيش عندما تبنى على ثقافة سياسية تؤمن بالمشاركة، ومؤسسات قادرة على الاستمرار، وديمقراطية تسمح بتجديد القيادة وتصحيح الأخطاء
أما في التجربتين المصرية واليوغوسلافية، فقد غلبت الرؤية الأمنية والسياسية على الرؤية الثقافية. وعندما تغيب الثقافة بوصفها أداة لبناء الوعي المشترك، يصبح الحفاظ على الوحدة معتمدا على سلطة الدولة أكثر من اعتماده على اقتناع المجتمع.
ولا يعني ذلك أن الديمقراطية وحدها تصنع النجاح، أو أن التجربة الهندية خالية من الأزمات؛ فقد واجهت الهند تحديات الفقر، والانقسامات الدينية، والنزاعات الحدودية، ولا تزال تواجهها حتى اليوم. لكن الفرق أنها امتلكت آليات سلمية لمعالجة تلك الأزمات، بينما كانت الأدوات المتاحة في التجارب الأخرى أقل قدرة على امتصاص الصدمات.
لقد خرجت الهند من تجربة عدم الانحياز لتصبح اليوم قوة اقتصادية وتقنية وعلمية عالمية، بينما بقيت يوغوسلافيا ذكرى في كتب التاريخ، وتحول المشروع الناصري إلى تجربة تاريخية تستلهم منها بعض الأفكار، دون أن تبقى دولته السياسية على صورتها الأولى.
إن الدرس الذي تمنحه لنا هذه التجارب الثلاث لا يتعلق بالماضي وحده، بل بالمستقبل أيضا، فالمشروعات الوطنية لا تعيش بالشعارات، ولا بالكاريزما، ولا بالانتصارات المؤقتة فقط، وإنما تعيش عندما تبنى على ثقافة سياسية تؤمن بالمشاركة، ومؤسسات قادرة على الاستمرار، وديمقراطية تسمح بتجديد القيادة وتصحيح الأخطاء.
وربما كانت هذه هي الرسالة الأهم التي يوجهها التاريخ إلى حاضرنا، عبر هذا البحار المسن في الجبل الأسود: إن بناء الأمة يبدأ من بناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ من الثقافة، ولا تزدهر الثقافة إلا في فضاء الحرية والمؤسسات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: الأجهزة الأمنية تضبط 3 أشخاص اعتدوا على ميكانيكي في القويسمة / تفاصيل
