معركة ترمب ضد لقاحات الأطفال.. هل تتجاوز تداعياتها حدود أمريكا؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ملف لقاحات الأطفال إلى صدارة الجدل السياسي والصحي في الولايات المتحدة، بعد توقيعه أمرا تنفيذيا يدعو إلى تقليص عدد اللقاحات الموصى بها للأطفال، وإعادة النظر في طريقة إعطائها، بما في ذلك فصل لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية إلى 3 جرعات منفصلة.

وتأتي هذه الخطوة في توقيت شديد الحساسية، مع تسجيل الولايات المتحدة ارتفاعا كبيرا في حالات الحصبة، الأمر الذي دفع وسائل إعلام أمريكية وبريطانية إلى التحذير من التداعيات الصحية المحتملة للسياسة الجديدة، وإن اختلفت زوايا تناولها.

اقرأ أيضا

list of 2 itemsend of list

ففي تقريرها، تضع صحيفة غارديان البريطانية القرار في سياقه العلمي والصحي، وتتساءل عن تأثير توصيات ترمب داخل الولايات المتحدة وخارجها.

وتنقل الصحيفة عن خبراء في الصحة العامة أن التغيير قد يؤدي إلى إرباك الآباء وتأخير تطعيم الأطفال، خصوصا أن إعطاء اللقاحات خلال زيارات طبية منفصلة قد يجعل بعض الأسر لا تعود للحصول على الجرعات اللاحقة.

وترى غارديان أن المشكلة لا تقتصر على خفض عدد اللقاحات، وإنما في احتمال إطالة الفترة التي يبقى فيها الأطفال عرضة لأمراض تمكن الوقاية منها، مشيرة إلى أن حالات الحصبة في الولايات المتحدة وصلت بالفعل إلى أعلى مستوى منذ نحو 3 عقود.

FILE - In this Feb. 12, 2015, file photo, an oral vaccine is given to 6-month-old James Noland at Childhood Health Associates in Salem, Ore. The Oregon Senate Committee on Education is scheduled to vote on a bill requiring all schools to make public the rate of students opting out of one or more immunizations - a measure drawing angry feedback from parents who feel it publicly shames families who decide to forego some shots, while others say it is merely another attempt by legislators to take away their parental rights and require mandatory vaccinations. (AP Photo/Statesman Journal, Anna Reed, File)
طفل يبلغ من العمر 6 أشهر يتلقى لقاحا فمويا في مركز صحة الطفل في سالم بولاية أوريغون (أسوشيتد برس)

تراجع الثقة في اللقاحات

وتُوسِّع غارديان نطاق التحذير إلى خارج الولايات المتحدة، مشيرة إلى أن دولا أخرى قد لا تنسخ السياسة الأمريكية بسبب الكلفة الصحية والاقتصادية الباهظة لتفشي الأمراض، لكن الخطر الأكبر قد يأتي من انتقال الشكوك والمعلومات المضللة بشأن اللقاحات.

وتحذر أصوات علمية نقلتها الصحيفة من أن تراجع الثقة في اللقاحات، حتى في دول لا تعتمد التغييرات الأمريكية، يمكن أن يؤدي إلى انخفاض معدلات التطعيم وعودة أمراض سبقت السيطرة عليها، خاصة أن منظمة الصحة العالمية تؤكد ضرورة أن تُبنى جداول التطعيم على تقييمات علمية مستقلة بعيدا عن التأثير السياسي.

اللقاحات كانت من أكثر التدخلات نجاحا في تاريخ الصحة العامة، وتقليص فرص حصول الأطفال عليها قد يعرض ملايين منهم لأمراض خطيرة وربما مميتة

بواسطة نيويورك تايمز

أما نيويورك تايمز، فتقدم موقفا أكثر حدة، في مقال رأي بعنوان “تقليص تطعيمات الأطفال أمر لا يُغتفر”، إذ يرى الكاتب، مستندا إلى خبرته الطبية، أن اللقاحات كانت من أكثر التدخلات نجاحا في تاريخ الصحة العامة، وأن تقليص فرص حصول الأطفال عليها قد يعرّض ملايين منهم لأمراض خطيرة وربما مميتة.

ويضع المقال القرار في مواجهة مباشرة مع الادعاءات التي يكررها ترمب ووزير الصحة روبرت كينيدي جونيور بشأن وجود صلة بين اللقاحات والتوحد، مؤكدا أن هذه العلاقة لا تستند إلى الأدلة العلمية وأنها دحضت مرارا.

ويستند المقال إلى التطور التاريخي للطب الوقائي، مشيرا إلى أن الأمراض المعدية كانت من الأسباب الرئيسية لوفيات الأطفال قبل ظهور اللقاحات الحديثة، وأن برامج التطعيم أسهمت في منع مئات الملايين من حالات المرض.

ومن هذا المنطلق، يحذر الكاتب من أن خفض التطعيمات ليس مجرد تعديل إداري في جدول طبي، بل هو تراجع عن مكاسب أساسية حققتها الصحة العامة خلال القرن الماضي.

وفي اتجاه قريب، ولكن بنبرة سياسية وصحية مختلفة، تنتقد افتتاحية وول ستريت جورنال سياسة ترمب تحت عنوان “ترمب يوجه ضربة إلى لقاحات الأطفال”، معتبرة أن الرئيس يغذي القلق العام بشأن اللقاحات في وقت “تنتشر فيه الحصبة بلا رادع”.

وتقول الصحيفة إن الخطة الجديدة تخفض عدد اللقاحات الموصى بها لمعظم الأطفال، وتعيد تصنيف بعض اللقاحات، مثل لقاحات التهاب الكبد والإنفلونزا وكوفيد-19 وفيروس الروتا، بحيث تصبح مخصصة لفئات عالية الخطورة أو خاضعة لما يسمى “القرار الطبي المشترك” بين الطبيب والوالدين.

وتتوقف وول ستريت جورنال بشكل خاص عند مقترح فصل لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية إلى 3 حقن منفصلة، وترى أن الخطوة قد تتطلب تغييرات في عملية الإنتاج تستغرق سنوات، فضلا عن أنها ستفرض زيارات إضافية للطبيب، وهو ما قد يؤدي عمليا إلى تراجع معدلات التطعيم.

كما تشكك الصحيفة في المقارنات التي تجريها إدارة ترمب بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية في عدد اللقاحات، موضحة أن اختلاف انتشار الأمراض وتركيبة السكان والأنظمة الصحية تجعل هذه المقارنة أكثر تعقيدا مما توحي به الإدارة.

WASHINGTON, DC - AUGUST 10: Jayme Leagh Franklin with The Conservateur (L), stands behind U.S. President Donald Trump (R), before he signs an executive order calling for childhood vaccine shots to be spaced out into separate visits during an event in the Oval Office of the White House on August 10, 2026 in Washington, DC. During his second term, Trump has urged Health and Human Services Secretary Robert F. Kennedy Jr. to investigate further research on vaccines. (Photo by Anna Moneymaker/Getty Images)
ترمب قبل توقيعه أمرا تنفيذيا يدعو إلى توزيع جرعات لقاحات الأطفال على زيارات منفصلة (غيتي)

مواجهة قانونية

ولا تقف تداعيات القرار عند الجانب الطبي -حسب الصحيفة- إذ قد يفتح الأمر التنفيذي مواجهة قانونية مع الولايات التي تفرض متطلبات مختلفة للتطعيم قبل الالتحاق بالمدارس، كما يمكن أن يعيد إشعال الانقسام السياسي والثقافي حول اللقاحات، وهي قضية أصبحت شديدة الاستقطاب منذ جائحة كوفيد-19.

اقرأ أيضا: من هو زوج ريم الصانع؟ عبدالعزيز العتيبي يخطف الأنظار

وترى الافتتاحية أن ترمب قد يواجه أيضا كلفة سياسية، إذ يمكن أن ينفّر القرار ناخبين لا يشاركونه هذا التوجه، في حين يبقى الخطر الصحي الأكثر وضوحا هو احتمال زيادة حالات الحصبة.

وتتقاطع الصحف الثلاث -رغم اختلاف توجهاتها التحريرية- عند نقطة رئيسية تتعلق بالمخاوف من أن يؤدي تغيير سياسة التطعيم إلى إضعاف الثقة باللقاحات، وتأخير حصول الأطفال عليها، وبالتالي زيادة مخاطر الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

وقد ركزت غارديان على البعد العلمي والعالمي، وتعاملت نيويورك تايمز مع القرار باعتباره تراجعا خطيرا عن إنجازات الصحة العامة، في حين أضافت وول ستريت جورنال بُعدا سياسيا وقانونيا، محذرة من أن القرار قد يفاقم الانقسام حول اللقاحات ويؤدي في الوقت نفسه إلى نتائج صحية عكسية.

واللافت أن الجدل لا يدور فقط حول عدد اللقاحات، وإنما حول من يحدد السياسة الصحية الأمريكية وعلى أي أساس: فهل تكون التوصيات نتاج تقييم علمي مستقل ومستند إلى الأدلة، أم تتأثر بالخيارات السياسية والشكوك التي يروج لها مسؤولون منتخبون؟

وتزداد أهمية هذا السؤال في ظل تفشي الحصبة، وفي ظل تحذيرات الأطباء والمنظمات الصحية من أن تأخير الجرعات أو تفويتها قد يترك الأطفال دون حماية لفترات أطول، خاصة أن تقارير مستقلة وخبراء طبيين ومنظمات صحية انتقدوا الأمر التنفيذي وحذّروا من احتمال زيادة الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

FILE - In this Friday, Feb. 2, 2007 file photo, one dose of the vaccine Gardasil, developed by Merck & Co., is displayed in Austin, Texas. On Thursday, May 9, 2013, the GAVI Alliance, a public-private partnership that's worked with drugmakers to deliver affordable vaccines to poor countries to treat childhood illnesses, announced a program that will team multinational drugmakers Merck & Co. and GlaxoSmithKline with top global health groups to protect millions of girls in the world's poorest countries from deadly cervical cancer. Merck & Co. and GlaxoSmithKline PLC initially will provide 2.4 million doses of their vaccines against cancer-causing human papilloma virus, for a fraction of the cost commanded in Western countries. Merck will supply its Gardasil for $4.50 per dose, and Glaxo its Cervarix for $4.60 per dose. In the U.S., the shots cost well over $100 apiece, and a three-dose series over six months is required.(AP Photo/Harry Cabluck, File)
جرعة من لقاح غارداسيل ضد فيروس الورم الحليمي البشري المسبب للسرطان (أسوشيتد برس)

تصدير الشكوك

أما على المستوى الدولي، فإن التداعيات المحتملة قد تكون أقل ارتباطا بتبني الدول الأخرى للجدول الأمريكي وأكثر ارتباطا بتصدير الشكوك، فحتى إذا رفضت الأنظمة الصحية في الدول الأخرى تقليد السياسة الأمريكية، فإن تراجع الثقة باللقاحات وانتشار الادعاءات غير المثبتة علميا قد يؤثران في قرارات الآباء ومعدلات التطعيم.

ومن هنا، فإن معركة ترمب ضد لقاحات الأطفال قد لا تبقى معركة أمريكية داخلية، بل تتحول إلى اختبار أوسع لقدرة المؤسسات الصحية والعلمية حول العالم على الحفاظ على ثقة الجمهور في التطعيم، خصوصا في وقت تعود فيه أمراض كان يعتقد أنها أصبحت تحت السيطرة.

وفي المحصلة، تقدم غارديان ونيويورك تايمز ووول ستريت جورنال 3 زوايا مختلفة لقرار واحد، لكنها تلتقي في التحذير من كلفته المحتملة.

وبينما يقدمه ترمب وإدارته باعتباره إعادة ضبط للسياسة الصحية الأمريكية، ترى الصحف الثلاث أن تقليص التطعيمات أو تأخيرها قد تكون له نتائج تتجاوز حدود السياسة، تتعلق بزيادة قابلية الأطفال للإصابة، وتراجع معدلات التحصين، واحتمال اتساع تفشي الحصبة، وإضعاف الثقة العامة في العلم والمؤسسات الصحية.

وفي عالم تنتقل فيه الأمراض والمعلومات بسرعة عبر الحدود، قد يكون السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الدول الأخرى ستنسخ سياسة ترمب، وإنما ما إذا كانت ستنجح في منع تداعياتها غير المباشرة من الوصول إلى أطفالها ومجتمعاتها.

المصدر: غارديان + نيويورك تايمز + وول ستريت جورنال

اقرأ أيضا: رسميًا.. داليتش مدربًا لمنتخب الإمارات حتى 2030

‫0 تعليق