مصر.. كيف استمر “نظام الطيبات” بعد وفاة صاحبه؟ لا يزال نظام “الطيبات” الصحي يثير جدلا واسعا في مصر، فيما تتعدد الأسباب وراء استمرار انتشاره.

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


بينما كان أسامة الديب ينتظر دوره بإحدى المكتبات في القاهرة، لفتت انتباهه سيدة تريد طباعة نحو 50 نسخة ملونة تتناول تفاصيل “نظام الطيبات” الخاص بالطبيب المصري الراحل ضياء العوضي.

اقرأ أيضا: منظومة رقابية لخدمة ضيوف الرحمن

وحين سألها عن سبب طباعة هذا العدد الكبير من النسخ، قالت إنها تنوي توزيعها على سكان البناية التي تسكن بها، وفي المسجد، وعلى أصدقائها في النادي.

وبالنسبة إلى الديب، الذي يعمل بالإعلام الرقمي، لم يكن المشهد مفاجئا تماما، فهناك كثيرون حوله ما زالوا مقتنعين بنظام “الطيبات”، رغم تأكيدات رسمية عديدة بخطورته.

و”الطيبات” نظام غذائي-طبي وضعه العوضي قبل سنوات، يصنف الأطعمة إلى “طيبة” أو “خبيثة”، وقد أثار جدلا واسعا لمخالفته إرشادات التغذية المعروفة، فضلا عن دعوته للتوقف عن تناول أدوية لأمراض مزمنة.

وتوفي العوضي، الحاصل على درجة بكالوريوس في الطب، في أبريل الماضي إثر أزمة قلبية داهمته داخل غرفته بفندق في دبي.

وحدثت الوفاة بعد أسابيع من قرارات من السلطات بإغلاق منشآته الطبية، وسحب ترخيص مزاولته المهنة بعدما أثبتت التحقيقات ترويجه لمعلومات طبية مضللة.

لكن وفاة العوضي لم تغلق صفحة “الطيبات”، وإنما حدث العكس.

فعقب رحيله ظهرت عشرات الصفحات والحسابات التي تحمل اسمه، أو اسم نظامه، على نطاق واسع في مصر.

ورصد تحقيق استقصائي أجرته منصة Arab Facts Hub بين مايو وبداية يونيو 2026 نحو 11,600 منشور يتعلق بنظام “الطيبات”.

وحققت تلك المنشورات نحو 3.1 مليار مشاهدة، وأكثر من 51.3 مليون تفاعل، وفق تقديرات أدوات الرصد.

ولم يقتصر التأثير على مصر، إذ رصد التحليل تفاعلات في دول أخرى.

ويوضح الديب أن استمرار البحث عن اسم العوضي دفع المنصات لإعادة تقديم محتوى قديم يتعلق بالنظام دون اعتبار لخطورة الأمر.

وفي مواجهة ذلك دعا المجلس الأعلى المصري لتنظيم الإعلام إلى حذف حلقات ومقاطع تتحدث عن نظام “الطيبات”.

والثلاثاء، قال مسؤول في نقابة الأطباء لصحيفة “المصري اليوم” القاهرية إن النقابة تعمل على تطوير نظام رقمي يسمح بالتحري عن الأطباء المسجلين، وحقيقة تخصصهم فيما يقدمونه من خدمات.

واعتبر التطوير ضروريا بعدما تسببت أزمة العوضي ونظام “الطيبات” في حدوث وفيات.

“بعض الكلام” صحيح

يبدو أسهل وصف لظاهرة العوضي مختزلا للغاية: طبيب يروج لمعلومات خاطئة وجمهور يصدقه.

لكن شهادات أطباء من تخصصات مختلفة ترسم صورة أكثر تعقيدا، فالمشكلة ليست أن كل ما قاله كان خاطئا، بل أن بعض ما قاله كان صحيحا بالفعل.

ولاحظت ندى مزروع، طبيبة تغذية، أن فيديوهات العوضي بدأت تظهر بكثافة على حساباتها بعد وفاته، سواء كانت مقاطع تنتقده، أو أخرى لمرضى يقولون إن صحتهم تحسنت بعد اتباع نظامه.

وتقدم مزروع في تصريحات لـ”الحرة” تفسيرا طبيا لتحسن حالات عدد من المرضى الذين اتبعوا النظام ضاربة مثلا بكثيرين يعانون من القولون العصبي.

فقد يقلل التوقف عن منتجات الألبان أو البقوليات، كما يوصي نظام العوضي، فعلا من الغازات والانتفاخات، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول نتيجة فردية مؤقتة إلى قاعدة عامة تصلح للجميع.

وهنا أحد مفاتيح فهم ظاهرة العوضي: فتحسن عرض معين لا يعني أن المرض الأساسي اختفى.

ويتفق مع ذلك محمود مرابع، طبيب الباطنة والجهاز الهضمي. ويقول لـ”الحرة” إن الخطر يظهر حين يتحول الشعور بالراحة إلى اقتناع بإمكانية الاستغناء عن علاجات الأمراض المزمنة.

أما الدكتور عمر الغراب، المدرس المساعد بجامعة طنطا، فيرى أن المشكلة الكبرى تكمن في نهج العوضي القائم على خلط حقائق علمية بادعاءات خاطئة، فالغذاء وتغيير نمط الحياة جزءان أصيلان من علاج أمراض عدة، وقد يمثلان الخطوة الأولى لبعض مرضى السكري والضغط.

وحتى إيقاف الأدوية ليس ممنوعا في المطلق، وبعض من يفقدون وزنا كبيرا بعد جراحات السمنة قد يستغنون عن علاجات معينة تحت إشراف طبي.

كما أن منع أنواع من الطعام إجراء معتاد في علاج مشكلات مثل القولون العصبي وارتجاع المريء.

لكن الغراب يشدد في تصريحاته لـ”الحرة” على أن تقنين الأدوية أو إيقافها مرتبط حصرا بتوصيات دقيقة لكل حالة على حدة.

ومن هنا يكتسب نظام العوضي قدرته على إقناع البعض: فالمعلومة الخاطئة لا تقدم بمفردها، بل تغلف بإطار من معلومات صحيحة يصعب على غير المتخصص تفنيدها.

اقرأ أيضا: جبهة المياه.. قراصنة يربكون أمريكا فهل روسيا مستعدة؟ | سياسة

“طوق نجاة”

ويرى الغراب أن الاقتناع قد يبدأ من معاناة المريض نفسه، فمرضى الأمراض المزمنة يملون من روتين تناول الأدوية اليومي، والعبء لا يقتصر على الجانب النفسي، بل يمتد اقتصاديا في ظل موجات الغلاء وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.

واراتفعت أسعار الأدوية في مصر بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة بعد تحرير سعر صرف العملة المحلية وارتفاع تكاليف الاستيراد والإنتاج.

وحين يظهر من يبشر مريضا أنهكته فواتير الصيدليات بأنه لم يعد بحاجة إلى كل ذلك، سيبدو الأمر كـ”طوق نجاة” يعده بالتحرر من العيش مريضا، ومن الاستنزاف المادي معا.

وتتضاعف خطورة هذا الوعد مع أمراض بعينها.

ويقول الغراب إن أول احتكاك له بـ”الطيبات” كان عبر منشور لأم أوقفت الإنسولين عن طفلها المصاب بالسكري، لينتهي المطاف بالابن في العناية المركزة مصابًا بغيبوبة.

وترى مريم مشالي، المدرس المساعد في علم الأدوية، أن الأزمة تبدأ في عيادات الرعاية الأولية، فالمريض يقضي هناك دقائق معدودة مع طبيب ليخرج حاملًا روشتة (وصفة دواء) طويلة ومكلفة، دون أن يفهم مرضه أو طريقة عمل الأدوية.

وهنا يظهر العوضي بنظريته ليملأ هذه الثغرة، فهو يتحدث بثقة مفرطة ويقدم تفسيرًا يبدو بسيطًا ومتماسكًا.

ويكتمل التأثير حين يجرب مريض نظام “الطيبات” فيشعر بتحسن مفاجئ، وهو ما تسميه مشالي في تصريحاتها لـ”الحرة” بـ”التحسن السريع”” (Instant Relief) الذي يمنحه دليلًا ذاتيا على أن ما يسمعه مفيد، حتى لو كانت أمراضه المزمنة تتفاقم في صمت.

الدين والمؤامرة

وإلى جانب تلك العوامل، تلعب الآلة الإعلامية دورا محوريا.

واللافت أن أسلوب العوضي تطور من ظهوره أولا في برامج طبية إلى تبنيه لاحقا لغة حادة ضد المؤسسات الطبية، في مقاطع بث مباشر.

ولم يكتف خطابه بالجانب الطبي، بل استند أيضا على غطاء ديني باختياره اسم “الطيبات”، وصولًا إلى تبني نظريات المؤامرة التي تصور شركات الأدوية ككيانات تجارية جشعة تسعى لإبقاء الناس مرضى.

وتكشف وقائع التحقيق مع الطبيب الراحل في نقابة الأطباء، على لسان العضو خالد أمين، أن العوضي دافع عن نفسه ضاربا المثل بشخصيات تاريخية تم إنكار نظرياتها في البداية قبل الاعتراف بها لاحقا، حتى إنه قال لأمين في آخر لقاء جمعهما: “أتمنى أن تستمع لي لتتغير صحتك تمامًا”.

ويحذر طبيب نفسي مصري، فضل عدم ذكر اسمه، من اختزال الظاهرة في إطار الحالة المصرية. موضحا أن الأنظمة الغذائية غير القائمة على أدلة قد تنتشر عالميًا، مثل أنظمة الـ”Carnivore Diet” التي تحظى بمتابعين كثيرين في الغرب.

بينما يشبه عبد الله وهيبة، طبيب مصري يعمل في المملكة المتحدة، الظاهرة بعمليات الاحتيال الكبرى، حيث “العملة هي الصحة” بدلًا من المال، مؤكدًا أن البحث عن بدائل للعلاج ليس حكرًا على الثقافة المصرية، لكن الفارق في التنظيم المؤسسي والثقة في النظام الصحي.

اقرأ أيضا: القادسية ينفّذ مبادرة «القادسية أقرب» لخدمة الأسر المحتاجة في الخبر

‫0 تعليق