طموح أردوغان يتجاوز اتفاق مكة.. هل يولد “ناتو إسلامي سني”؟

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

فتح اتفاق الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان الباب أمام تساؤلات بشأن ما إذا كانت الدول الثلاث تتجه إلى تأسيس نواة لتحالف عسكري إقليمي أوسع، وصفته صحيفة “التايمز” البريطانية بأنه مشروع محتمل لـ”ناتو إسلامي سني”، في ظل مساعي أنقرة لتعزيز دورها كضامن أمني في الشرق الأوسط وتزايد الشكوك بشأن مستقبل الاعتماد على الحماية الأميركية.

اقرأ أيضا: تعرف إلى رحلات الرؤساء السرّية.. خطة ترامب ليس الأولى من نوعها

وقالت الصحيفة، في مقال أعدته ليز كوكمان، إن اتفاق الدفاع المشترك الموقع في مكة المكرمة، الجمعة، يجمع ثلاثا من أبرز القوى العسكرية السنية، وينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوما على جميع الأطراف، في صيغة تقترب من حيث المبدأ من الالتزام الوارد في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي “الناتو”.

ورأت أن الاتفاق يتجاوز مجرد تعزيز العلاقات العسكرية بين الدول الثلاث، إذ قد يمثل توسعا كبيرا في دور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان كطرف ضامن للأمن في الشرق الأوسط، ولبنة في رؤية تركية أوسع لإنشاء هيكل أمني إقليمي أكثر استقلالا عن القوى الغربية.

لكن الاتفاق يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن حدود الالتزام الفعلي لأطرافه، والجهات التي يستهدف ردعها، ومدى استعداد تركيا والسعودية وباكستان للدخول في مواجهة عسكرية إذا تعرضت إحداها لهجوم لا يمس بصورة مباشرة المصالح الأمنية للطرفين الآخرين.

ونقلت “التايمز” عن محللين أن الاتفاق قد يكون في مرحلته الحالية رسالة ردع سياسية وعسكرية أكثر منه ضمانة حاسمة للتدخل في كل صراع تواجهه إحدى الدول الثلاث، خصوصاً في ظل اختلاف مصادر التهديد والأولويات الأمنية لكل منها.

هل يستهدف إيران؟

وقالت الصحيفة، إن الدول الثلاث المنضمة للاتفاقية تعد حليفة
رئيسية للولايات المتحدة، مما يضعها -من الناحية العملية- في المعسكر المناهض
لإيران ضمن الانقسام الهيكلي الذي تشهده المنطقة.

وعقب التوقيع، شدد وزير الخارجية التركي، حقان
فيدان، على أن الاتفاقية ليست موجهة ضد إيران. ومع ذلك، تعرضت السعودية للقصف من
قبل إيران خلال الحرب، كما تكبد قطاع النفط السعودي خسائر اقتصادية فادحة؛ فضلا عن
إسقاط صواريخ إيرانية كانت متجهة نحو المجال الجوي التركي. أما باكستان، فترتبط
بجارتها إيران بعلاقات معقدة تتسم غالبا بالعداء.

اظهار أخبار متعلقة

وقد صرح فيدان بأن الاتفاقية -التي استغرق الإعداد
لها أكثر من عامين ونصف- تعادل من الناحية الفنية التزام الدفاع المشترك المنصوص عليه
في المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو.

ولهذا الأمر تداعيات هامة؛ فالقدرات العسكرية لكل من
هذه الدول ليست بالأمر الهين؛ إذ تُعد باكستان القوة النووية الوحيدة ذات الغالبية
المسلمة، بينما تمتلك السعودية القوة العسكرية العربية الأبرز في منطقة الخليج.
تمتلك تركيا ثاني أكبر جيش في حلف الناتو وتتمتع بصناعة دفاعية مزدهرة.

ورغم أن الدول الثلاث تشترك في مخاوفها بشأن إيران
وقد انتقدت ممارسات إسرائيل في غزة ومناطق أخرى من المنطقة، إلا أن التهديدات
الرئيسية التي تواجه كلا منها تختلف؛ فباكستان لا تزال تعتبر الهند مصدر القلق
الأكبر لأمنها القومي، ولدى تركيا قضايا عالقة منذ أمد طويل مع اليونان وبشأن
قبرص، فضلا عن انخراطها في الملف السوري، أما السعودية فتتركز مخاوفها بشكل أكبر
على إيران، وإن كانت جبهة القتال الرئيسية لها في السنوات الأخيرة قد تمثلت في
مواجهة الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.

قالت أصلي أيدينتاسباش، المحللة في معهد بروكينغز
ومقره واشنطن، إن الاتفاقية تستند إلى مبدأ الردع الجماعي أكثر من الدفاع الجماعي،
مشيرة إلى أن هذا التحالف “ليس نسخة مكررة من حلف الناتو”.

وأضافت أيدينتاسباش أن الاتفاقية تعكس جزئيا “تطلعات”
تركيا لبناء “هيكل دفاعي متعدد الجنسيات وأوسع نطاقا في الشرق الأوسط”،
مع توجيه رسائل في الوقت ذاته إلى كل من إيران وإسرائيل.

الولايات المتحدة “غير قلقة”

يكمن جوهر هذا الهيكل في حاجة الأطراف الثلاثة إلى
إنشاء بنية تحتية أمنية تتمحور حول المنطقة ولكنها مستقلة عن القوى الغربية، ولا
سيما الولايات المتحدة. ويحرص أردوغان على توسيع نطاق هذا التحالف ليشمل قوى
إقليمية أخرى، مثل مصر، كما تُعد قطر احتمالا واضحا آخر.

وأشارت أيدينتاسباش إلى أن الاتفاقية قد تؤدي إلى
زيادة الدعم العسكري التركي للمملكة العربية السعودية؛ إذ أن المشاركة في دوريات
بحرية متعددة الجنسيات في البحر الأحمر، على سبيل المثال، أو نشر قوات في السعودية
لأغراض دفاعية، من شأنه أن يوسع بشكل كبير الدور الأمني لتركيا في المنطقة.

اقرأ أيضا: عجلون : الشباب في الرؤية الهاشمية… شركاء في صناعة المستقبل

من جانبه، قال عمر أوزكيزيلجيك، وهو زميل أول في
المجلس الأطلنطي، إن هناك تحولا أوسع نطاقا نحو تولي القوى الإقليمية مسؤولية أكبر
عن أمنها الذاتي.

وقال: “الهدف الأول للاتفاقية هو تعزيز التعاون
الإقليمي وقيادة المنطقة نحو بيئة أمنية جديدة”، مضيفا أن المفاوضات كانت قد
بدأت قبل عودة الرئيس ترامب إلى منصبه العام الماضي.

اظهار أخبار متعلقة

ولا يُعد هذا التوجه محل معارضة من جانب الولايات
المتحدة في الوقت الراهن؛ فقد ذكرت أيدينتاسباش أن المسؤولين الأمريكيين الذين
تشاورت معهم لم يَبدُ عليهم القلق إزاء الاتفاقية، بل إنها تتماشى مع مطالب إدارة
ترامب بضرورة “تقاسم الأعباء” بشكل أكبر من قبل حلفاء الولايات المتحدة.

ومع ذلك، قد تكون النتيجة الأكثر وضوحا للاتفاقية هي
تعزيز المشتريات الدفاعية المتبادلة، أي تجارة الأسلحة؛ حيث أشارت أيدينتاسباش إلى
وجود “إمكانات هائلة” للتعاون بين الصناعات الدفاعية في الدول الثلاث.

وفي حين اتسمت العلاقة الأمنية بين السعودية
وباكستان دائما بالتقارب، فقد شهدت العلاقات بين الرياض وأنقرة سابقا قدرا من
التوتر والمنافسة؛ إذ كانت تركيا حليفا وثيقا لقطر -التي تشترك معها في موقف داعم
لجماعة الإخوان المسلمين- في وقت كادت فيه العلاقات بين قطر والسعودية تصل إلى حد
المواجهة المباشرة قبل عقد من الزمان.

قال أوزكيزيلجيك إن جميع الأطراف تعاونت بشأن سوريا،
كما دفعت أحداث غزة هذه الأطراف إلى التقارب، مشيرا إلى أن هذا التحالف الجديد قد
يعزز تلك العلاقة بشكل أكبر.

اقرأ أيضا: حين تُعاد هندسة الإقليم من اتفاقية مكة إلى تموضع الأردن في اقتصاد الترابط الإقليمي

‫0 تعليق