حين تُعاد هندسة الإقليم من اتفاقية مكة إلى تموضع الأردن في اقتصاد الترابط الإقليمي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

جفرا نيوز –

اقرأ أيضا: القوات اليمنية: الحوثيون يستهدفون ميناء المخا مجددًا بصواريخ باليستية

بقلم: حامد النبابته “مستشار سابق لوزير الطاقة والثروة المعدنية – مستشار سابق في صندوق الأوبك للتنمية الدولية

الرؤية للترابط الإقليمي

«اتفاقية مكة» الأمنية بين السعودية وتركيا وباكستان (آب 2026) ليست حدثًا عابرًا، بل مؤشر على انتقال المنطقة من التحالفات الصلبة إلى الشبكات المرنة، حيث تُقاس قوة الدولة بقدرتها على الربط لا بحجم مواردها. وتطرح هذه المقالة مفهوم «الدولة العقدة» كإطار لتموضع الأردن في هذه البيئة الجديدة.

فحين تعيد التحالفات الأمنية تشكيل خرائط الثقة بين الدول، فإنها تخلق بالضرورة طلبًا موازيًا على بنية اقتصادية بالمرونة نفسها: ممرات طاقة وتجارة ونقل قادرة على الربط بين كتل متعددة دون الانحياز الكامل لأي منها. وهنا بالتحديد تكمن الفرصة الأردنية.

ما الذي يميّز «الدولة العقدة»؟

الدولة العقدة تختلف عن دولة العبور التقليدية في أنها لا تكتفي بنقل التدفقات من طرف إلى آخر، بل تدير عقدة التقاطع نفسها: تضع قواعد الربط، وتضمن استمراريته، وتستمد نفوذها من كونها نقطة يصعب تجاوزها، لا من حجم ما تملك. هولندا نموذج مصغّر لهذا المنطق: بلا موارد طبيعية تُذكر، لكنها حوّلت موقعها البحري إلى أكبر بوابة تجارية لأوروبا عبر ميناء روتردام. والأردن، بموقعه بين الخليج والعراق والبحر المتوسط، يملك المعطى الجغرافي ذاته؛ والسؤال هو هل يبني عليه الحوكمة التي تحوّله إلى قيمة فعلية.

لماذا الآن

محور العراق–الأردن–العقبة بنية تحتية عاملة اليوم دون طاقتها الكاملة، بينما لا يزال المسار الموازي — طريق التنمية العراقي عبر ميناء الفاو نحو تركيا — في مراحله الإنشائية الأولى، ولن يكتمل قبل عام 2028 في أفضل الأحوال. هذه الفجوة الزمنية هي نافذة الأردن الحقيقية، وهي محدودة.

ومما يزيد إلحاح هذه النافذة التلميحات المتصاعدة إلى انضمام مصر لاحقًا إلى إطار التعاون الأمني ذاته. فإن تحقق ذلك، فإنه سيعيد تشكيل خريطة التحالفات في الممرات البرية والبحرية معًا، ويجعل من التموضع المبكر للأردن في محور العراق–العقبة أولوية أكثر إلحاحًا لا أقل أهمية.

الركائز الثلاث

* تحويل محور العراق–الأردن–العقبة من ممر ثنائي إلى منصة إقليمية متعددة الوظائف (طاقة، تجارة، نقل، تخزين، صناعة).

* إنشاء آلية حوكمة سيادية موحّدة تُنهي تشتّت القرار بين الجهات المالكة للمشاريع، وتختصر زمن التنفيذ.

* استثمار الموثوقية السياسية المتراكمة للأردن كضمانة استثمارية طويلة الأمد، لا كأصل تفاوضي عابر.

آلية الحوكمة المقترحة

اقتراح بإنشاء «هيئة سيادية موحدة لحوكمة الممرات» بصلاحية قرار مباشرة تتجاوز التنسيق الوزاري التقليدي، مهمتها توحيد صلاحية الموافقة على مشاريع الربط، واعتماد مسار موافقات مختصر للمستثمر الاستراتيجي، ومتابعة مؤشرات أداء تُرفع مباشرة لأعلى مستوى قرار سيادي.

خارطة الطريق

خلال الأشهر الستة الأولى: تشكيل فريق تفاوضي فني-سيادي مصغّر يراجع اتفاقيات الربط القائمة مع العراق، ويحدد أولويات الحوافز اللوجستية لميناء العقبة.

اقرأ أيضا: القبض على 3 مخالفين من الجنسية الإثيوبية لتهريبهم القات بعسير

* إصدار الإطار التشريعي لإنشاء الهيئة السيادية بصلاحيات تنفيذية لا استشارية.

* رفع معدل استخدام الطاقة التصميمية لميناء العقبة عبر حوافز للشحنات العراقية والخليجية العابرة.

* تفعيل تمويل مختلط حكومي مع صناديق سيادية إقليمية.

* بناء منصة طاقة وتخزين متكاملة في العقبة تسند بناء اللوجستيات.

* فتح مسار تفاوضي رسمي مع العراق لاتفاقيات ربط طويلة الأمد تستبق اكتمال طريق التنمية عام 2028.

المخاطر الأهم

مخاطر جيوسياسية مرتبطة باستقرار المسارات البرية عبر العراق، ومنافسة إقليمية على التمويل، وحاجة تمويلية تتجاوز قدرة الموازنة الحكومية وحدها. أما المخاطر المؤسسية — تشتّت جهات القرار وبطء التنفيذ — فهي الأخطر، والأكثر قابلية للمعالجة الفورية عبر الحوكمة الموحّدة.

الخلاصة

السؤال الذي يواجه الأردن ليس: مع من نقف؟ بل: كيف نبني موقعًا يجعل الآخرين يرغبون في الوقوف معنا؟ فالقوة، في نهاية المطاف، ليست في امتلاك كل شيء، بل في القدرة على ربط الأشياء

اقرأ أيضا: “المركز الوطني للمناهج” يبرز قضايا الشباب ومهاراتهم بمناسبة ال…

‫0 تعليق