
قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن واشنطن تتعامل مع إيران “بهدوء”، وإن المحادثات الجارية معها لا تتجاوز “مفاوضات جزئية”، قبل أن يضيف أنه يراقب بلدا يعاني تضخما مرتفعا و”لا يملك أي أموال”.
اقرأ أيضا: الصين تُعلن فشل إطلاق قمر اتصالات على متن صاروخ «لونج مارش 7 إيه»
تعكس تصريحات ترامب، التي نقلها أكسيوس، اتجاها داخل الإدارة الأميركية إلى استغلال الضعف الاقتصادي الإيراني، بالتوازي مع إبقاء القوة العسكرية ضمن الخيارات المتاحة. فبعد أشهر من المواجهة والحصار، باتت واشنطن تركز بصورة أكبر على النفط والتحويلات المالية وشبكات الالتفاف على العقوبات، وهي قنوات تعتمد عليها طهران للحصول على العملة الصعبة وتمويل مؤسسات النظام والحرس الثوري.
ولا يبدو أن التحول يعني استبعاد العمل العسكري، وفقا للمؤرخ والمحاضر في جامعة ييل والكاتب المساهم في مجلة “ذا أتلانتيك” آرش عزيزي.
والذي أضاف لـ”الحرة” أن ترامب لا يستطيع ببساطة أن يقرر أنه لن يستخدم القوة مجدداً، مرجحاً أن تعتمد إدارته مزيجاً من الضغط الاقتصادي والعسكري.
يقول عزيزي لـ”الحرة” إن لدى ترامب مصلحة في تجنب تصعيد واسع، لكن أي تحرك إيراني، مثل استهداف السفن، قد يفرض ردا أميركيا.
ويأتي التركيز على الاقتصاد في وقت دخلت فيه إيران الحرب وهي تعاني أصلا من آثار سنوات من العقوبات، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم والبطالة والفقر. ثم أضافت المواجهة العسكرية والحصار قيودا جديدة على تجارتها وقدرتها على الحصول على السيولة.
وقال متحدث باسم وزارة الخزانة الأميركية لـ”الحرة” إن الضغوط الاقتصادية دفعت الحكومة الإيرانية إلى البحث بصورة متزايدة عن النقد، وإن التضخم وتراجع الموارد أضرا بقدرتها على دفع رواتب قواتها.
وأضاف أن طهران توسع استخدام شبكات مصرفية غير معلنة والعملات المشفرة للالتفاف على العقوبات، فيما تواصل الوزارة استهداف هذه القنوات. وخلال الأسبوع الماضي، فرضت الخزانة إجراءات على منصات لتداول العملات المشفرة قالت إنها ساعدت في تمويل الحرس الثوري، إلى جانب شبكات مالية مرتبطة بإيران.
لكن النفط يبقى الهدف الأهم. فبحسب الأرقام التي قدمتها وزارة الخزانة لـ”الحرة”، انخفضت شحنات النفط الإيراني من نحو 1.8 مليون برميل يوميا في يناير وفبراير إلى أقل من 500 ألف برميل يوميا خلال الشهر الماضي. كما تراجعت كميات النفط التي جرى تفريغها من نحو 1.4 مليون برميل يوميا إلى نحو 700 ألف.
وتسعى واشنطن إلى خفض هذه الكميات من خلال ملاحقة السفن والوسطاء والجهات المالية التي تساعد إيران في البيع والتحويل.
ويرى الدكتور فهد الشليمي، رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية في الكويت، أن الضغط الاقتصادي يناسب الإدارة الأميركية في هذه المرحلة أكثر من توسيع العمليات العسكرية، بعدما تراكمت الضغوط على الاقتصاد الإيراني خلال الأشهر الماضية.
ويقول إن هذا المسار يقلل أيضا من احتمالات تعرض القوات الأميركية لخسائر قد ترفع الكلفة السياسية للحرب داخل الولايات المتحدة.
وبحسب تقديرات مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، يمكن للحصار البحري أن يحرم الاقتصاد الإيراني من نحو 435 مليون دولار من النشاط يوميا، فيما قد يؤدي استمرار تعطل صادرات النفط إلى إجبار طهران على خفض الإنتاج.
وتواجه إيران المشكلة نفسها في سوق الصرف. وتقول وزارة الخزانة إن الريال فقد نحو 20 في المئة من قيمته أمام الدولار منذ بداية الحرب ووصل، قبل أسابيع، إلى أدنى مستوى قياسي.
ويزيد تراجع العملة كلفة الواردات ويضغط على القدرة الشرائية، فيما تحتاج الحكومة إلى العملة الصعبة لاستيراد السلع وتمويل مؤسسات الدولة.
ويقول الشليمي إن نحو 40 مليون إيراني يتلقون مساعدات، وإن عدد العاطلين عن العمل يتجاوز أربعة ملايين، بينما يعيش أكثر من 60 في المئة من السكان تحت خط الفقر، وفق تقديراته.
لكن المشكلة بالنسبة لواشنطن ليست في إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني بقدر ما هي في تحويل ذلك الضرر إلى تنازلات سياسية.
ويشكك عزيزي في أن إدارة ترامب تملك حتى الآن استراتيجية واضحة لتحقيق ذلك. ويقول إن الضغط، عسكريا كان أو اقتصاديا، لا يضمن تغيير سلوك إيران ما لم يكن جزءا من خطة تأخذ في الاعتبار الطريقة التي تتعامل بها طهران مع الضغوط والشروط التي قد تدفعها إلى التراجع.
ولدى إيران خبرة طويلة في العيش تحت العقوبات وبناء قنوات بديلة للتجارة والتحويلات المالية. كما تعتمد على وسطاء وأسواق وشبكات يصعب على واشنطن إغلاقها بالكامل.
اقرأ أيضا: تعرف على شروط مسابقة التأليف المسرحي لمسرح الطفل بالمركز القومي للمسرح
وتقول وزارة الخزانة إن هدفها هو جعل هذه الشبكات أكثر كلفة وأقل فاعلية، ومنع الحكومة الإيرانية من توجيه الموارد المتاحة للحرس الثوري والأنشطة التي تعتبرها واشنطن مزعزعة للاستقرار.
وجاءت الجولة الجديدة من الضغوط بعد خسائر كبيرة تكبدها الاقتصاد الإيراني خلال الحرب. وقدرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الخسائر المباشرة والمادية بنحو 144 مليار دولار، بينما قالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني إن مجموع الخسائر المباشرة وغير المباشرة بلغ 270 مليار دولار.
ويتوقع صندوق النقد الدولي انكماش الاقتصاد الإيراني بنحو 5.4 في المئة خلال 2026، مع بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة.
ولا تعتمد قدرة طهران على تحمل هذه الضغوط على ما يحدث داخل إيران وحدها. فدول الجوار، وفي مقدمتها العراق، ظلت لسنوات جزءا من شبكات التجارة والتحويل والتهريب التي ساعدت إيران على تخفيف آثار العقوبات.
ويقول الشليمي إن تشديد الحصار والرقابة على الحدود والقنوات التجارية قد يحرم طهران من جزء مهم من قدرتها على تسويق النفط والحصول على العملة. ويرى أن التزام دول الخليج بالإجراءات الأميركية سيضيق الخيارات المتاحة أمام إيران.
لكن كلما أغلقت قناة، تبحث طهران عن أخرى، وهي خبرة اكتسبتها خلال عقود من العقوبات الأميركية.
ويبقى مضيق هرمز أحد أكثر أوراق الضغط حساسية لدى الطرفين. فبينما تستخدم واشنطن العقوبات والحصار للضغط على الاقتصاد الإيراني، تستطيع طهران التأثير في حركة الطاقة والتجارة عبر المضيق.
وتقول إيران إنها تقترب من التوصل مع سلطنة عمان إلى ترتيبات بشأن الملاحة، لكنها ربطت إعادة فتح المضيق على نطاق أوسع بشروط تشمل رفع العقوبات والتهديدات العسكرية والتعويض عن الأضرار والإفراج عن الأصول المجمدة.
وهكذا، فإن تراجع وتيرة القتال لا يعني انتهاء المواجهة. فمع تقليص الاعتماد على الضربات العسكرية، تنتقل المعركة أكثر فأكثر إلى صادرات النفط والموانئ والبنوك وسعر العملة وشبكات التمويل.
وتراهن إدارة ترامب على أن تضييق هذه القنوات سيجعل استمرار المواجهة أكثر كلفة بالنسبة لطهران. لكن ما لم يتضح بعد هو ما إذا كانت الأزمة الاقتصادية ستدفع إيران إلى تقديم تنازلات، أم إلى مزيد من البحث عن وسائل للالتفاف على الضغوط والصمود أمامها.
اقرأ أيضا: حسام الشاعر: وجود اتفاق واضح بشأن الوصول للشواطئ ضروري بين المطور العقاري والملاك
