
ألغت الكويت ترخيص المدرسة الإيرانية الخاصة، في أحدث إجراء خليجي يطال مؤسسات مرتبطة بطهران منذ اندلاع الحرب، بعد خطوات مماثلة شملت مدارس ومراكز طبية واجتماعية في الإمارات.
اقرأ أيضا: «سفراء النماص» ينظمون أمسية شعرية في تنومة تجمع الفصيح والنبطي
ولم تعلن السلطات الكويتية عن مخالفات محددة دفعت إلى القرار، مكتفية بالإشارة إلى “المصلحة العامة”. لكن الإغلاق يأتي في وقت تخضع فيه المؤسسات الإيرانية في الخليج لتدقيق أكبر، بعدما أثارت الحرب والهجمات الإيرانية والمخاوف الأمنية أسئلة بشأن أدوار بعض هذه المؤسسات وما إذا كانت تقتصر على النشاط التعليمي والثقافي والطبي المعلن.
وشمل القرار وقف قبول طلبة جدد اعتبارا من العام الدراسي 2026-2027، وإبلاغ أولياء أمور الطلبة المسجلين بضرورة نقل أبنائهم إلى مدارس أخرى قبل انطلاق العام، بما يضمن استمرارهم في الدراسة وعدم تأثر مسيرتهم التعليمية.
وانتقد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي القرار، يوم الاثنين، واصفا إياه بأنه “غريب وذو دوافع سياسية”، وقال إن “تحميل الطلبة تبعات الخلافات السياسية أمر غير مبرر، معربا عن أمله في تسوية القضية”.
وقال القانوني الكويتي سعود السبيعي إن من حق وزارة التربية إن تدريس مناهج تابعة لدولة أخرى لا يمنح المدرسة وضعا قانونيا مستقلا، إذ تظل خاضعة للقوانين الكويتية ولرقابة الوزارة على نشاطها ومناهجها ومدى التزامها بالقرارات المنظمة للقطاع.
وأضاف أن من حق المتضررين اللجوء إلى القضاء الإداري إذا اعتبروا أن الإلغاء يفتقر إلى سبب قانوني مشروع.
من جانبه، يقول الكاتب والدبلوماسي الكويتي السابق خالد الطراح إن بعض مناهج المدرسة وكتبها حملت مضامين مرتبطة بأيديولوجية النظام الإيراني ومبدأ ولاية الفقيه، ما يثير بحسب رأيه تساؤلات بشأن توظيف المدرسة لأهداف تتجاوز التعليم.
وأنشأت إيران على مدى عقود شبكة من المدارس والمراكز الثقافية والعلمية في دول الخليج وغيرها بهدف تعليم اللغة الفارسية والتعريف بأدبها وتاريخها، إلى جانب تنظيم الفعاليات وبناء علاقات مع الجامعات والباحثين والجاليات الإيرانية، ومنحت هذه الأنشطة طهران حضورا مستداما وشبكات اجتماعية وثقافية وأكاديمية تدعم نفوذها الإقليمي.
ولم تكن الخطوة الكويتية معزولة عن إجراءات اتخذتها دول خليجية أخرى تجاه مؤسسات مرتبطة بطهران، ففي مارس الماضي ومع اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أُغلقت في الإمارات مؤسسات عدة تابعة لطهران، من بينها المستشفى الإيراني ومدارس خاصة، فيما علّق النادي الاجتماعي الإيراني أنشطته في دبي.
وبحسب موظفين في المستشفى الإيراني، نُقل المرضى إلى منشآت طبية أخرى في دبي، كما توقف الموقع الإلكتروني للمستشفى عن العمل، وفي الفترة نفسها، أزيلت اللافتات التي كانت تحمل اسم مدرسة التوحيد الإيرانية الخاصة.
ورغم التحسن الجزئي الذي طرأ على العلاقات بين الإمارات وإيران عقب توقف الضربات الإيرانية على المصالح الإماراتية واستئناف حركة الطيران، لم تستأنف بعض هذه المؤسسات نشاطها.
وتأكدت “الحرة” من استمرار إغلاق المستشفى الإيراني والنادي الإيراني في دبي من خلال زيارة لموقعيهما، كما أظهرت محاولات الاتصال أن أرقام الهاتف الخاصة بهما لم تعد تعمل.
ويربط الكاتب والباحث الإماراتي محمد خلفان الصوافي بين توقيت الإغلاق والظروف الأمنية التي رافقت الحرب، ويقول إن الخطوة تعكس تغيرا في نظرة السلطات الإماراتية إلى المؤسسات المرتبطة بالحكومة الإيرانية، والاشتباه في أن أدوار بعضها قد تتجاوز الأنشطة الطبية أو التعليمية أو الثقافية.
اقرأ أيضا: توضيح الأحوال المدنية لخطوات تعديل المهنة إلى ربة منزل وتسجيل المواليد عبر أبشر
ويرى الصوافي في حديثه لـ “الحرة” أن ارتباط المستشفى الإيراني بالهلال الأحمر الإيراني، وعلاقة مؤسسات أخرى بجهات رسمية في طهران، أثارا تساؤلات بشأن طبيعة الأدوار التي تؤديها داخل المجتمعات الخليجية، ويعتبر أن المخاوف تشمل احتمال استخدام المدارس والمراكز الثقافية والدينية لنشر خطاب طائفي أو بناء نفوذ طويل المدى، وفق تقديره.
وعن وجود أدلة رسمية تربط هذه المؤسسات بأنشطة استقطاب أو تجنيد أو جمع معلومات، يقول الصوافي إن مثل هذه الصلات كُشف عنها بصورة أوضح في البحرين، بينما تبدو الإجراءات في الإمارات والكويت أقرب إلى التدابير الاحترازية المرتبطة بظروف الحرب، ولا يستبعد في الوقت نفسه أن تكون لدى السلطات معلومات لم تعلنها في انتظار استكمال التحقيقات.
وشنت إيران، بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، مئات الهجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ على دول الخليج بحجة استضافتها لقواعد أميركية ولدورها في الحرب.
ويقول خبير الشؤون الإيرانية ورئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، محمد محسن لـ “الحرة” إن بعض الدول الخليجية باتت تنظر إلى المؤسسات الإيرانية باعتبارها امتدادا محتملا للنفوذ الإيراني داخل مجتمعاتها، خصوصا بعد الحرب والهجمات التي تعرضت لها دول في المنطقة، وتصاعد المخاوف المتعلقة بأمن المنشآت الحيوية والموانئ والمطارات والممرات البحرية.
وخلال الأشهر الأولى من الحرب، أعلنت كل من البحرين والكويت والإمارات توقيف خلايا “كانت تخطط لعمليات إرهابية” بحسب قولها، وكان الارتباط بإيران ووكلائها العامل المشترك في كل تلك الاعتقالات.
ويرى أبو النور أن إغلاق بعض المؤسسات الإيرانية يندرج ضمن مراجعة أوسع لوجود طهران غير الدبلوماسي في الخليج، ويوضح أن الحرب غيرت قواعد التعامل معها، إذ أصبحت المؤسسات التي كانت تصنف سابقا ضمن القوة الناعمة تقيم من منظور أمني أكثر تشددا.
ويستدرك بأن وجود بعد سياسي أو استراتيجي لهذه المؤسسات لا يعني بالضرورة أن كل مركز إيراني يؤدي دورا استخباراتيا أو أن العاملين فيه يمارسون أنشطة سرية، معتبرا أن مثل هذا الحكم يمثل تعميما غير علمي، لكنه يرى أنه من الطبيعي أن تخضع المؤسسات المرتبطة بحكومات أجنبية لمزيد من التدقيق عندما تمر العلاقات السياسية والأمنية بمرحلة توتر حاد.
ويخلص إلى أن تقييم دور هذه المراكز يتغير وفق الظروف المحيطة بها، ففي فترات الحوار يمكن أن تعمل جسورا للتواصل الثقافي، بينما قد تتحول المؤسسة نفسها، خلال الحروب والأزمات، إلى مصدر قلق أمني لدى الدولة المضيفة، ويرى أن هذا التحول يشكل أحد المفاتيح الرئيسية لفهم الإجراءات الخليجية الأخيرة.
