سلطان يوثق بـ«قضية مسقط» استعادة المدينة من البرتغاليين

سلطان يوثق بـ«قضية مسقط» استعادة المدينة من البرتغاليين

6 يوليو 2026 01:13 صباحًا
|

آخر تحديث:
6 يوليو 01:55 2026

صدر أمس الكتاب الجديد لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، عن منشورات القاسمي، وجاء الكتاب تحت عنوان «قضية مسقط».

يوثق سموه في الكتاب أحداث استعادة العمانيين مدينة مسقط من البرتغاليين عام 1649م، ويعرض عبر الوثائق والتحقيقات البرتغالية أسباب سقوط مسقط والمحاكمات التي جرت لتحديد المسؤولين عن هذه الهزيمة.

استند صاحب السمو حاكم الشارقة إلى مجموعة من الوثائق البرتغالية النادرة التي تكشف تفاصيل الأحداث العسكرية والسياسية والإدارية المرتبطة بهذه القضية، وهي مختارات من «الأرشيف التاريخي لما وراء البحار» «Arquivo Histórico Ultramarino»، البرتغال، لشبونة.

تضم هذه الوثائق غير المنشورة سابقاً مختارات من محفوظات «مجلس ما وراء البحار» الخاصة بالهند، وكان هذا المجلس هيئة حكومية برتغالية تولّت إدارة شؤون المستعمرات البرتغالية خلال تلك الفترة.

وتمثل هذه الوثائق سجلاً بالغ الأهمية لفهم طبيعة التحولات السياسية والعسكرية والإدارية، التي شهدتها ولاية الهند البرتغالية، ومنطقة الخليج العربي خلال منتصف القرن السابع عشر، ولا سيما في المرحلة الحرجة التي سبقت سقوط قلعة مسقط عام 1650م.

خلفية تاريخية

يبدأ الكتاب بعرض الخلفية التاريخية للصراع بين العمانيين والبرتغاليين في منطقة الخليج وبحر عُمان. فقد كانت مسقط تمثل مركزاً استراتيجياً مهماً للبرتغاليين منذ القرن السادس عشر، حيث استخدموها قاعدة عسكرية وتجارية للسيطرة على طرق الملاحة والتجارة في المنطقة. ومع صعود اليعاربة في عُمان وتزايد قوتها البحرية والعسكرية، بدأت المواجهة المباشرة مع البرتغاليين بهدف إنهاء نفوذهم في السواحل العمانية.

ويوضح سموه كيف أن القوات العمانية بقيادة الإمام سلطان بن سيف اليعربي فرضت حصاراً محكماً على مسقط في منتصف شهر أغسطس عام 1649م من عدة جهات، واستمر الحصار عدة أشهر، وفي ليلة السادس عشر من شهر ديسمبر من العام نفسه شنّ العمانيون هجوماً مفاجئاً على مدينة مسقط، فتمكنوا من اقتحامها بعد معارك عنيفة. وقُتل عدد كبير من الجنود البرتغاليين، بينما لجأ من تبقى منهم إلى القلاع المحيطة بمدينة مسقط مثل قلعة الجلالي وقلعة الميراني قبل أن يستسلموا بعد أيام قليلة. وتمكن العمانيون بعد ذلك من السيطرة على المؤن والذخائر والأسلحة الموجودة في مدينة مسقط.

وتكشف الوثائق البرتغالية التي يعرضها سموه، أن سقوط مسقط لم يكن نتيجة ضعف التحصينات أو نقص المؤن، بل كان نتيجة سوء القيادة والإهمال العسكري داخل الحامية البرتغالية، فقد أشارت التقارير إلى غياب الحراسة الكافية، وتضارب الأوامر بين القادة، وفرار بعض السفن التي كان بإمكانها تقديم الدعم للقلعة أثناء الحصار.

كما تذكر الوثائق أن بعض القادة تصرفوا بخوف أو تردد، الأمر الذي أدى إلى انهيار الروح المعنوية لدى الجنود وسهّل دخول القوات العمانية إلى المدينة.

وبعد هذه الهزيمة الكبيرة، فتح التاج البرتغالي تحقيقات موسعة لمعرفة المسؤولين عن خسارة مسقط. جُمعت شهادات الشهود والوثائق العسكرية وأُحيلت إلى المسؤولين القضائيين في البرتغال والهند البرتغالية، ووجّهت الاتهامات إلى عدد من القادة والضباط بتهم الإهمال أو الفرار أو التقصير في الدفاع عن القلعة، وصدرت بحق بعضهم أحكام مختلفة شملت الإدانة والتشهير والنفي، بينما تمت تبرئة آخرين لعدم كفاية الأدلة.

القائد البرتغالي والسلام مع العمانيين

كما يعرض سموه قضية القائد البرتغالي دوم جوليانس دي نورونها «Dom Gilianes de Noronha» الذي اتُّهم بإبرام اتفاق سلام مع العمانيين أثناء الحرب. واعتُبر هذا الصلح في البداية سبباً في إضعاف دفاعات مسقط، فحُكم عليه بغرامة مالية كبيرة ومنع من تولي المناصب. غير أن القضية أُعيد النظر فيها لاحقاً بعد أن قدم التماساً لإعادة المحاكمة، حيث ناقشت المحكمة الظروف العسكرية الصعبة التي كانت تمر بها القلعة ونقص الإمدادات، وهو ما أدى إلى تخفيف الحكم وإطلاق سراحه بعد مراجعة الأدلة.

وأبرز سموه كذلك صورة مختلفة للعمانيين في الروايات البرتغالية، إذ تعترف بعض التقارير بشجاعة القوات العمانية وتنظيمها وقدرتها على إدارة الحصار بفاعلية. كما تشير هذه الروايات إلى أن العمانيين تمكنوا من استغلال التفوق المعنوي والسياسي في المنطقة، ما ساعدهم على تحقيق النصر وإنهاء الوجود البرتغالي في مسقط.

نقطة تحول تاريخية

يخلص الكتاب إلى أن استعادة مسقط كانت نقطة تحول كبيرة في تاريخ عُمان والخليج العربي، لأنها أنهت السيطرة البرتغالية على أهم مركز لهم في المنطقة، ومهّدت لظهور العمانيين كقوة بحرية مؤثرة في بحر عُمان والخليج. كما كشفت هذه الحادثة عن ضعف الإدارة العسكرية البرتغالية في الشرق، وأدت إلى سلسلة من الإصلاحات والتحقيقات داخل الإمبراطورية البرتغالية لمحاولة معالجة أسباب الهزيمة.

سقوط مسقط كشف فشل المنظومة البرتغالية في الشرق

قال صاحب السمو حاكم الشارقة في مقدمة الكتاب، إن قضية مسقط، كتاب يحوي بين دفتيه سقوط مسقط والمحاكمات للذين تسببوا في ذلك السقوط، حيث يعتبر سقوط مسقط لحظة انكشاف تاريخي.

وتابع: «تحتل حادثة سقوط قلعة مسقط موقع القلب في التاريخ العماني، ليس فقط بوصفها حدثاً عسكرياً، بل باعتبارها لحظة انكشاف شامل لفشل المنظومة الإمبراطورية البرتغالية في الشرق».

وأشار إلى أن «التقارير الرسمية، على اختلاف صيغها، تكاد تُجمع على أن القلعة لم تسقط بسبب نقص المؤن أو ضعف التحصينات، بل نتيجة مباشرة للإهمال، وسوء القيادة، وتضارب الأوامر، وتراجع الروح القتالية».

وأضاف: «يكتسب الخطاب البرتغالي هنا طابعاً اعتذارياً وتبريرياً في آن واحد، إذ يسعى إلى تحميل المسؤولية لأشخاص بعينهم، من قادة وضباط، مقابل تبرئة النظام ككل. غير أن كثافة التحقيقات والمحاكمات، وتعدد الروايات الدفاعية، تكشف في جوهرها عمق الأزمة، واتساع دائرة الفشل».

وقال سموه: «في مقابل ذلك، تظهر إشارات لافتة إلى تماسك العمانيين وبسالتهم، وقدرتهم على فرض حصار فعّال، واستثمار التفوق المعنوي والسياسي، وهو ما يعكس تحوّل ميزان القوى في المنطقة، وصعود الفاعلين العمانيين بوصفهم قوة منظمة لا مجرد خصوم عارضين».

وختم: «بعد أيام من استعادة مسقط، تم إجلاء البرتغاليين من قلعة خصب، وقرر العمانيون أن لا يتركوا للبرتغاليين أثراً في بحر عُمان أو الخليج العربي، حيث كانوا يجوبون تلك البحار بقيادة عمانية، وجنود عمانيين».