LdaaXhj8_MzJ3fy4hbljXX3wZHwM9rrh_Nl0oJg6f8Y الاختبارات.. بين التوتر الإيجابي ووهم «طوارئ الإنقاذ» - ستاد الأهلي

الاختبارات.. بين التوتر الإيجابي ووهم «طوارئ الإنقاذ»

الاختبارات.. بين التوتر الإيجابي ووهم «طوارئ الإنقاذ»

أدلى تربويون ومعلمون وإداريون بتصوراتهم لآلية هندسة البيوت، نفسياً ومعنوياً وتربوياً، وتشكيل بيئتها المُفترضة، في «الأيام الحاسمة» قبل وخلال امتحانات نهاية العام الدراسي، نحو تحرير الطلبة من الضغوط النفسية، ودعمهم وتهيئة الأجواء المثالية لهم، بعيداً عن التوتر والتشنج والإرباك.

ويصف تربويون فترة الامتحانات بأنها «أيام حاسمة» تتراوح بين التوتر الإيجابي ووهم «طوارئ الإنقاذ»، وفي هذه الأيام تتحول معظم المنازل إلى ما يشبه «حالة الطوارئ غير المعلنة»، وللأسف، تقع الكثير من الأسر في فخ تحويل البيت إلى ما يشبه «ثكنة عسكرية» يسودها الصمت الإجباري والتوتر المشحون.

في فترة الامتحانات تطفو على السطح ظاهرة انتقال القلق العابر للأجيال، وتشير الأبحاث التربوية إلى أن قلق أولياء الأمور ينتقل تلقائيّاً إلى الأبناء، عبر تعابير الوجه ولغة الجسد والعبارات المتكررة، ما يحوّل المنازل من «بيئات حاضنة متفهمة» إلى «بيئات ضاغطة منفّرة» تزيد من تشتت الطالب.

«معركة مصيرية»

ووفقاً للتربوي والمعلم عمر غريب، من الأمثلة الواقعية على مثل تلك السلوكات إلغاء بعض الأسر الأنشطة الحياتية، ومنع الزيارات، ما يولّد ضغطاً نفسيّاً إضافيّاً له أثر سلبيّ، وهو ما يجعل الطالب يشعر وكأنه مقبل على «معركة مصيرية» لا قِبَل له بها، بدلاً من غرس ثقافة أنه مقبل على اختبار لقياس المعرفة والمهارات، التي اكتسبها، لتقييمها وإعداد التغذية الراجعة الضرورية لاستمراره في المراحل اللاحقة. وأضاف: ظاهرة الإنهاك المبكر والإرهاق تفضي إلى قضاء الطلبة الساعات الأخيرة بين الرغبة في الإنجاز والخوف من الفشل، وفي الأجواء المشحونة بالضغط، سنجد أن الطالب أصيب بحالة من «الإحباط العقلي والعاطفي»، أو على أقل تقدير بحالة القلق الحرِج قبيل الامتحان، ما يجعله يشعر بأنه نسي كل ما درسه.

تلال من الورق

وتناول ظاهرة فوضى المصادر العشوائية (غير المحكّمة)، إذ تزدحم غرف الطلبة في الأيام الأخيرة قبيل الاختبارات بتلال من الأوراق والملخصات المطبوعة من الإنترنت، أو المشتراة من المكتبات التجارية، ليتحصّل الطالب على كمٍ هائل من الزخم والتلوّث البصري الُمحبِط، الذي يضيف مزيداً من التحدّيات، التي لا طائل منها، هذه المطبوعات والمذكّرات لن تعكس حرصاً لدى الطالب، بل تزيد من تكريس حالة الذعر العائلي.

وهم «الكبسولات التعليمية»

وقال غريب: إن هذه الفوضى تشكّل فخاً للفهم والإتقان، فيما هي سهلة الانتشار عبر بعض منصات التواصل، ونجدها تحمل عناوين برّاقة، مثل «التوقعات النهائيّة»، أو «كبسولة اختبارك في 5 صفحات». ومن منظور تربويّ موضوعيّ، غالباً ما تحتوي تلك الملخصات التجارية أو الساعية للشهرة على أخطاء علمية، أو قد تأتي مجتزَأة ومخالفة لمعايير وضوابط مناهج الوزارة، والاعتماد عليها يورث الطالب «الوهم المعرفي»، حيث يظن أنه فهم المادة لمجرد حفظه ملخصاً مبتوراً، أو فكرة مختصرة لحالة خاصّة، وعندما يواجه في الاختبار سؤالاً يقيس الفهم العميق أو مهارات التفكير العليا أو معايير المنهاج، كما أقرّتها الوزارة، نجده مُحبطاً وعاجزاً عن الحل.

شحن مُكثف

وحذر من خطورة جلسات «الشحن المكثف»، حيث قد تلجأ بعض الأسر لترتيب دروس خصوصية مكثّفة، 4 أو 5 ساعات متواصلة للمادة الواحدة، قبل الامتحان بيومين. ومن منظور تربوي، يرهق هذا الإجراء خلايا الدماغ، ويمنع تحويل المعلومات من الذاكرة قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى، ما يجعل ذهن الطالب مجهداً بشكل مفرط، خلال تأديته الاختبار لاحقاً.

تقليل الفاقد النفسي والزمني

ويرى عمر غريب أن الإجراءات المُثلى من قبل الأسر لتهيئة بيئة تمكينية للطالب، في الأسابيع الأخيرة قبل الامتحانات، لا يكون بزيادة ساعات المذاكرة الكمّيّة، بل برفع كفاءة التعلم وتقليل الفاقد النفسيّ والزمنيّ، وتتلخص أفضل الممارسات في الإجراءات التالية:

أولاً: هندسة البيئة الفيزيائية للمذاكرة، بتوفير مساحة خاصّة تتّسم بالإضاءة الطبيعية الجيدة، والتّهوية المستمرة، مع إبعاد المشتّتات البصريّة والرقميّة باتّفاق مرن مع الطالب، وليس بأسلوب العقاب، والحرمان السلبيّ.

ثانياً: التحول من دور «الرقيب» إلى دور «الُميسّر اللوجستيّ»، حيث يحتاج الأبناء في هذه الفترة إلى «مُوجّه لوجستي»، بدلاً من الرقيب المحاسِب، الذي يتولى الاستجواب والتحقيق، مثلًا يمكن استبدال سؤال: «لماذا لا تدرس؟»، بسؤال تمكيني مثل: (كيف يمكنني مساعدتك الآن لتسهيل دراسة هذه الوحدة؟).

مثال آخر: يسأل ولي الأمر الرقيب: (كم صفحة أنجزت؟)، ولو كان موجّهاً وميسّراً لاستبدله بسؤال تمكينيّ يدعم مهارة إدارة الذات، مثل: «ما الجزء، الذي تخطط لإنجازه قبل الغداء، وكيف يمكنني مساعدتك لتهيئة الأجواء لك؟»

مخاطر اللحظات الأخيرة

وشدد غريب: المطلوب من الأسرة تجاه أبنائها، قبيل الاختبارات، الحذر من «مخاطر اللحظات الأخيرة»، موضحاً أن فترة الاختبارات هي مرحلة الحصاد النفسي والذهني، ويجب على الأسرة الانتباه لظواهر خطرة تنتشر في السوق التعليمي والمنصات الرقمية، ولا بدّ من اتّخاذ إجراءات حاسمة ومحدّدة جدّاً.

ترقب واستعداد

المعلم والتربوي عباس مُلا، نائب مدير مدرسة خاصة برأس الخيمة، قال: مع اقتراب فترة الامتحانات، تشهد البيوت حالة من الاستعداد والترقب، حيث يصبح المنزل بيئة تعليمية داعمة، تسهم في تعزيز ثقة الطالب بنفسه وتهيئته لتحقيق أفضل أداء ممكن. وفي هذه المرحلة تبرز أهمية دور ولي الأمر بوصفه شريكاً أساسياً في العملية التعليمية، إذ لا يقتصر دوره على المتابعة الأكاديمية، بل يمتد ليشمل الدعم النفسي والاجتماعي والمعنوي.

هدوء وطمأنينة

وأوضح: يتمثل الدعم النفسي في توفير أجواء من الطمأنينة والهدوء، والابتعاد عن الضغوط، التي قد تؤثر في تركيز الطالب وثقته بقدراته. ويظهر الدعم الاجتماعي والمعنوي عبر التحفيز المستمر، وتعزيز الدافعية، وتقدير الجهد المبذول، بغض النظر عن النتائج. ويساهم ولي الأمر، أكاديمياً، في تنظيم أوقات الدراسة، ومتابعة الواجبات والمراجعة، وتوفير البيئة المناسبة للتعلم.

شخصية متوازنة

وأكد أن تكامل تلك الأدوار يسهم في بناء شخصية متوازنة، قادرة على مواجهة التحديات بثقة، وجعل فترة الامتحانات فرصة لإبراز قدرات الطالب وتحقيق النجاح والتميز. لذلك تُعد الأسرة الواعية والداعمة ركيزة أساسية في رحلة الطالب نحو التفوق والإنجاز.

الاستنفار الإيجابي

المعلمة والتربويّة مجدولين محمد صادق قالت: إن المنازل تشهد في الأيام، التي تسبق الامتحانات النهائية، حالة من الاستنفار الإيجابي، حيث تتكاتف جهود الأسرة لدعم الأبناء ومساندتهم، لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة ساعات الدراسة فقط، بل في تحقيق التوازن بين التحصيل الأكاديمي والاستقرار النفسي. فالطالب، الذي يشعر بالأمان والدعم والثقة داخل منزله يكون أكثر قدرة على التركيز واستدعاء معلوماته أثناء الامتحان.

وأكدت: ينبغي على الأسرة تشجيع الأبناء على «المراجعة الذكية»، التي تركز على الفهم واسترجاع المفاهيم الرئيسية، بدلاً من الحفظ المكثف في اللحظات الأخيرة، والتغذية الصحية والنشاط البدني الخفيف والنوم الكافي، لما لذلك من أثر مباشر في تحسين التركيز والذاكرة. والأهم هو الدعم النفسي الإيجابي، عبر كلمات التشجيع وإشعار الأبناء بالثقة في قدراتهم، بعيداً عن التهديد والتخويف من النتائج.

وبينت: المطلوب من الأسرة أن تتحول، خلال هذه الفترة، إلى مصدر طمأنينة وثقة ودعم، فالأبناء لا يحتاجون فقط إلى من يتابع دراستهم، بل إلى من يخفف عنهم القلق ويمنحهم الشعور بالأمان النفسي.

البيت الهادئ والبيت المُتوتر

المعلمة والتربويّة انتصار الزعابي، بخبرة تربوية تصل إلى 38 عاماً، قالت: إن أجواء المنازل في«الأيام الحاسمة»، قبل الامتحانات، تنقسم غالباً إلى نوعين:

الأول تسوده أجواء إيجابية، وهي المنشودة، حيث الهدوء والتنظيم داخل المنزل، والدعم النفسي للطالب وتشجيعه المستمر، وتفهّم القلق دون تضخيمه، والثقة في قدرات الأبناء.

الثاني حيث الأجواء سلبية (تؤثر سلباً)، توتر زائد وضغط مستمر، مقارنة الأبناء بغيرهم، كثرة الأوامر والانتقادات، والتركيز على الخوف من النتيجة، بدل الاستعداد لها.

وبينت أن الحصاد في «البيت الهادئ» الداعم يكون طالباً واثقاً ومركزاً. أما «البيت المتوتر»= طالباً مُشتتاً وقلقاً.

ولفتت إلى أن تهيئة بيئة مثالية للطالب تستدعي خطوات عملية تُحدث فرقاً ملموساً، من أهمها: البيئة المناسبة: بتخصيص مكان هادئ للمذاكرة، وتقليل الضوضاء وتنظيم الوقت. الدعم النفسي: المتمثل في كلمات التحفيز، مثل: «نثق فيك»، «أنت قدها»، وتجنب التهديد! التخويف، واحتواء القلق بدل تجاهله.

تنظيم الدراسة: عن طريق مساعدة الأبناء على وضع جدول مراجعة، والتركيز على الفهم وليس الحفظ فقط، والمراجعة الخفيفة بدل الضغط المكثف في آخر لحظة.

العناية بالصحة: عبر النوم الكافي، وهو مهم جداً للتركيز، والتغذية المتوازنة، وتقليل السهر والإجهاد.

ورأت الزعابي أن هذه المرحلة تتطلب دوراً داعماً وهادئاً أكثر من أي وقت. وأهم ما يجب فعله تخفيف الضغط وليس زيادته، والاكتفاء بالمراجعة العامة.