غالبًا ما أجد نفسي أعود مراراً إلى كتاب صغير يحمل عنوان «حياة الكتابة»، ترجمته إلى العربية بأيدي عبدالله الزماي وصدرت عن منشورات مسكيلياني في 2018. يتضح في هذا العمل سرد تسعة كُتّاب عالميين لحكاياتهم مع الكتابة، يكشفون عن طُرق ولادة أعمالهم الأدبية وتحولها إلى حياة نابضة تتداخل فيها الشخصيات والقصص مع الذات الإبداعية للكاتب، مطروحة بلغة تنبع من بساطة غنائية تجعل القارئ يشعر وكأنه يتصفح قصيدة سردية خفيفة وممتعة.
مدفوعًا بشغفٍ عميق لهذا النوع من السرد، أعود بين فترة وأخرى إلى هذه القصص التي تعبّر عن الولادة الحقيقية للكتابات، وتوضح كيف تنسجم الأرواح والكلمات لتنتج لغة تنبض بالحياة، دافئة وحسية، تستطيع العين واليد أن تلمسها وتعيش تفاصيلها.
يروي إدواردو غاليانو في كتابه «كرة القدم في الشمس والظل» قصة مميزة، حيث أراد أن يجسر الفجوة بين عشاق القراءة وعشاق كرة القدم، محاولًا كسر المخاوف المتبادلة بينهما. يذكر أن فيكتور كوينتانا، عضو الكونغرس المكسيكي السابق، تعرض للاختطاف والضرب المبرح على يد قتلة مأجورين عام 1997، وعندما كاد الموت يقترب منه دخل القتلة في نقاش عن كرة القدم. بالرغم من حالته الحرجة، بدأ كوينتانا يروي قصصًا مستمدة من كتاب غاليانو، ما أضاف له وقتًا ثمينًا للحياة، فتركه القتلة مضروبًا لكنه حيًا، ليحكي لاحقًا قصة نجاته بفضل قوة الكتب.
تنعكس في هذه الحكاية قدرة الكتاب على حماية الإنسان بطرق غير متوقعة، إذ جرت حماية فيكتور كوينتانا من القتلة بناءً على ترابطه مع قصص كرة القدم، ما دفعهم لتركه والابتعاد عنه، مؤكداً أن الأدب يمكن أن يكون ذخيرتنا في مواقف الحياة والموت على حد سواء.
في سياق مختلف، يسخر غاليانو من جهل الرقابة العسكرية التي كانت تتابع كتبه. يذكر أن كتابه «الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية» لم يُمنع في أوائل السبعينيات داخل سجون السياسيين في الأوروغواي، رغم أنه نقد لاذع للديكتاتوريات في أمريكا اللاتينية. السخرية تكمن في أن الرقابة ظنت أن الكتاب يتحدث عن الطب والتشريح، فسمحت بانتشاره، حيث لم تكن الكتب الطبية ممنوعة.
هكذا، وبفضل هذا الفهم السطحي من الرقابة، تمكن الكتاب من الانتشار بحرية، رغم أنه احتوى على نقد قاسٍ للتاريخ السياسي ولممارسات الحكم العسكري في أمريكا اللاتينية، مما يعكس جانبًا من مكر الكتابة ولامرئية تأثير الكلمة في مواجهة الطغيان.
