لطالما كان الجدل قائمًا داخل دوائر صنع القرار في أوروبا، فضلاً عن الأوساط السياسية والشعبية، حول قدرة القارة على ضمان أمنها بمفردها دون الاعتماد على الدعم الأمريكي أو ضمن إطار حلف شمال الأطلسي. هذا السؤال، الذي يعود إلى حقبة الرئيس الفرنسي الراحل شارل ديغول، لا يزال يثير الانقسام بين من يؤمن بفصل أوروبا عن الحماية الأمنية الأمريكية ومن يرى أن الاعتماد على الولايات المتحدة هو الحصن المنيع المضمون للأمن الأوروبي.
على الرغم من هذا الانقسام، فإن التصورات الأوروبية بدأت تتغير تدريجياً نتيجة الإساءات والتهديدات المتكررة من الجانب الأمريكي، خصوصًا في عهد الرئيس الأسبق دونالد ترامب، الذي هدد بالانسحاب من حلف الأطلسي واعتبره كيانًا خالٍ من الفاعلية، مشيرًا إلى عدم استعداد الأعضاء لدعم الولايات المتحدة في الأوقات الحرجة. تصريحات وزير دفاعه التي قللت من قيمة الحلف زادت من تشققات التحالف.
وفي تصعيد جديد، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قبيل اجتماع حلف الناتو في السويد بأن عضوية الولايات المتحدة في أي تحالف يجب أن تخدم مصالحها، موضحًا أن القواعد العسكرية في أوروبا تمثل أداة إطلاق لنشر القوات الأمريكية في أزمات الشرق الأوسط وغيرها.
يذكر أن وزارة الدفاع الأمريكية أعلنت في الأيام الماضية خفض عدد ألوية القوات المنتشرة في أوروبا، من أربعة إلى ثلاثة، في ظل الضغوط الأمريكية المتزايدة على الدول الأوروبية لتعزيز دفاعاتها الذاتية.
ولم يقتصر الأمر على أوروبا وحدها، بل امتد ليشمل كندا التي شهدت توتراً في علاقاتها بالولايات المتحدة بعد قرار واشنطن تعليق التعاون في «مجلس الدفاع المشترك الدائم»، في تصعيد يعكس حالة التوتر المتزايدة بين البلدين بعد تصريحات ترامب التي ألمحت إلى ضم كندا كولاية أمريكية.
تفاقمت الأوضاع الأمنية والسياسية بين الولايات المتحدة وأوروبا حتى إن صحيفة «وول ستريت جورنال» كشفت عن إعداد الدول الأوروبية خطة طوارئ تهدف إلى تعزيز الدفاعات الذاتية للمنطقة في حال قررت واشنطن الانسحاب من الحلف، مع تأكيد دعم ألمانيا لهذه الخطوة، لاستغلال البُنى التحتية العسكرية للناتو بهدف الحفاظ على الأمان الأوروبي.
يأتي هذا الانخراط الألماني وسط حرب كلامية حادة بين المستشار فريدريش ميرتس والولايات المتحدة، وذلك بعد تصريحات حادة من ميرتس توجه فيها نقدًا لاذعًا لإدارة واشنطن بشأن مفاوضاتها مع إيران، مما أثار استنكار ترامب ووصف المستشار الألماني بعدم الفهم.
الاتساع في الشرخ بين الطرفين الأمريكية والأوروبية بلغ ذروته مع التهديدات بسحب أو تقليص القوات الأمريكية في ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، احتجاجًا على مواقف أوروبية متباينة إزاء الحرب المحتملة مع إيران. هذا التهديد استُقبل في أوروبا على أنه تحول لوجود القوات الأمريكية من عنصر ردع استراتيجي إلى أداة ضغط سياسي تستهدف الحكومات الأوروبية الرافضة للامتثال للرغبات الأمريكية.
استمرار هذا التوتر من المتوقع أن يعمق الانفصال بين أوروبا والولايات المتحدة، ما قد يؤدي إلى تفريغ معنى التحالف في الناتو وتحفيز أوروبا على السير نحو بناء منظومة أمنية مستقلة عن النفوذ الأمريكي.
