كارين ديكرو تدافع عن حق الأب بقوة ووضوح

كارين ديكرو تدافع عن حق الأب بقوة ووضوح

في إطار إعادة النظر في النظريات التقليدية التي ترى الأسرة كميدان لصراع القوى بين المرأة والرجل، تبرز كارين ديكرو كنموذج فريد، إذ جاءت من قلب الحركة النسوية نفسها، وليس من خارجها.

كقائدة سابقة للمنظمة الوطنية للنساء في الولايات المتحدة، وهي إحدى أبرز المؤسسات النسوية، لم تتبن ديكرو المواقف المحافظة أو النقد الخارجي للحركة، بل كانت أحد أهم رموزها التاريخية. إلا أن تجربتها الطويلة دفعتها إلى تبني رؤية مختلفة تتعلق بأدوار الأبوّة بعد الطلاق، حيث شددت على ضرورة بقاء الأب عنصرًا فاعلًا في حياة أبنائه، وعدم تحوّل قانون الأسرة إلى أداة تُقصي أحد الوالدين لصالح الآخر.

وينطلق موقف ديكرو من مفهوم أعمق للعدالة العائلية، إذ تتساءل: هل تقتصر العدالة على حماية حقوق البالغين فقط؟ أم تضم أيضًا الاعتراف بالحاجات النفسية والعاطفية للأطفال ووجود استقرار مستدام لهم؟

كانت نسوية السبعينيات والثمانينيات في أمريكا تُركز على تحرير المرأة من التبعية الاقتصادية والقانونية للزواج، في ظل بنية اجتماعية غير متوازنة تاريخيًا، حيث تقع على عاتق المرأة أعباء العمل المنزلي والرعاية بلا اعتراف كاف.

لكن مع تصاعد معدلات الطلاق وتفاقم آثار الانفصال على الأطفال، وظهور دراسات حديثة تُبرز أهمية وجود كلا الوالدين في حياة الطفل، بدأت تساؤلات أعمق تطرح داخل الفكر النسوي نفسه.

في هذا السياق، أثارت ديكرو نقاشًا حساسًا داخل الحركة: هل تحولت نظم الحضانة التقليدية دون قصد إلى أسلوب جديد لإقصاء أحد الوالدين؟ وهل من الخطأ حصر دور الأب في المجرد “ممول مالي” يؤذي الطفل قبل غيره؟

أيدت ديكرو مبادرة الحضانة المشتركة، معتبرة استمرار وجود الأب في حياة أطفاله ليس انتقاصًا من حقوق الأم، بل ركيزة لبناء عائلة أكثر توازنًا وعدالة. ورأت أن المساواة الحقيقية لا تتحقق على حساب طرف، بل ببناء نظام قانوني يقلل الصراعات ويحافظ على الروابط الإنسانية الأساسية حتى بعد الطلاق.

تؤمن ديكرو أن النسوية إذا أصبحت سببًا لتعميق الصراعات الأسرية بدل تخفيفها، فإنها تفقد بُعدها الإنساني والاجتماعي. لهذا، انتقدت الخطابات التي تنظر للأب كخصم دائم في قضايا الحضانة والرعاية.

واجهت هذه المواقف موجة من الانتقادات ضمن الحركة النسوية التي خشيت أن يُستغل تركيز ديكرو على دور الأب لإضعاف مكاسب النساء القانونية. لكنها ظلت متمسكة برؤية أن العدالة العائلية لا تُبنى على مبدأ “الانتصار لطرف”، لأن الأسرة مساحة إنسانية مركبة تتداخل فيها حاجات البالغين والأطفال.

وقد تحولت كثير من هذه النقاشات التي كانت في السابق مثيرة للجدل إلى قضايا قانونية معتمدة اليوم في العديد من ولايات أمريكا، حيث توسّع تطبيق الحضانة المشتركة وأصبحت المحاكم تنظر بواقعية أكبر إلى أهمية بقاء العلاقة بين الطفل ووالديه بعد الانفصال.

يبرز من هذه التجربة درس مهم؛ النمو الفكري لا يتحقق بالتمسك الأعمى بالمبادئ، بل في مراجعتها عند تقاطعها مع واقع الحياة المعقد داخل الأسرة.

لذلك تُعيد تجربة كارين ديكرو التأكيد على أن تطور الفكر يتطلب شجاعة مراجعة القناعات السابقة وفتح الباب أمام فهم أعمق للإنسانية داخل منظومة الأسرة.

وفي خاتمة المطاف، يبقى السؤال المركزي في أي نقاش حول قوانين الأسرة: هل حقق القانون حماية حقيقية للإنسان داخل الأسرة؟ هل ساهم في تقليل الألم والانقسام، أم أنه أعاد إنتاج الصراعات بصورة أكثر تعقيدًا؟