جريمة منظمة بقيمة 6 مليارات دولار: تحديات استرداد الأموال وملاحقة المسؤولين في العراق

جريمة منظمة بقيمة 6 مليارات دولار: تحديات استرداد الأموال وملاحقة المسؤولين في العراق

عاد ملف «سرقة القرن» إلى واجهة الأحداث السياسية والقضائية في العراق، وذلك بعد إعلان لجنة النزاهة في مجلس النواب العراقي عن دلائل جديدة تفيد بتضاعف حجم الأموال المختلسة من تريليونين ونصف تريليون دينار عراقي إلى حوالي 8 تريليونات دينار، أي ما يزيد على 6.1 مليار دولار أمريكي، ما أعاد القضية إلى دائرة الضوء باعتبارها واحدة من أكبر قضايا الفساد المالي في تاريخ البلاد.

نور زهير المظفر: الوجه الأبرز في «سرقة القرن»

تُعرف القضية أيضاً باسم «سرقة القرن» في الشارع العراقي، حيث كانت الجزء الرئيسي فيها رجل الأعمال نور زهير المظفر، الذي يعتبر أحد ثلاثة متهمين بارزين، إلى جانب هيثم الجبوري، عضو مجلس النواب العراقي السابق، ورائد جوحي مدير مكتب رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي. انكشفت القضية عام 2022 بعدما قام المتهمون بسرقة أموال الأمانات الضريبية التابعة للهيئة العامة للضرائب عبر شركات وهمية، معظم الأموال المتحولة إلى استثمارات وعقارات مما يعقّد عملية استردادها ويطيل الإجراءات القانونية اللازمة.

الجنرال الغانمي والصراع مع الضغوط السياسية

في المناخ السياسي المضطرب، برز اسم الجنرال عثمان الغانمي الذي كان وزيراً للداخلية بحكومة الكاظمي، وتولى بنفسه مهمة القبض على نور زهير في مطار بغداد الدولي بعد محاولته الهروب. أكد الغانمي تعرضه لضغوط كبيرة من شخصيات سياسية بارزة ووجهات أخرى من أجل الإفراج عن زهير، لكنه أصر على تسليمه للسلطات القضائية.

الأحكام القضائية وموقف القضاء

في الخامس والعشرين من نوفمبر 2024، أصدرت محكمة جنايات الكرخ بالعاصمة بغداد أحكاماً تراوحت بين 3 و10 سنوات بحق المتورطين، حيث حُكم على نور زهير بالسجن 10 سنوات، فيما نال رائد جوحي 6 سنوات، وعضو البرلمان السابق هيثم الجبوري 3 سنوات، وذلك استناداً إلى أدلة إدانة في القضية.

محاولات استرداد المبالغ المختلسة

في أكتوبر 2022، وصف رئيس الحكومة السابق مصطفى الكاظمي التحقيقات في القضية بأنها جارية، معتبراً أن هناك جهات تسعى لاستغلالها للتغطية على فاسدين آخرين. في ديسمبر من نفس العام، أعلن رئيس الوزراء الأسبق محمد شياع السوداني استرداد مبلغ يزيد على 300 مليار دينار فقط، مع اعترافه بأن المبالغ المستعادة لا تمثل سوى جزء ضئيل مقارنة بحجم السرقة الإجمالي، ورغم وعده باسترداد المزيد، إلا أن جهوده لاحقاً لم تحقق النجاح المطلوب.

إطلاق سراح نور زهير وفُرصة الهروب

بعد القبض عليه في أكتوبر 2022، أُطلق سراح نور زهير بكفالة مالية، حيث كان يشغل منصب رئيس مجلس إدارة إحدى الشركات المتورطة في القضية. وعلى الرغم من تعهده بتسليم المبالغ المسروقة، إلا أنه هرب من العراق قبل موعد محاكمته المقررة في أغسطس 2024، ولم يسلم أي أموال للدولة حتى الآن، بل ظهر لاحقاً في مقابلة تلفزيونية يدافع عن نفسه ويتهم أحد النواب بمحاولة ابتزازه مالياً.

حادث السير في بيروت: محاولة تلفيق بائسة

في مسرحية مفضوحة، ادعى نور زهير تعرضه لحادث سير في بيروت، حيث نشر صوراً له وهو مغطى بالدماء في أحد المستشفيات، ثم اختفى نهائياً عن الأنظار، ليظل اسمه مرتبطاً في أذهان العراقيين بمفهوم السرقات والفساد.

طالب البيضاني: زيادة قيمة الأموال المهربة وتوسع عدد المتورطين

أعاد عضو لجنة النزاهة في مجلس النواب طالب البيضاني القضية إلى النقاش مجدداً، مؤكداً أن التحقيقات بينت زيادة ضخمة في قيمة الأموال المختلسة التي تجاوزت 8 تريليونات دينار، مقابل 2.5 تريليون دينار قبل ذلك، وذكر أن عدد الأشخاص المرتبطين بالقضية يبلغ حوالي 30 شخصية. وأوضح أن اللجنة بالتعاون مع هيئة النزاهة والحكومة تعمل على متابعة المتهمين واسترداد الأموال سواء داخل العراق أو خارجه عبر إجراءات قانونية ودبلوماسية.

محمد رحيم الربيعي: ثغرات قانونية توسع الفساد

رئيس مؤسسة النهرين لدعم الشفافية ونزاهة محمد رحيم الربيعي وصف القضية بأنها تمثل نهباً منظماً مستغلين النفوذ السياسي، مشيراً إلى أن غياب الردع القضائي وانعدام التشريعات الصارمة ساهم في استمرار الفساد، خصوصاً مع تصنيف الاحتيال ضمن الجنح في القانون العراقي الذي يتيح للكثير من المتهمين الإفراج عنهم بكفالة. وأشار إلى أن توقف الإجراءات القانونية ضد الشركات المتورطة عقب إقرار قانون العفو العام مهد الطريق لاستمرار نهب أموال الأمانات الضريبية.

سعيد ياسين موسى: ضعف في تطبيق القانون رغم التحقيقات

أكد الخبير في مكافحة الفساد سعيد ياسين موسى وجود خلل واضح في تنفيذ الإجراءات القانونية، رغم إكمال التحقيقات وتحقيق بعض الأحكام القضائية. أوضح أن السلطة التنفيذية كانت مطالبة بضبط المتهمين ومنعهم من السفر، ولكن هروب المتهم الرئيسي خارج العراق كشف تقصيراً فادحاً. ورأى أن المبالغ التي تم استردادها لا توازي حجم السرقة الحقيقية التي تُقدر بحوالي 9 مليارات دولار، مشيراً إلى أن إقرار قانون العفو العام أثار جدلاً واسعاً داخل الشارع العراقي.

مجاشع محمد: القضية رمز لتعقيد الفساد السياسي والإداري

الباحث السياسي مجاشع محمد اعتبر القضية ليست مجرد فساد مالي، وإنما اختباراً حقيقياً لمدى قدرة العراق على فرض القانون واستعادة ثقة الشعب في مؤسساته. أشار إلى أن الإشكالية تكمن في الرسائل السياسية والقانونية المُرسلة عبر التعامل مع الملف، خاصة فيما يتعلق بآليات التسويات المحتملة وإعادة الأموال وحماية بعض المتورطين. وأكد أن الغموض يفاقم الأمر ويهدد ثقة المواطن بالدولة، خصوصاً إذا استمر التأخير أو عدم الشفافية في إعلان أسماء المتورطين واسترداد الأموال.

جواد الخالصي: الفساد السبب في تبديد إمكانات العراق

الزعيم السياسي جواد الخالصي اعتبر الفساد جزءاً من الأزمة المستمرة التي تعصف بالعراق، مبدياً أن هذا القرار أهدَر الكثير من سنوات عمر الشعب العراقي وخلّف تراجعات كبيرة في طاقات وإمكانات البلاد. ولفت إلى أن الفساد المتفشي ما هو إلا نتاج لما تْرَسّخ بعد الاحتلال عام 2003، وتغلغل في مختلف المؤسسات الحكومية بطريقة ممنهجة.