خلفيات قمة اليوم الواحد في بكين بتغطية جميلة مطر

لطالما جذبني كل ما يتعلق بالصين، بدءاً من أيام المعاناة والفقر التي عشتها، مروراً بذكرياتي البسيطة مع العصافير والذباب، وصولاً إلى الأمسيات التي قضيتها بصحبة زوجتي الحامل في شقة متواضعة ضمن مبنى مخصص للأجانب، حيث كان أثاثها مقتصراً على سرير في غرفة النوم وكرسيين خشبيين منحوتين في غرفة الاستقبال.

تجربة الوقوف خلف نافذة تطل على ساحة وزارة حكومية، حيث كان الموظفون يصطفون بفواصل بينهم، وسط تساقط الثلوج بهدوء وجمال، تعد من أجمل الصور التي لا تُنسى. لم تكن تلك التجمعات مجرد تمارين رياضية، بل طقوس روحية ونفسية تعكس أيديولوجيا عميقة، كما تأكدت بعد السؤال والاستعلام.

تجربتي الأولى في الصين كانت في بكين، بعدما شاهدت بإعجاب من نافذة فندق مدينة كانتون في الجنوب، وزرت هونغ كونغ التي كانت حينها مدينة هجينة قبل أن يعيدها الحزب الشيوعي الصيني كمدينة صينية خالصة.

عشت فترة في بكين واطلعت على تاريخها، وكذلك في شنغهاي التي زرتها وقرأت عن ماضيها الاستعماري، حيث كانت تحت سيطرة قوى استعمارية متعددة منها اليابان وأمريكا وروسيا القيصرية. كانت المدينة شاهدة على معاناة سكانها، من جمع جثث الأطفال الملقاة في خزانات النفايات إلى بيع النساء وبناتهن، مما يعكس القسوة التي مرت بها هذه الأرض خلال تلك الحقبة.

الاستعمار كان عائقاً أمام تقدم العديد من الدول الآسيوية، أبرزها الهند والصين، اللتان كان ناتجهما القومي حينها يفوق إنتاج معظم الدول الغربية الكبرى قبل تدخل القوى الاستعمارية التي سببت تدهور إمكانياتهما البشرية والاقتصادية لقرون. اليوم، تشهد هاتان الدولتان نهوضاً سريعاً يسعى لتعويض ما فقداه، وهو ما يجعلنا نعيش في مرحلة يمكن تسميتها بالقرن الآسيوي، الذي يشهد صراعاً من أجل استعادة القوة والمكانة في ظل محاولات مستمرة لإثارة النزاعات الطائفية والقومية والوقيعة بين دول الإقليم وإضعاف حكوماتها.

في مواجهة هذه التحديات، استندت الصين إلى الماركسية اللينينية مع دمج الفلسفة الصينية العريقة، مما أتاح لها تجاوز لحظات التوقف في مسيرة التطور والحفاظ على استمرارية الثورة دون إعطاء الفرصة للمعارضين لإيقافها أو تعطيلها.

شهد العالم هذه الحقبة بينما كانت الولايات المتحدة، كأقوى دولة عالمياً، تشهد بداية مرحلة انحدار أثرت على مكانتها السياسية والاقتصادية. انخفض الدخل الحقيقي للفرد، وانتشر الفساد بأشكاله المتعددة، وجاءت إدارة الرئيس ترامب لتزيد من هذه التحديات بسبب سلوكياته الشخصية المتقلبة وتصريحاته المتضاربة، ما أثار القلق داخل الأوساط الأمريكية وعبر حلفائها.

بجانب ذلك، فقدت الولايات المتحدة الكثير من قوتها الناعمة، وجاء انحياز ترامب المفرط لإسرائيل والأطراف المالية الصهيونية، التي يعتقد البعض أنها دفعت نحو خوض حروب رغم المعارضة الشعبية. كما تكررت الأخطاء البروتوكولية التي أثرت سلبًا على العلاقات الدولية، مثل الإساءة الرمزية لمكانة بابا الفاتيكان والتصرفات غير اللائقة خلال زيارة رسمية للملك البريطاني.

في ظل هذا التراجع المتزايد، تضاعفت التحديات بعد أن فشلت الولايات المتحدة في تحقيق انتصارات ملموسة في الحروب التي شنتها منذ أفغانستان، ولا تزال تتورط عسكرياً في العراق. كما أثارت عمليات اختطاف رؤساء دول وتهديدات متكررة ضد دول مثل كندا والمكسيك وبنما وغرينلاند وكوبا، موجة استهجان واسعة داخل وخارج أمريكا.