عبد الإله بلقزيز: مواجهة العنصرية من خلال حركة ثقافية متجددة

11 مايو 2026 00:24 صباحًا
|

آخر تحديث:
11 مايو 00:25 2026

تُعد العنصرية ظاهرة متجذرة في الحياة الاجتماعية والسياسية عبر مختلف العصور، فهي ليست مجرد حادث سياسي عابر، بل ظاهرة اجتماعية اختلطت بنسيج المجتمعات الإنسانية كافة. تقارير الواقع والتاريخ المسجل والمحكي تؤكد استمرار هذه الظاهرة، كما تجسدها الخلافات والصراعات بين الجماعات داخل المجتمعات والدول المختلفة.

تزداد تجليات العنصرية حدّة في السياقات السياسية الحديثة، حيث تستخدم كأداة في الحوارات الحزبية، الحملات الانتخابية وحشد الجماهير، معظمها مرتكز على مفاهيم الهوية النقية والفصل العرقي، مما يؤدي إلى تحقير الآخر وتفعيل الغرائز العنصرية بطرق متجددة وعلى نطاق واسع.

بجانب هذا الطابع السياسي للعنصرية، يظل من الضروري النظر إليها من منظور ثقافي، إذ تنبع كل الظواهر السياسية في الأصل من جذور ثقافية. تبدأ الأفكار السياسية من وعي ثقافي تحمل معانٍ وأفكارًا تتشكل داخل بيئة ثقافية، والعنصرية لا تختلف في هذا السياق، فهي فكرة ثقافية تحتدم مع مرور الوقت وتكتسب صبغة سياسية تجعلها مؤذية وخطيرة.

العنصرية تتخذ من السياسة سلاحاًً لتحقيق تأثيرها المدمر، لذلك فإن الخطورة تكمن في بعدها السياسي. يبقى السؤال المطروح: هل يمكن معالجة هذه الظاهرة من خلال أدوات سياسية فحسب؟ أم أن التدخل السياسي وحده غير كافٍ لاستئصالها أو الحد من تأثيرها؟

لا يمكن إنكار دور السياسات والقوانين في مكافحة العنصرية، سواء داخل الدول أو على المستوى الدولي، حيث تتخذ الحكومات والمؤسسات الدولية إجراءات قانونية لمحاصرة هذه الآفة التي تهدد بنية المجتمع. ومع ذلك، فإن هذا الدور قد يعاني من انتقائية أو ازدواجية في بعض الحالات.

لذا يبقى من الضروري السعي لمعالجات ثقافية عميقة وشاملة، تعيد الجذور الثقافية للعنصرية إلى الواجهة وتتعامل معها من أساسها، لأن هذه الظاهرة كانت ثقافية في الأصل قبل أن تتحول إلى مشكلة سياسية معقدة.

يبدأ الحل الثقافي بمحور أساسي وهو التربية على احترام الإنسان وكرامته، ووقف الاعتداءات على هذه الكرامة تحت أي مبرر. يُنظر إلى الإنسان ككيان ذي قيمة جوهرية تتجاوز العِرق والدين واللون والثقافة، مما يجعل احترامه جزءًا لا يتجزأ من احترام القيم الإنسانية الكبرى.

تتجاوز هذه التربية مجرد غرس قيم التسامح أو قبول الاختلاف، بل تتصل بفهم أعمق للإنسانية تشمل كل البشر بصرف النظر عن الاختلافات السطحية.

لذلك، تتطلب مواجهة العنصرية ثورة ثقافية شاملة تستخدم كل الوسائل المتاحة، بدءًا من التربية الأسرية والمدرسية، مرورًا بالبرامج الثقافية والإعلامية الرسمية والخاصة، وانتهاءً بالقوانين الرادعة التي تبقى بلا فائدة إذا لم تواكبها جهود تعليمية وتربوية مستمرة.