
اللّغة ليست مجرّد أصوات يُعبّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم، بل هي مجتمع يضم كل المتفاهمين والمتفقين عليه، فهي عنوان يجمع العائلة والزملاء في العمل والأصدقاء والأقارب ويجذب حتى السياح والوفود والعلماء لمجتمعه التداولي. اللغة كائن ينشد التّفاهم والتقارب، وهي نقيض سوء الفهم والإقصاء والتباغض، وتبعاً لوصف الفيلسوف اللّغوي فيتغنشتاين فإنّ «لا شيء يحدث خارج اللغة»، وبوجودها المتحقق في التواصل الفعّال والبناء السليم تُصان المجتمعات والأسر لترتبط بالقيم المشتركة التي تجدها الأسرة، وتزرعها في نفوس صغارها، كون الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع. البلاغة العربية ومنذ فجرها وضعت علوم الفصاحة والبيان في سبيل تحقيق غاية جمالية لا تقف عند وظيفة اللغة الأساس وهي التواصل، كما أن للغة مظاهر، منها الحوار الذي من خلاله ننقل الأخبار، ونقدّم الحجج في سبيل التفاهم والاتفاق والإقناع مع الآخرين، فكلما نجحت اللغة في أن تسود أجواء الأسرة سادت المحبّة والتقدير بين أفرادها.
وقد أثبتت الدراسات الألسنية الجديدة أن للغة أبعاداً مشتركة أكثر من كونها فرديّة، ذلك لأن اللغة قوام المجتمع، وهي سمت الإنسان، إن لم نقل بأنها هويّته التي تشير لأسرته ومجتمعه ووطنه، فحين نصف العلاقة الحسنة مع الآخر، فإننا نقول إن هناك لغة مشتركة، أي لغة التفاهم والانسجام التي تتجاوز فهمنا عن اللغة بوصفها مجرّد لفظ وكلمات وحروف.
في المناسبات العامة ثمَّةُ لغة ثابتة ومركزية، لكنها في التواصل اليومي تحتاج إلى صناعة واعتبار، إنها في الحقيقة جهد الإنسان اليومي ليمنع نفسه من الوقوع في سوء الفهم والالتباس والاختلاف، فلغتنا هي صورتنا أمام الآخر، وهي مرآة الحضارة التي لا تنطفئ، لذا علينا أن ندرك بداية أن اللغة ليست الحامل للمعنى والفكر، بل هي الغاية والمقصد والنتيجة، وعليه فإن اللغة قبل الفكر وحينَه وبعده، فإن لم نصنع لغة توافقنا، فإننا لن نفهم حتى أحلامنا وتصورتنا بشكل سليم عن الآخر، والأسرة بذلك بحاجة للغة متفهّمة لكي يعمّ الانسجام بعد أن تترتب الأولويات فيها، وتُحترم لغة كل فرد منها. فللجدّ لغة الحكمة والتّجربة الأصيلة، وللأب لغة التوجيه والحرص، والأم الرحمة والعناية، وللأخوة لغة يلزم ألا تخرج عن قيم أعمدة الأسرة.
