تشهد أسواق الأسهم الإماراتية خلال السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في برامج إعادة شراء الأسهم التي تنفذها الشركات المدرجة، في تطور يعكس تحسناً متسارعاً في إدارة رأس المال وتزايد وعي الشركات بكيفية توظيف الفوائض النقدية بكفاءة أعلى. وبينما ارتبطت هذه الأداة تاريخياً بالأسواق المتقدمة، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا، فإنها باتت تحظى بزخم متزايد في أبوظبي ودبي مع ارتفاع مستويات السيولة لدى الشركات وتحسن ممارسات الحوكمة والإفصاح.
رغم أن إعادة شراء الأسهم تُستخدم في كثير من الأحيان كإشارة إيجابية تعكس ثقة الإدارة في مستقبل الشركة، فإنها تثير في الوقت ذاته نقاشاً أوسع حول دوافعها الحقيقية، ومدى انعكاسها على كفاءة السوق، وما إذا كانت تمثل أداة حقيقية لتعظيم القيمة أم مجرد وسيلة لتحسين بعض المؤشرات المالية على المدى القصير.
آلية الشراء
تقوم الشركات عند تنفيذ برامج إعادة شراء الأسهم بشراء جزء من أسهمها المتداولة في السوق المفتوح، ما يؤدي إلى انخفاض عدد الأسهم القائمة. وينتج عن ذلك ارتفاع تلقائي في عدد من المؤشرات المالية، أبرزها ربحية السهم (EPS) والعائد على حقوق المساهمين، حتى في حال ثبات الأرباح التشغيلية. فعلى سبيل المثال، إذا كانت شركة تحقق صافي أرباح قدره مليار درهم بعدد أسهم يبلغ مليار سهم، فإن ربحية السهم تكون درهماً واحداً. وإذا قامت الشركة بإعادة شراء 10% من أسهمها، لينخفض عدد الأسهم إلى 900 مليون سهم، فإن ربحية السهم ترتفع إلى نحو 1.11 درهم، أي زيادة تقارب 11% دون أي نمو فعلي في الأرباح.
هذا المثال يوضح أن تأثير إعادة الشراء لا يرتبط فقط بتحسين القيمة السوقية، بل أيضاً بإعادة توزيع الأرباح على عدد أقل من الأسهم، ما يرفع العائد الظاهري للمساهمين دون تغيير في الأساس التشغيلي للشركة.
توسع تدريجي
تشير إفصاحات الشركات المدرجة في سوقي أبوظبي للأوراق المالية ودبي المالي إلى أن برامج إعادة الشراء أصبحت أكثر حضوراً خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً بين الشركات الاستثمارية والقابضة. ورغم عدم وجود رقم رسمي موحد لحجم هذه البرامج على مستوى السوق، إلا أن تتبع الإعلانات الفردية يعكس اتجاهاً متنامياً يشير إلى تنفيذ عمليات شراء متفرقة بمليارات الدراهم خلال الفترة 2022-2024.
ويعود غياب رقم إجمالي دقيق إلى طبيعة الإفصاح، حيث تعلن كل شركة عن برنامجها بشكل مستقل، مع اختلاف مدد التنفيذ وآليات الشراء وحجم الأسهم المستهدفة، ما يجعل عملية بناء رقم إجمالي شامل تعتمد على تجميع بيانات مجزأة من مصادر متعددة.
السيولة الفائضة
أحد أبرز العوامل التي ساهمت في توسع هذه البرامج هو ارتفاع مستويات السيولة لدى عدد من الشركات الإماراتية الكبرى، خاصة في قطاعي الاستثمار والشركات القابضة. وتشير البيانات المالية إلى أن بعض هذه الشركات يحتفظ بسيولة واستثمارات قصيرة الأجل قد تتجاوز في حالات معينة عشرات المليارات من الدراهم، ما يمنحها مرونة كبيرة في إدارة رأس المال
وفي هذا السياق، تتحول إعادة شراء الأسهم إلى أداة ضمن منظومة أوسع لإدارة الفوائض النقدية، إلى جانب توزيعات الأرباح والاستثمار في مشاريع جديدة. فبدلاً من ترك السيولة غير المستغلة في الميزانيات العمومية، تختار بعض الإدارات إعادة جزء منها إلى المساهمين عبر شراء أسهم الشركة من السوق.
كفاءة رأس المال
تقول نغم حسن، محللة الأسواق في إيتورو، إن توسع الشركات الإماراتية في إعادة شراء الأسهم يعكس تحولاً نوعياً في طريقة تفكير الإدارات التنفيذية، التي باتت أكثر تركيزاً على كفاءة تخصيص رأس المال بدلاً من الاكتفاء باستراتيجيات النمو التقليدية.
وتوضح أن «الشركات لا تلجأ عادة إلى إعادة الشراء بشكل عشوائي، بل يكون ذلك نتيجة تراكم سيولة تتجاوز الاحتياجات التشغيلية والاستثمارية الفعلية، أو عندما ترى الإدارة أن العائد المتوقع من الاحتفاظ بالنقد أقل من العائد المحتمل من إعادة شراء الأسهم». وتضيف أن هذا القرار يعكس في كثير من الحالات «نضجاً في التفكير المالي، حيث يتم تقييم كل درهم من السيولة وفق أفضل استخدام اقتصادي ممكن».
وتشير نغم إلى أن شركات مثل «العالمية القابضة» و«ألفا ظبي» استفادت من وفورات نقدية كبيرة مكّنتها من تنفيذ برامج إعادة شراء ضمن استراتيجيات أوسع لإدارة رأس المال.
وتضيف أن «إعادة الشراء لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق المالي الكامل للشركة، فهي قد تعكس ثقة قوية في المستقبل، لكنها قد تكون أيضاً أداة لإعادة هيكلة رأس المال أو لتعويض أثر برامج الحوافز القائمة على الأسهم». وتشدد على أن المستثمر «يجب أن ينظر إلى جودة التدفقات النقدية واستدامة الأرباح قبل أن يستنتج أن إعادة الشراء تعني بالضرورة أن السهم رخيص».
رسالة ثقة
يرى فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»، أن إعادة شراء الأسهم أصبحت واحدة من أهم أدوات إدارة رأس المال المستخدمة عالمياً، وأن تبنيها في الإمارات يعكس اقتراب السوق من الممارسات المؤسسية المتقدمة.
ويؤكد أن «أحد أبرز دوافع هذه البرامج يتمثل في قناعة الإدارات بأن أسعار الأسهم في السوق لا تعكس القيمة الحقيقية للشركات، خصوصاً في فترات التقلبات الناتجة عن عوامل جيوسياسية أو ضغوط خارجية، رغم استمرار قوة الأداء التشغيلي في كثير من الحالات».
ويضيف فاليشا أن «إعادة الشراء ليست مجرد عملية مالية لتقليص عدد الأسهم، بل هي في جوهرها رسالة موجهة للمستثمرين، مفادها أن الإدارة مستعدة لاستثمار أموالها في أسهمها الخاصة، وهو ما يعزز الثقة بشكل مباشر في السوق». ويشير إلى أن هذه الإشارة تصبح أكثر أهمية في أوقات عدم اليقين، حيث يبحث المستثمرون عن دلائل ملموسة على متانة الشركات.
كما يوضح أن «الأسواق العالمية أصبحت تنظر إلى كفاءة إدارة رأس المال باعتبارها أحد أهم معايير تقييم الشركات، إلى جانب النمو والأرباح، وبالتالي فإن استخدام أدوات مثل إعادة الشراء يرفع من جاذبية الأسواق الناشئة مثل الإمارات أمام المستثمرين الدوليين».
و يحذر من المبالغة في تفسير هذه البرامج، قائلاً إن «نجاح إعادة الشراء لا يُقاس بحجم الأموال المخصصة لها، بل بقدرتها على خلق قيمة مستدامة للمساهمين، وليس مجرد تحسين مؤقت في المؤشرات المالية».
تُظهر البيانات أن الشركات القابضة والاستثمارية هي الأكثر نشاطاً في تنفيذ برامج إعادة شراء الأسهم، نظراً لامتلاكها سيولة كبيرة وتنوع مصادر الدخل. في المقابل، تخضع البنوك لقيود تنظيمية صارمة تتعلق بمتطلبات كفاية رأس المال وفق معايير بازل، ما يجعلها أقل ميلاً لتبني برامج واسعة من هذا النوع.
أما شركات الاتصالات والمرافق، فتميل غالباً إلى الاعتماد على توزيعات الأرباح النقدية كوسيلة رئيسية لإعادة القيمة إلى المساهمين، بدلاً من إعادة شراء الأسهم، وهو ما يعكس اختلاف نماذج الأعمال وهيكل رأس المال بين القطاعات المختلفة.
رسالة أعمق
يرى وائل محيسن الرئيس التنفيذي لشركة ترند للاستثمار، أن توسع برامج إعادة شراء الأسهم في الإمارات يعكس تحولاً تدريجياً في طريقة تعامل الشركات مع إدارة رأس المال، مشيراً إلى أن هذه الممارسة أصبحت جزءاً من الأدوات التي يراقبها المستثمرون المؤسسيون عند تقييم الشركات.
ويقول محيسن إن «إعادة الشراء لا تؤثر فقط على ربحية السهم أو عدد الأسهم المتداولة، بل تحمل رسالة أعمق تتعلق بانضباط الإدارة المالية وقدرتها على اتخاذ قرارات عقلانية بشأن تخصيص الفوائض النقدية». ويضيف أن المستثمرين العالميين «ينظرون إلى الشركات التي تمتلك سياسة واضحة لإدارة رأس المال باعتبارها أكثر نضجاً واستقراراً على المدى الطويل».
ويؤكد أن ارتفاع مستويات الإفصاح في الأسواق الإماراتية ساهم في تحسين جودة هذه البرامج، حيث أصبحت الشركات أكثر التزاماً بتوضيح أهدافها وخططها الزمنية، ما ساعد على تقليل الغموض وزيادة ثقة المستثمرين.
لكنه يحذر في الوقت ذاته من الاعتماد المفرط على إعادة الشراء كأداة لدعم أسعار الأسهم، موضحاً أن «القيمة الحقيقية لأي شركة لا يمكن أن تُبنى على عمليات مالية فقط، بل على نمو الأرباح وتحسن الأداء التشغيلي واستدامة التدفقات النقدية».
في المحصلة، أصبحت إعادة شراء الأسهم جزءاً متزايد الأهمية من المشهد الاستثماري في الإمارات، مدفوعة بقوة المراكز المالية للشركات وتطور ممارسات الحوكمة.

