الذكاء الاصطناعي يعيد رسم أرباح الشركات الإماراتية

الذكاء الاصطناعي يعيد رسم أرباح الشركات الإماراتية

يتفق خبراء أسواق المال على أن موجة الذكاء الاصطناعي بدأت بالفعل في ترك بصمتها على أداء الشركات المدرجة في الإمارات، إلا أن انعكاساتها على أسعار الأسهم ما زالت في مراحلها المبكرة، ولم تصل بعد إلى مرحلة إعادة تسعير شاملة تعكس الحجم الكامل لهذا التحول التقني.

تتسارع الشركات في تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن عملياتها التشغيلية، سواء في خفض التكاليف أو رفع الكفاءة أو تحسين تجربة العملاء، يظل السؤال الأهم في أوساط المستثمرين مرتبطاً بمدى قدرة هذه الاستثمارات على التحول إلى أرباح فعلية وهوامش تشغيلية أعلى ومصادر دخل جديدة ومستدامة.

ويشير محللون إلى أن ما تحقق حتى الآن هو بداية تحول هيكلي في نماذج عمل عدد من الشركات، حيث بدأ الذكاء الاصطناعي ينعكس تدريجياً على النتائج المالية، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التأثير الكامل الذي يبرر إعادة ت قييم واسعة للأسهم في السوق. ويعزز هذا التوجه أن المستثمرين ما زالوا يتعاملون بحذر مع الشركات التي تعلن استثمارات تقنية دون أن يظهر ذلك بشكل واضح في القوائم المالية.

كما يبرز تفاوت واضح بين القطاعات في سرعة الاستفادة من هذا التحول، إذ تظهر البنوك والاتصالات والطاقة كأكثر القطاعات تقدماً من حيث دمج الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية، في حين لا يزال الأثر في قطاعات مثل العقارات والخدمات اللوجستية أكثر تدريجية وبحاجة إلى وقت أطول قبل أن ينعكس بشكل كامل على الأرباح والتقييمات.

وفي هذا السياق، يؤكد الخبراء أن جزءاً مهماً من القيمة المستقبلية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لم يتم احتسابه بعد في أسعار الأسهم، ما يجعل عملية إعادة التسعير مساراً مستمراً لكنه غير مكتمل، ويتطور تدريجياً مع اتضاح الأثر الفعلي للتقنيات على الأداء المالي للشركات خلال السنوات المقبلة.

ولفهم أعمق لتداعيات هذا التحول، رصدت «الخليج» آراء مجموعة من المحللين الماليين حول كيفية إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي لخريطة الأرباح في الأسواق الإماراتية، والقطاعات التي تقود هذا التحول فعلياً.

من الكفاءة التشغيلية إلى نمو الأرباح

ترى نغم حسن، محللة الأسواق في إيتورو، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قصة نمو مستقبلية للشركات الإماراتية، بل أصبح بالفعل جزءاً من نتائجها المالية الحالية، مشيرة إلى أن عدداً من الشركات المدرجة بدأ يجني فوائد ملموسة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سواء عبر تعزيز الكفاءة التشغيلية أو خلق مصادر دخل جديدة. وتوضح أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية مع انتقال الذكاء الاصطناعي من كونه أداة لخفض التكاليف إلى محرك مباشر لتوليد الإيرادات، معتبرة أن الشركات التي نجحت في دمج هذه التقنيات ضمن نماذج أعمالها تبني أنظمة تشغيلية تتحسن كفاءتها وربحيتها مع التوسع، وهو ما قد لا يكون منعكساً بالكامل حتى الآن في التقييمات السوقية للأسهم الإماراتية.

ويتفق مادور كاكار، المؤسس المشارك في كوانتل إيه آي، مع هذا الطرح، لكنه يشدد على أن الأسواق لن تكافئ مجرد الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، بل الشركات التي تستطيع إثبات أثره المباشر على هوامش الربح والتدفقات النقدية. ويرى أن التأثير الحالي يتمثل في رفع الإنتاجية وتحسين جودة اتخاذ القرار وخفض التكاليف التشغيلية أكثر من كونه قفزات فورية في الإيرادات، ما يجعل الفجوة بين الاستثمار والعائد ما زالت قائمة لدى العديد من الشركات.

البنوك.. المستفيد الأكبر

ويجمع المحللون على أن القطاع المصرفي يأتي في مقدمة القطاعات المستفيدة من الذكاء الاصطناعي، بفضل اعتماده المكثف على البيانات والعمليات الرقمية. ويشير فيجاي فاليشا، الرئيس التنفيذي للاستثمار في سنشري فاينانشال، إلى أن البنوك الإماراتية أصبحت من بين الأكثر تقدماً في تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المنطقة، حيث تستخدم هذه التقنيات في كشف الاحتيال وإدارة المخاطر وتحليل البيانات وتطوير خدمات العملاء، ما ينعكس تدريجياً على الربحية والكفاءة التشغيلية.

من جهته، يؤكد مادور كاكار أن الذكاء الاصطناعي يساعد البنوك على خفض نسب الكلفة إلى الدخل عبر أتمتة العمليات وتحسين تقييم الجدارة الائتمانية وتعزيز أنظمة مكافحة الاحتيال وغسل الأموال، ما ينعكس مباشرة على الأرباح.

ويضيف نادر بصلار، المدير العام لشركة CODE81، أن الذكاء الاصطناعي أصبح من أبرز محركات ربحية الشركات الإماراتية، لكنه يشدد على أن القيمة الحقيقية لا تتحقق من خلال التوسع في استخدامه فقط، بل عبر توجيهه نحو أهداف أعمال واضحة تشمل زيادة الإيرادات وتحسين تجربة العملاء وتقليل فقدان العملاء ورفع كفاءة استقطاب عملاء جدد.

أتمتة العمليات

كما يوضح بصلار أن تسريع اتخاذ القرار وأتمتة العمليات وتحسين الاستفادة من البيانات تمثل عوامل رئيسية في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أرباح ملموسة، لافتاً إلى أن القطاعات الأكثر استفادة تشمل البنوك والخدمات المالية والاتصالات والرعاية الصحية.

ويضيف بصلار أن التأثير الأعمق للذكاء الاصطناعي لا يكمن في تحسين العمليات فقط، بل في إعادة تشكيل طريقة اتخاذ القرار داخل المؤسسات. ويوضح أن الشركات التي تنجح في دمج الذكاء الاصطناعي في صلب نموذج عملها تتحول من مؤسسات تعتمد على رد الفعل إلى مؤسسات تعتمد على التنبؤ والاستباق.

ويرى أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالاً تدريجياً نحو ما يعرف بالذكاء الاصطناعي الوكيلي، الذي يتيح تنفيذ مهام متعددة وإدارة عمليات معقدة بشكل شبه ذاتي، ما يرفع من مستويات الكفاءة التشغيلية إلى درجات غير مسبوقة. ويؤكد أن الفارق الحقيقي بين الشركات لن يكون في حجم الإنفاق على التقنية، بل في القدرة على تحويل هذا الإنفاق إلى قيمة اقتصادية قابلة للقياس ضمن الأرباح والتدفقات النقدية.

ويضيف ميشال غريّب، المدير العام لشركة SAS في الإمارات ورئيس قطاع الخدمات المالية لمنطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا، أن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم أحد أهم محركات تحسين الأداء المؤسسي، لكنه يشدد على أن تحقيق العوائد المستدامة يتطلب بيئة حوكمة قوية.

ويؤكد غريّب أن المؤسسات التي تحقق أفضل النتائج هي تلك التي تجمع بين جودة البيانات، وقابلية تفسير النماذج، والالتزام التنظيمي، مع دمج الذكاء الاصطناعي في قراراتها التشغيلية والاستراتيجية بشكل متوازن. ويشير إلى أن غياب الحوكمة قد يؤدي إلى مكاسب قصيرة الأجل لا تنعكس بالضرورة على أداء مستدام.

كما يلفت إلى أن القطاع المصرفي والخدمات المالية يتصدران الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في المنطقة، خصوصاً في مجالات تحليل المخاطر وكشف الاحتيال وفهم سلوك العملاء، بينما تمتد التطبيقات تدريجياً إلى قطاعات الرعاية الصحية والخدمات الحكومية، ما يعزز عمق التحول الرقمي في الاقتصاد الإماراتي.

الاتصالات

ويعد قطاع الاتصالات من أكثر القطاعات المرشحة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، حيث لم يعد استخدامه يقتصر على تحسين العمليات وخدمة العملاء، بل يمتد إلى تطوير خدمات رقمية وسحابية جديدة تفتح مصادر دخل إضافية، وترى نغم حسن أن شركات الاتصالات لم تعد تقتصر على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين العمليات وخدمة العملاء، بل بدأت في تطوير خدمات قائمة على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، ما يفتح أمامها مصادر دخل جديدة.

ويشاركها الرأي فيجاي فاليشا، الذي يرى أن شركات الاتصالات المحلية تتحول تدريجياً إلى شركات تكنولوجيا وبنية تحتية رقمية، وهو تحول قد يدفع المستثمرين مستقبلاً إلى تقييمها وفق معايير شركات التكنولوجيا أكثر من شركات الاتصالات التقليدية. كما يشير كاكار إلى أن الذكاء الاصطناعي يسهم في تحسين أداء الشبكات، والتنبؤ بفقدان العملاء، وإدارة الصيانة التنبئية، إلى جانب تطوير خدمات رقمية جديدة، ما يعزز الإيرادات ويخفض النفقات التشغيلية في الوقت نفسه.

الطاقة

ويبرز قطاع الطاقة كأحد القطاعات الأكثر استفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي على المستوى التشغيلي. ويشير كاكار إلى أن تقنيات الصيانة التنبئية ومراقبة الأصول وتحسين العمليات التشغيلية أسهمت في تحقيق وفورات كبيرة وخفض فترات التوقف غير المخطط لها. ويرى فاليشا أن شركات الطاقة الإماراتية تعد من بين الأكثر تقدماً في المنطقة في توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن عمليات الاستكشاف والإنتاج والصيانة، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الكفاءة التشغيلية وهوامش الربح.

ومع ذلك، يلفت المحللون إلى أن تقييمات أسهم شركات الطاقة ستظل مرتبطة أيضاً بعوامل أخرى، وفي مقدمتها أسعار النفط والغاز العالمية، ما يجعل أثر الذكاء الاصطناعي جزءاً من معادلة أوسع.

العقار

وفي قطاع العقارات، يرى فاليشا أن الذكاء الاصطناعي بدأ يسهم في تحسين إدارة الأصول والتسعير وإدارة المباني الذكية، إلا أن الأثر المالي الكامل لهذه التطبيقات يحتاج إلى وقت أطول حتى يظهر بوضوح في نتائج الشركات. ويؤكد كاكار أن شركات التطوير العقاري تستفيد من الذكاء الاصطناعي في تحليل الطلب وتقييم العقارات ورفع كفاءة إدارة الأصول، لكنه يعتبر أن ارتباط القطاع بالدورة العقارية التقليدية لا يزال العامل الأكثر تأثيراً في أداء الشركات.

قطاع الخدمات

في قطاع الخدمات اللوجستية، يرى المحللون أن الذكاء الاصطناعي يسهم في تحسين مسارات النقل وأتمتة المستودعات وإدارة الأساطيل، ما يؤدي إلى خفض تكاليف الوقود والصيانة وتحسين كفاءة العمليات. ويشير فاليشا إلى أن هذا القطاع يمثل إحدى الفرص الواعدة للاستفادة من الذكاء الاصطناعي على المدى المتوسط والطويل.

ورغم اختلاف الرؤى، يتفق الخبراء على أن إعادة تسعير الأسهم في الإمارات لا تزال في مراحلها الأولى، وأن الفائزين الحقيقيين سيكونون الشركات التي تنجح في تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أرباح قابلة للقياس، وليس مجرد استثمارات تقنية أو وعود مستقبلية.

وتبقى الشركات القادرة على تحويل الذكاء الاصطناعي إلى نمو ملموس في الأرباح والتدفقات النقدية هي الفائز الأكبر في المرحلة المقبلة، بينما سيظل المستثمرون أكثر تركيزاً على النتائج المالية القابلة للقياس بدلاً من الوعود التقنية أو الاستثمارات غير المنعكسة في الأداء الفعلي.