الاقتصاد الأيرلندي بين النمو والتحديات الناتجة عن الرسوم الأميركية

الاقتصاد الأيرلندي بين النمو والتحديات الناتجة عن الرسوم الأميركية

25 مايو 2026 18:40 مساء
|

آخر تحديث:
25 مايو 18:51 2026


icon


الخلاصة


icon

تحولت أيرلندا إلى قوة رائدة في صناعة الأدوية عالمياً بفضل نظامها الضريبي والتعليم المتطور، حيث تمثل الصادرات الدوائية نصف صادراتها وتشغل نحو 75 ألف شخص، ولكن تهديدات التعريفات الأميركية تضع هذا القطاع الحيوي أمام مخاطر جمة.

– ثالث أكبر مصدر للمنتجات الدوائية على مستوى العالم
– احتضان 9 من أبرز 10 شركات دوائية عالمية
– حصة الأدوية تصل إلى 50% من إجمالي صادرات البلاد بحلول 2025
– خطر تسريح 75 ألف عامل بسبب الرسوم الأمريكية

على مدار أكثر من خمسين عاماً، تمكنت أيرلندا من التحول من اقتصاد يعاني من البطالة والهجرة إلى لاعب رئيسي في التصدير الدوائي عالمياً. يجمع المصنعون الأيرلنديون بين أدوية شهيرة مثل “بوتوكس” و”مونجارو” في شبكة صناعية أصبحت العمود الفقري للنمو الاقتصادي. إلا أن هذا النجاح القوي جاء مع زيادة الاعتماد على شركات الأدوية العالمية، ما يعرض الاقتصاد لتقلبات السوق والتوترات التجارية الدولية.

تحول جذري من الاقتصاد المحمي إلى مركز عالمي
في الخمسينات، كان الاقتصاد الأيرلندي محكوماً بسياسات تمنع المنافسة الخارجية عبر رسوم جمركية عالية واستراتيجية إحلال الواردات، ما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وهجرة الشباب. جاء عام 1956 ليشكل نقطة تحول حاسمة، مع تقديم الحكومة إعفاءً ضريبياً كاملاً على أرباح التصدير إلى جانب تخفيض الرسوم الجمركية وتعزيز دور هيئة التنمية الصناعية.
كانت الهيئة آنذاك ترى في قطاع الأدوية فرصة استراتيجية نظراً لقيمة منتجاته وسهولة تصديرها، مع ازدياد الطلب العالمي بفضل توسع خدمات الرعاية الصحية في الغرب. بين 1958 و2010، استقطبت أيرلندا أكثر من خمسين منشأة دوائية من شركات عملاقة مثل فايزر وروش، مما جعلها مقراً لعدد كبير من لاعبي السوق العالميين.

ثلاث عوامل رئيسية لاستقطاب الاستثمارات
وأثمرت مزيجاً من نظام ضريبي منخفض بنسبة 12.5%، وموقع جغرافي متميز داخل السوق الأوروبية إضافة إلى كفاءة التعليم والتدريب التقني، بيئة مثالية لجذب الاستثمارات الأميركية والبريطانية. تركزت هذه الاستثمارات بشكل خاص في مدينتي كورك ودبلن، حيث نشأت تجمعات صناعية تجمع بين البحث العلمي والإنتاج الدوائي والتقنيات الطبية، مما أدى إلى توظيف قرابة 75 ألف شخص في القطاع بحلول 2025 مع زيادة ملحوظة في مدة قصيرة.

تأثير القطاع على المؤشرات الاقتصادية
يرتبط النمو الكبير في القطاع الدوائي بالأرقام الاقتصادية الرسمية، حيث أدى التدفق الكبير للشركات متعددة الجنسيات إلى تضخيم الناتج المحلي الإجمالي، مما دفع الحكومة لاعتماد مقياس “الدخل القومي المعدّل” لتقييم الاقتصاد الفعلي. شكّلت صادرات الأدوية ربع هذا الدخل عام 2019، وزادت إلى أكثر من 40% بحلول 2025، إلى جانب استحواذها على أكثر من نصف إجمالي الصادرات. تضاعفت عائدات الضرائب من الشركات في هذا القطاع من 6.9 مليار يورو عام 2015 إلى 32.9 مليار يورو في 2025.

التحديات الناجمة عن الاعتماد القطاعي المكثف
يُشكل الاعتماد الكبير على قطاع الأدوية مخاطرة واضحة بسبب ظاهرة “منحدر براءات الاختراع” التي تؤدي إلى خسائر مالية بعد انتهاء الحماية القانونية للأدوية الشهيرة، كما حدث في 2013 حين أثرت تلك الخسائر على الحسابات الوطنية. وفي 2026، أشار المجلس المالي إلى تقلص مصدر الإيرادات الضريبية الذي يتركز بشكل مفرط في شركات قليلة من مختلف القطاعات، حيث استحوذت ثلاث شركات فقط على ما يقارب نصف عائدات الضرائب للشركات في 2024.

التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على سلاسل التوريد
يبرز التحدي الحالي في تعقيدات المشهد الجيوسياسي والتوترات التجارية، خصوصاً مع اعتماد أيرلندا على الاستثمار الأمريكي المباشر منذ عقود. تتحسب الحكومة حالياً لإمكانية فقدان 75 ألف وظيفة جراء فرض الولايات المتحدة رسوم جمركية على الأدوية. في الوقت ذاته، بدأت الشركات بإعادة هيكلة سلاسل التوريد الخاصة بها ضمن استراتيجية “الإقليمية الإنتاجية” لتقليل الاعتماد على مناطق محددة وتجنب المخاطر التجارية.

آفاق المستقبل لقطاع الأدوية في أيرلندا
رغم الضغوط، لا تشير المؤشرات إلى انسحاب واسع النطاق من السوق الأيرلندي، حيث أعلنت شركة “نوفو نورديسك” في مطلع 2026 عن توسيع استثماراتها استجابة للطلب العالمي على أدوية إنقاص الوزن والعلاجات الحديثة. مع ذلك، تستمر تحديات تأمين الكفاءات التقنية والعلمية وسط منافسة عالمية محتدمة على المواهب.
نجحت أيرلندا خلال عقود في ترسيخ مكانتها كقوة صناعية بارزة، لكنها تواجه اليوم اختباراً مصيرياً في الحفاظ على هذا الموقع مع تقليل اعتمادها على الشركات الأجنبية وفتح أفق جديد للنمو من خلال دعم القطاع المحلي، خصوصاً مع التغيرات المحتملة في الاستثمار الأجنبي وقواعد السوق العالمية.
هذه الظروف ستحدد مستقبل الاقتصاد الأيرلندي لعقود قادمة، وتستلزم استراتيجيات متكاملة للتكيف والتطور.