كرست القمة الأفريقية الفرنسية التي احتضنتها العاصمة الكينية نيروبي، صفحة مصرية جديدة تبرز الأدوار الحيوية التي استعادت مصر من خلالها نفوذها القديم في القارة الإفريقية، لتؤكد أن دورها لم يغب بل كان حتمياً للمصلحة المشتركة بين مصر وأفريقيا على مدى مساحتها الشاسعة.
في السنوات الأخيرة، ارتفعت وتيرة الدبلوماسية المصرية تحت قيادة رئاسية حازمة، حيث بذلت جهوداً مكثفة لاستعادة المساحات التي كانت تخص مصر في أفريقيا، التي تعرضت لتراجع خلال عقود عدة. وسط منافسة شرسة، تسارع آخرون لاحتلال الفراغ الذي تركته مصر؛ مدركين الأهمية الكبرى للقارة، التي تمثل مستودعاً هائلاً للثروات الطبيعية والبشرية، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي المحوري في قلب العالم، كونها تتحكم في مفاتيح حيوية تؤثر في الأمن الغذائي والطاقة ومسارات التجارة الدولية.
تباينت القوى المتنافسة على النفوذ في القارة الإفريقية بين قوى دولية كبرى ودول إقليمية تسعى لترسيخ وجودها بين الكبار. تمتد هذه المنافسة بين الولايات المتحدة وروسيا والصين واليابان وأوروبا، وصولاً إلى تركيا وإيران وكيان الاحتلال الإسرائيلي، إلى جانب دول أفريقية نفسها تبتغي توسيع نفوذها. كل لاعب يُطبق استراتيجيات مختلفة لتثبيت موطئ قدمه في القارة الغنية بالفرص.
أعيد ونُفذ تدبير النفوذ الإفريقي على أسس متنوعة، بعضها مستند إلى تاريخ الاستعمار القديم، وبعضها الآخر مبني على حب اكتساب نصيب من الثروات الملحوظة، والتي تجعل أفريقيا ساحة تنافس غير منتهٍ على مواردها ومقدراتها. ورغم كثرة اللاعبين واختلاف أدواتهم، يبقى الحصول على موقع رئيسي في هذه القارة تحدياً صعباً لكنه ضروري.
مصر صوت القارة
من خلال استعراض المسيرة الدبلوماسية للرئيس عبدالفتاح السيسي منذ توليه السلطة، يتضح تركيز الخطاب والرؤية المصرية على ثلاث قضايا رئيسية تحرك الجهود الرسمية: القضية الفلسطينية وحقوق شعبها، التنمية العادلة والقضايا الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا، فضلاً عن الأمن القومي العربي، الذي يعتبر منطلقاً أساسياً للسياسات الخارجية.
في مناسبات متعددة، لا سيما القمة الأفريقية الفرنسية الأخيرة، شدد الرئيس السيسي على أهمية الإصلاح الهيكلي للنظام المالي العالمي، بحيث يخدم مصاعب وآمال الدول النامية، وعلى رأسها دول القارة الإفريقية التي تسعى جاهدة لتحقيق تنمية مستدامة لشعوبها.
كما أشار إلى الآثار السلبية للتوترات الجيوسياسية على الأمن الغذائي والطاقة، وقال إن هذه التحديات تتفاقم وتؤثر بشكل بالغ على دول أفريقيا، التي تكافح لتحقيق أهداف التنمية مع محافظة على الانضباط المالي والتحكم في مستويات ديونها المرتفعة.
وأوضح أن معظم هذه الدول تقضي مبالغ ضخمة على ديونها السيادية مقارنة بما تخصصه لقطاعات حيوية كالصحة والتعليم، مما يستدعي تدابير عاجلة لكسر هذه الحلقة المفرغة. وفي مساعيه التنموية، أكد السيسي على ضرورة تنشيط صادرات الدول النامية، وتعزيز الصناعات الناشئة داخل القارة، ودعم تنفيذ اتفاقية التجارة الحرة القارية، مع تفعيل التعاون عبر سلاسل الإمداد وبناء القدرات الشبابية.
مواجهة التحديات وأزمات القارة
تدرك القيادة المصرية تمام الإدراك حجم المسؤولية التي تقع على عاتقها في صياغة مستقبل القارة الافريقية، لا سيما في مواجهة الأزمات التي تقوض استقرارها وأمن شعوبها. أثبتت مصر دورها الرائد في التوسط لإنهاء الصراعات العنيفة التي مزقت السودان وأدت إلى نزوح الملايين داخلياً وخارجياً.
بخصوص منطقة حوض النيل، تواصل مصر الدفاع عن ضرورة التعاون المشترك بين دول الحوض، داعية إلى تطوير البرامج التنموية التي تحقق مصالح الشعوب وتحافظ على الأمن المائي لكافة الأطراف، متجنبة النزاعات التي قد تعيق التنمية والاستقرار.
كما جاء في لقاء الرئيس السيسي مع نظيره الكيني ويليام روتو خلال القمة الأفريقية الفرنسية، حيث تم التأكيد على الدعم المصري المستمر لتعزيز التعاون التنموي في الموارد المائية لتحقيق مصالح مشتركة تحفظ حقوق الدول المعنية.
فيما يتعلق بالسودان، شدد السيسي على ثبات الموقف المصري الداعم لاستقرار وسيادة الدولة السودانية، داعياً إلى تكاتف الجهود الدولية والإقليمية، خصوصاً من دول الجوار، للعب دور بناء يضمن وقف النزاعات وحماية الشعب السوداني من الأزمات الأمنية والإنسانية المتصاعدة.
تقدير القارة لدور مصر
في كل التظاهرات الأفريقية الدولية، يبرز تقدير واسع لدور مصر التاريخي والمستمر في دعم القارة، من تحرير شعوبها إلى المشاركة الفاعلة في عمليات البناء والتنمية في مرحلة ما بعد الاستعمار. يدرك الأفارقة أن القاهرة تمثل مركز الثقل الذي يعرف تفاصيل قضايا القارة، ويشغل محورها، ويتمسك بخدمتها بأمانة عالية.
لا يعفي هذا الواقع القاهرة من تحديات حقيقية أمام منافسين متعددين يسعون للحفاظ على مستويات نفوذ ثابتة، وهو ما يحتم على مصر مضاعفة جهودها باستراتيجيات متنوعة تغطي مختلف مناطق القارة، لتظل دائمًا صوت أفريقيا الصادق وقلبها النابض بالحياة.

