قصر قارون: معبد عبادة آلهة الحب والخمر وشاهد على تعامد الشمس السنوي معلناً موسم الشتاء
تُعتبر محافظة الفيوم من أبرز الوجهات السياحية التي تستقبل زواراً لقضاء يوم واحد فقط فيها، حيث تنفرد المحافظة بمجموعة من المواقع الأثرية والسياحية الهامة. وقد كشف مسؤول الوعي الأثري في المحافظة، الدكتور نيرمين عاطف، عن إمكانية زيارة أكثر من موقع أثري خلال يوم واحد، ما يجعل تجربة الزائرين ثرية وممتعة عند التنقل بين عدة مواقع مجاورة.
تشير الدكتورة نيرمين إلى أن زيارة كل من مدينة ماضي الأثرية وقصر قارون في يوم واحد تُعد فرصة غنية نظراً لقربهما في مركز يوسف الصديق، مما يتيح للسائحين استكشاف معالم متعددة في رحلة واحدة، مما يعزز من تجربة السياحة الأثرية المتوفرة في الفيوم.
منشأ مدينة ماضي وآثارها
تعود أصول مدينة ماضي إلى عهد الأسرة الثانية عشر في الدولة الوسطى، وتحديداً في فترة حكم أمنمحات الثالث والرابع، حيث قام الملكان بتشييد المدينة وإضافة مكونات معمارية في العصر الروماني، بما في ذلك تماثيل الأسود ذات الرؤوس البشرية. وتُعد هذه المدينة أكبر معبد متبقي من الدولة الوسطى في مصر، وتقع على بعد 35 كيلومتراً غرب مركز الفيوم قرب بحيرة بحر البنات.
ساهمت بعثات التنقيب التابعة لجامعة بيزا الإيطالية، إلى جانب فرق مصرية من الأثريين والمرممين، في الكشف والتنقيب عن المدينة، مستعرضةً معبدها الفريد الذي يتميز بنقوشه الهيروغليفية ومناظره المحفورة بدقة عالية.
مكونات مدينة ماضي وتاريخها المتنوع
تضم مدينة ماضي العديد من المعالم التي تعود للعصر البطلمي والروماني والقبطي، منها ثلاثة معابد رئيسية، ومقصورة مخصصة لعبادة الإلهة إيزيز، بالإضافة إلى طريق الاحتفالات الذي تزينه تماثيل الأسود وأبي الهول والميدان الروماني الواسع. هذه الجوانب والآثار تمنح المدينة لقب “الأقصر الجديدة” نظراً لجمالها وأهميتها التاريخية.
تعود جذور المدينة إلى أكثر من 4000 عام، واستمرت في التألق عبر العصور. خلال الدولة الوسطى، شرع أمنمحات الثالث والرابع في بناء معبد مخصص لعبادة الإلهين “وننوتت” – رمز الكوبرا، و”سوبك” – إله التمساح، الذي كان مرغوباً في إقليم البحيرة. ورغم هجرفت المدينة والمعبد تدريجياً بسبب الرمال، استعاد البطالمة نشاطها في عهد بطليموس الثاني، حيث أُعيد ترميم المعبد وتوسيعه، مع بناء سور يحيط بالأرض المقدسة.
يبرز في العصر الروماني إنشاء معسكر مزود بصهريات وقنوات مائية، يضم كتيبة عسكرية مهمة بقيادة كوهوس الرابع. أما في العصر القبطي، بقي السكان في الجزء الجنوبي وبنوا عدة كنائس خلال القرون الخامس إلى السابع، كما أسفرت أعمال التنقيب بدءاً من عام 1978 عن اكتشاف 10 كنائس تعود لتلك الحقبة، التي تحتضن أيضاً آثاراً من الفتح العربي.
معبد قصر قارون وهندسته وروحانيته الفريدة
يقع معبد قصر قارون في الجهة الجنوبية الغربية لبحيرة قارون، وينتمي لعصر اليونان والرومان. يتألف المعبد من ثلاث صالات متقدمة إلى قدس الأقداس، مع سلالم على الجانبين تؤدي للنطاق العلوي. يمتد المعبد على مساحة طولها 35 متراً وعرضها 19 متراً وارتفاعها 13 متراً، وهو مبني بالكامل من الحجر الجيري.
يضم قصر قارون نحو مئة غرفة استخدمت لتخزين الحبوب والغلال، إلى جانب المساحات المخصصة للكهنة. تتشكل أجزاؤه من متاهات وسراديب تزين سقوفها نقوش الإله “سوبك”، بينما يزين المدخل تمثال شمس بأجنحة تحرس المكان، وتطل أجناب المعبد على الصحراء من الجنوب والغرب، والأراضي الزراعية من الشمال والشرق، محافظاً على هيبته بالرغم من مرور آلاف السنين.
تُوصف الطقوس المرتبطة بالمعبد بأنه مكرس لعبادة “سوبك” إله التمساح و”ديونيسيوس” إله الحب والخمر في المعتقدات الرومانية. يُلاحظ أن ضوء الشمس يتعامد على المقصورة الرئيسية واليمنى في قدس الأقداس فقط، بينما يظل مكان “سوبك” في الظل، تعبيراً عن معتقدات قديمة تحرم تعريض المومياء للشمس خوفاً من فسادها.
ظاهرة تعامد الشمس التي تُرى في 21 سبتمبر تحديدا على قدس الأقداس شُخصت حديثاً من خلال الدراسات الأثرية، وأدت إلى تشكيل لجنة تحقيق من المجلس الأعلى للآثار لتوثيقها، مما جعل الفيوم تقيم احتفالات سنوية في 21 ديسمبر احتفاءً بهذه الظاهرة الفلكية.
يُعرف معبد “قصر قارون” سابقاً باسم معبد الإله “سوبك”، لكن مع تحولات العصور الإسلامية تم تغيير اسمه نسبة لبحيرة قارون المجاورة، وما له من علاقة بقصص قارون في القرآن مصدرها اسم البحيرة وليس المعبد نفسه.

تعامد الشمس بالفيوم

تعامد الشمس بقصر قارون

مدينة ماضى الأثرية

مدينة ماضى

