اهتممت كثيرًا بقراءة مقال الأمير تركي الفيصل الأخير، وأكن له احترامًا كبيرًا لما يتمتع به من فهم معمق ومعرفة واسعة بتعقيدات المنطقة، فهو شخصية عربية وخليجية لها مكانة مرموقة على الصعيدين الفكري والسياسي.
وأوافقه الرأي في العديد من النقاط التي طرحها، لكن ما لفت انتباهي وأثار في نفسي دهشة عميقة كان توجيهه ضربة مباشرة لأزمة أعمق بكثير من التحولات الحربية، عندما قال إن نجاح إسرائيل في إشعال نزاع مع إيران سيحول المنطقة إلى خراب شامل، ويفرض إسرائيل كفاعل وحيد في محيطها.
لو كان الأمر محصورًا بين تل أبيب وطهران فقط، لكانت هذه الرؤية منطقية، لكن الواقع أكبر تعقيدًا حين تحولت الحرب إلى مواجهة إيرانية خليجية، حيث استهدفت إيران دول الخليج بثلاثة أضعاف صواريخها مقارنة بما أطلقت تجاه إسرائيل، مما يجعل السؤال الحقيقي ليس موافقتنا على دخول حرب، بل كيف نرضى بأن تُصوب الصواريخ نحو أراضينا ونبقى متفرجين؟
لا يمكن مقارنة وضع الخليج بصراع بعيد عن أراضيه، مع تجربة قصف صواريخ على بلاده، فجميع دول الخليج لم تكن راغبة في الحرب، بل بذلت جهودًا كبيرة لدرءها، لكن النظام الإيراني هو من اختار طريق الاعتداء المباشر على أمنها ومصالحها.
الأكثر إثارة في المقال ليست مجرد التحذيرات المتكررة من خطر الحرب مع إيران، بل كيف رسم المشهد وكأنه محصور بين قوتين فقط: إسرائيل وإيران، متجاهلًا تمامًا حجم وتأثير أكثر من 40 مليون خليجي و400 مليون عربي، وكأن المنطقة مجرد مساحة فارغة بين مشروعين لا ثالث لهما.
كأن هذه المجتمعات العربية الضخمة لا تلعب دورًا فاعلًا، ولا تخضع لمنظومة القانون الدولي، وكأن لديها فقط خيار الانبطاح أمام المصير الذي يحدده الصراع بين إيران وإسرائيل، متجاهلين العلاقات الدولية التي تحكمها مصالح مشتركة مع مختلف دول العالم.
من الضروري أن يُطرح السؤال بوضوح: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة التي يُنظر فيها إلى تراجع إيران أو سقوط مشروعها كمقدمة تلقائية لانفراد إسرائيل بالسيطرة على الشرق الأوسط؟ وهل يعقل أن يُسمح لأقل من سبعة ملايين إسرائيلي أن يتحكموا في منطقة تضم مئات الملايين من العرب لمجرد ضعف إيران؟
إذا بدأت مثل هذه الأفكار تتسرب إلى وعي النخبة العربية، فإن المشكلة تتجاوز الصواريخ والطائرات المسيرة وحتى الملف النووي الإيراني إلى أبعاد أعمق تتعلق بالوعي والثقة بالنفس، وليس فقط السياسة أو التطبيع مع إسرائيل.
التاريخ يثبت أن الأمم التي لا تنهزم هي تلك التي ترفض أن تختزل ذاتها في دروب الهزيمة، فعلى سبيل المثال، أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية أعادت بناء نفسها حتى صارت قوة كبرى، والصين رغم معاناتها التاريخية لم تقبل أن تظل تحت السيطرة، واليابان بعد القصف النووي لم تبق عبء الانكسار بل عادت لتزدهر.
أما نحن، فالواقع يشير أحيانًا إلى أننا نتركز على كيفية منع الآخرين من الهيمنة بدلًا من بناء مشروعنا الفاعل، وكأن سقف الطموحات أصبح مجرد إدارة خسائر بدون أمل في التغيير الجذري.
إسرائيل ليست قوة مطلقة، كما أن إيران ليست مصيرًا لا يمكن تجاوزه، فكلاهما يسعى لتحقيق مصالحه كما تفعل جميع الدول، لكن السؤال الأهم يظل: ماذا يريد العرب لأنفسهم؟
حين تبني دولة الإمارات اقتصادًا عالميًا ومراكز مالية واستثمارات في مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والطاقة والفضاء، فهي تعبر عن إرادة واضحة بأن منطقتنا ليست مجرد مسرح للصراعات والميليشيات.
ومع تحول دول الخليج إلى لاعبين يؤثرون في الاقتصاد العالمي والطاقة وسلاسل الإمداد، فإنها تكسر الصورة النمطية التي تصور المنطقة كحلبة نفوذ فقط لأطراف خارجية.
التحدي الأساسي يكمن في التوقف عن رؤية المنطقة كمسرح يتأرجح بين نفوذ إيراني أو إسرائيلي فقط، لأن الأمم التي ترى نفسها هامشًا جغرافيًا، تصبح في النهاية هامشًا تاريخيًا لا أكثر.
