يشهد الصيف في أوروبا هذا العام تحولاً جذريًا، حيث لا تقتصر التحديات على ارتفاع درجات الحرارة التي بلغت مستويات قياسية، بل تشمل أيضاً فرض حكومات القارة قيوداً جديدة على استخدام أجهزة التكييف في المنازل والمتاجر والمكاتب، في إطار جهود مكثفة لتخفيف الضغط على شبكات الكهرباء وتفادي أزمات طاقة محتملة.
الحرارة تتجاوز الـ 40 في أوروبا
مع تسجيل درجات حرارة تجاوزت الأربعين مئوية في العديد من الدول الأوروبية، أصبح التكييف ضرورة لا غنى عنها خلال فصل الصيف. وفي الوقت ذاته، بات استهلاك هذه الأجهزة يمثل عبئًا كبيرًا على شبكات الكهرباء، خاصة في ظل تداعيات الأزمة التي شهدتها القارة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار مصادر الطاقة كالغاز والكهرباء.
إسبانيا تُشعل أزمة التكييف.. ممنوع تركيب وحدات التبريد الخارجية دون إذن
أحدث تعديل قانون الملكية الأفقية في إسبانيا جدلاً واسع النطاق، حيث فرضت السلطات قيوداً صارمة تمنع تركيب وحدات التكييف الخارجية دون موافقة جمعية الملاك، باعتبار واجهات المباني جزءاً مشتركاً لا يجوز تغييره بشكل فردي. وجاء هذا القرار وسط ارتفاع غير مسبوق في درجات الحرارة داخل المدن الإسبانية الكبرى مثل مدريد وأشبيلية، ما أدى إلى زيادة الطلب على أجهزة التبريد بشكل لافت.
في المقابل، اتخذت فرنسا نهجًا أكثر تشدداً في التحكم باستهلاك الطاقة، عبر إعادة تطبيق إجراءات ترشيد استخدام التكييف داخل المرافق والمؤسسات التجارية. تضمنت هذه الإجراءات تحديد درجات حرارة معينة وتقليص ساعات تشغيل أجهزة التكييف، في إطار مواجهة تأثيرات الأزمة الأوروبية للغاز على القطاع الكهربائي.
باريس تكثف المراقبة لمنع هدر الطاقة
تشدد العاصمة الفرنسية بشكل خاص الرقابة على المتاجر التي تترك أبوابها مفتوحة أثناء تشغيل التكييف، مما يؤدي إلى هدر كميات كبيرة من الطاقة الكهربائية. وتعتمد البلديات في فرنسا على فرض غرامات مالية ضمن خطة وطنية تهدف إلى خفض استهلاك الكهرباء وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.
ألمانيا وتعزيز التحكم الذكي في التكييف
في ألمانيا، تستمر الاستراتيجيات الرامية إلى خفض استهلاك الطاقة رغم تحسن وضع الغاز مقارنة بالعام الماضي. تشجع السلطات الألمانية الشركات وأماكن العمل على الحد من استخدام أجهزة التكييف، مع اعتماد تقنيات ذكية لإدارة درجات الحرارة، خاصة خلال فترات الذروة الكهربائية. كما خفضت المباني الحكومية بالفعل مستويات التبريد، بينما اعتمدت بعض المؤسسات ساعات عمل مرنة أو العمل عن بُعد لتقليل الضغط على الشبكات خلال موجات الحر.
تحاول حكومات أوروبا إيجاد توازن معقد بين ضرورة حماية السكان من الحرارة الشديدة، والحد من ارتفاع فواتير الطاقة، فضلاً عن تفادي الانقطاعات الكهربائية التي قد تضر بالاقتصادات الوطنية.
تشير تقارير مناخية إلى تسارع وتيرة ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا مقارنة بالمعدل العالمي، ما ينذر بتزايد الطلب على أجهزة التكييف مستقبلاً، حتى في دول كانت في السابق أقل اعتمادًا عليها مثل المملكة المتحدة. نتيجة لذلك، تسعى المدن الأوروبية إلى اعتماد حلول طويلة الأمد تشمل تحسين العزل الحراري للمباني، زيادة المساحات الخضراء، وتبني تقنيات تبريد أكثر استدامة.
التبريد الحضري في إيطاليا واليونان
تلجأ كثير من المدن في إيطاليا واليونان إلى خطط “التبريد الحضري” التي تعتمد على زراعة الأشجار، تظليل الشوارع، واستخدام مواد بناء تقلل امتصاص الحرارة، بهدف تقليل الحاجة إلى أجهزة التكييف بشكل كبير خلال فترات الحر. إلا أن المواطن الأوروبي العادي يواجه تحديات متعددة بين القيود المتزايدة والتكاليف الباهظة لخدمات الكهرباء.
يرى خبراء الطاقة أن أوروبا دخلت مرحلة جديدة، حيث أصبح التحكم في استهلاك الكهرباء خلال الصيف موضوعًا ذا أولوية توازي أهمية تأمين الغاز في فصل الشتاء، خاصة مع استمرار تداعيات تغير المناخ وتفاقم الضغط على البنية التحتية للطاقة داخل القارة.
موجات حر قادمة مع صيف 2026
مع كل موجة حر جديدة تكتسح القارة، يتضح أكثر أن أوروبا لم تعد تواجه مجرد حرارة صيفية عادية، بل واقعًا مناخيًا متغيرًا يفرض إعادة التفكير في أنماط الحياة واستهلاك الطاقة، مما يستدعي من الحكومات والمجتمعات تبني حلول مبتكرة ومستدامة تواكب هذا التحول.

