معاريف: من أفريقيا إلى سوريا.. تركيا تبني نموذجا جديدا للنفوذ الإقليمي

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

لم يعد النفوذ التركي في أفريقيا مجرد امتداد اقتصادي أو محاولة لإحياء إرث عثماني، بل تحول خلال العقدين الماضيين إلى شبكة واسعة تجمع بين التجارة والبنية التحتية والتعاون العسكري والدبلوماسية والهوية الإسلامية، بما يمنح أنقرة أدوات نفوذ تتجاوز حدود القوة الاقتصادية والعسكرية التقليدية، بحسب العقيد احتياط أمير نوي في مقال نشرته “معاريف أون لاين” الاثنين الماضي.

اقرأ أيضا: باسكال مشعلاني في الأردن.. من حفل شبيب إلى جولة في…

ويرى نوي أن وصف هذا التوسع بأنه “عثمانية جديدة” لا يكفي لتفسير طبيعة الحضور التركي في القارة، إذ نجحت أنقرة في بناء علاقات متشابكة تمتد من ليبيا وشمال أفريقيا إلى السودان والصومال وإثيوبيا ومنطقة الساحل.

وبحسب رؤيته، لا تسعى تركيا بالضرورة إلى إعادة رسم حدود الإمبراطورية العثمانية، وإنما تعمل على بناء نموذج مختلف للنفوذ، تتداخل فيه المصالح التجارية ومشاريع البنية التحتية والصناعات الدفاعية والقوة العسكرية والإسلام السياسي، بحيث يدعم كل عنصر العناصر الأخرى.

البداية من الاقتصاد

بدأ التوسع التركي في أفريقيا بصورة واضحة خلال منتصف العقد الأول من الألفية، عندما دخلت الشركات التركية قطاعات البناء والطيران والاتصالات والطاقة والبنية التحتية، بالتوازي مع توسع الخطوط الجوية التركية في ربط العواصم الأفريقية بإسطنبول.

كما توسعت المؤسسات الإغاثية والتعليمية والدينية التركية في القارة، ما أضاف بعدا مجتمعيا وثقافيا إلى الحضور الاقتصادي لأنقرة.

ويشير نوي، نقلا عن بحث لمؤسسة كارنيغي، إلى أن شركات البناء التركية راكمت حتى عام 2023 محفظة مشاريع في أفريقيا تقدر بنحو 85 مليار دولار، لتأتي في المرتبة الثانية عالميا بعد الصين. لكن الحضور التركي، وفق المقال، لم يتوقف عند حدود الاستثمار.

اظهار أخبار متعلقة

ففي بعض الحالات، تتولى شركة تركية بناء مطار، بينما تتولى شركة أخرى تشغيله، وتشارك شركات تركية في تطوير الموانئ، فيما تربط الخطوط الجوية التركية هذه المنشآت بشبكة دولية واسعة. وفي الوقت ذاته، تقدم أنقرة التدريب العسكري وتبيع صناعاتها الدفاعية طائرات مسيرة ومركبات مدرعة وأنظمة أسلحة.

ويرى الكاتب أن هذا النمط من التعاون يمكن أن يتحول من علاقة تجارية إلى نوع من “التبعية الاستراتيجية”، خصوصا عندما تصبح قطاعات حيوية في الدولة المضيفة مرتبطة بصورة متزايدة بالشركات والمؤسسات التركية.

إلى جانب الاقتصاد والأمن، يبرز البعد الإسلامي في السياسة الخارجية التركية، خصوصا منذ وصول رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى الحكم.

ويشير نوي إلى أن تركيا سعت إلى تقديم نفسها باعتبارها صوتا بارزا في العالم الإسلامي، فيما تعززت علاقاتها مع قطر بعد أحداث الربيع العربي، خصوصا في الملفات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين والمنظمات القريبة منها.

ولا يعني ذلك، بحسب الكاتب، أن جميع التحركات التركية في أفريقيا تحركها اعتبارات أيديولوجية، إذ تتميز السياسة التركية بقدر كبير من البراغماتية.

لكن الإسلام السياسي، في رأيه، يوفر لأنقرة ميزة إضافية لا توفرها الدبلوماسية الاقتصادية وحدها، من خلال شبكات سياسية تتجاوز الحدود وقاعدة أيديولوجية يمكن أن تمتد خارج الدولة التركية.

ويصف الكاتب هذا المزيج بأنه أحد أبرز سمات السياسة الخارجية في عهد أردوغان: براغماتية اقتصادية، وهوية إسلامية، وسعي إلى توسيع النفوذ الإقليمي.

ليبيا.. تحول النفوذ إلى تدخل عسكري

تعد ليبيا، بحسب المقال، النموذج الأكثر وضوحا لاجتماع مختلف أدوات النفوذ التركي. ففي عام 2019، تدخلت تركيا بصورة مباشرة في الحرب الأهلية الليبية، وقدمت دعما لحكومة طرابلس شمل الطائرات المسيرة والمستشارين العسكريين والمعدات، إضافة إلى مقاتلين سوريين.

وأسهم التدخل التركي في تغيير ميزان القوى ومنع قوات خليفة حفتر من السيطرة على العاصمة، لكن دوافع أنقرة، وفق نوي، تجاوزت البعد الأيديولوجي.

فقد ارتبط الحضور التركي بمصالح اقتصادية تتعلق بإعادة الإعمار والطاقة، إلى جانب صراع جيوسياسي مع مصر والإمارات العربية المتحدة، ومنافسة على النفوذ البحري والحدود في شرق البحر المتوسط.

وفي الوقت نفسه، احتفظ التدخل ببعد سياسي وأيديولوجي تمثل في دعم معسكر سياسي في طرابلس كان قريبا من حلفاء تركيا الإسلاميين. وبذلك، أصبحت ليبيا، بحسب المقال، بمثابة اختبار عملي لنموذج يجمع الدبلوماسية والأعمال والطاقة والأيديولوجيا والقوة العسكرية في وقت واحد.

اظهار أخبار متعلقة

الصومال.. النفوذ عبر بناء الدولة

في الصومال، اتخذ الحضور التركي مسارا مختلفا. فقد بدأ تصاعد الدور التركي عام 2011، عندما زار أردوغان مقديشو خلال واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي شهدتها البلاد.

ومن المساعدات الإنسانية، تطورت العلاقة إلى شراكة استراتيجية تشمل البنية التحتية والصحة والتعليم والطيران والموانئ والأمن، إلى جانب تدريب القوات الأمنية الصومالية والحفاظ على وجود عسكري تركي في مقديشو لأغراض التدريب.

ويختلف هذا النموذج عن ليبيا، إذ لا يتمحور بصورة أساسية حول التدخل في حرب أهلية، بل حول المساهمة في بناء مؤسسات الدولة وتطوير قدراتها.

ويرى نوي أن هناك حجة قوية مفادها أن تركيا ساعدت الصومال على تطوير قدرات لم تتمكن الدول الغربية من بنائها بمفردها، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤالا حول طبيعة هذه الشراكة.

فإذا أصبحت القوات المسلحة والبنية التحتية والأصول الاقتصادية الحيوية لدولة ما أكثر اعتمادا على قوة أجنبية، فهل يؤدي ذلك إلى تقوية الدولة نفسها، أم إلى تعزيز نفوذ الدولة التي تقدم لها الدعم؟

من القرن الأفريقي إلى الساحل

لا تقتصر الاستراتيجية التركية على ليبيا والصومال، إذ وسعت أنقرة حضورها السياسي والاقتصادي والأمني في السودان وإثيوبيا وجيبوتي وكينيا ودول في منطقة الساحل.

وتكتسب منطقة القرن الأفريقي أهمية خاصة بسبب موقعها قرب البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

ويعني ذلك أن النفوذ التركي في المنطقة لا يرتبط فقط بالتنافس داخل أفريقيا، بل يمتد إلى قضايا أمن قناة السويس والتجارة الأوروبية والشرق الأوسط وحركة الاقتصاد العالمي.

اقرأ أيضا: تحرك لتسريع تعويضات الأردنيين المتضررين بحادث الحافلة في مصر

ويرى نوي أن تراجع النفوذ الغربي في أجزاء من القارة، ولا سيما منطقة الساحل، أتاح لتركيا مساحة للتحرك وتقديم نفسها كشريك بديل.

وتتمثل إحدى نقاط القوة التركية في قدرتها على تقديم مزيج من الأسلحة والطائرات المسيرة والتدريب العسكري ومشاريع البناء والشراكات السياسية، وأحيانا بشروط أقل تقييدا من تلك التي تفرضها بعض الدول الغربية.

وبحسب المقال، فإن التعامل مع السياسة التركية في أفريقيا باعتبارها محاولة لإحياء الإمبراطورية العثمانية قد يحجب طبيعة التحول الذي تشهده الاستراتيجية التركية.

فتركيا ليست روسيا ولا الصين، كما أنها لا تمتلك مقومات قوة عظمى، لكن أردوغان طور، بحسب الكاتب، أسلوبا يتيح لأنقرة توسيع نفوذها بما يتجاوز حجمها الاقتصادي والعسكري.دوتكمن قوة النموذج في جمع أدوات متعددة: التجارة، والبنية التحتية، والصناعات الدفاعية، والتدريب العسكري، والدبلوماسية، والهوية الإسلامية، والموقع الجغرافي.

ويقول الكاتب إن ميناء أو مطارا أو قاعدة عسكرية أو عقد بناء أو صفقة طائرات مسيرة قد يبدو كل منها منفصلا، لكن اجتماع هذه العناصر يمكن أن ينتج شبكة نفوذ واسعة ومترابطة.

ولهذا، يرى أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا ليس ما إذا كان أردوغان صديقا أم خصما، ولا ما إذا كان يسعى إلى استعادة الإمبراطورية العثمانية، وإنما ما إذا كانت تركيا تبني نموذجا جديدا للقوة الإقليمية، وما إذا كان هذا النموذج يعزز الدول التي تعمل فيها أم يجعلها أكثر ارتباطا واعتمادا على أنقرة.

اظهار أخبار متعلقة

سوريا.. الاختبار الأكبر للنموذج التركي

ويرى نوي أن الاختبار الاستراتيجي الأهم للنموذج التركي قد لا يكون في أفريقيا، بل في سوريا، حيث تمتلك أنقرة فرصة للانتقال بعلاقاتها إلى مستوى أكثر عمقا من خلال المساهمة في إعادة بناء الجيش السوري.

ولا يقتصر الأمر، بحسب المقال، على بيع الأسلحة، وإنما يمكن أن يشمل تدريب القوات والقيادات العسكرية، وبناء القدرات التنظيمية، وإعادة تشكيل هياكل القيادة والسيطرة.

ويشير الكاتب إلى إمكانية أن تعمل تركيا على تدريب جيل جديد من الضباط والقادة السوريين على العقيدة العسكرية التركية وأساليب التدريب والتفكير العسكري، فضلا عن المساعدة في بناء هيئة الأركان وأنظمة القيادة والسيطرة والاستخبارات وآليات اتخاذ القرار.

كما يتحدث عن إمكانية تطبيق مفهوم القتال المشترك، الذي يجمع بين القوات البرية والاستخبارات والطائرات المسيرة والضربات الدقيقة والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي وأنظمة القيادة والسيطرة.

وفي حال تحقق ذلك، فإن اعتماد الجيش السوري على تركيا قد لا يقتصر على الأسلحة، بل يمكن أن يمتد إلى الصيانة والتدريب والتكنولوجيا والخبرات والمعرفة العسكرية، بما يجعل أنقرة طرفا محوريا في عملية بناء القوة السورية.

ويخلص نوي إلى أن نجاح تركيا في مساعدة سوريا على بناء جيش حديث وفعال ومدرب وفق مفاهيم عسكرية تركية لن ينعكس على قدرات سوريا وحدها، بل يمكن أن يعيد رسم موازين القوى الأمنية في الشرق الأوسط.

اقرأ أيضا: قرابة 181 ألف مشارك في برنامج (أردننا جنة)

‫0 تعليق