مصر بين الصين وأمريكا.. حيرة أم مواءمة؟ | سياسة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

هل تنحاز مصر للولايات المتحدة أم إلى الصين في كل ما يتنافس فيه البلدان؟

اقرأ أيضا: موريتانيا تدين بشدة استهداف ناقلة النفط السعودية في مضيق هرمز

ما يجعل هذا السؤال مطروحا بقوة ليس فقط زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ لمصر في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري، ولكن العديد من القضايا، ومنها “صفقة مراكز البيانات”، التي صارت عنوانا للصراع الأمريكي الصيني عالميا، ويطمح كل طرف في أن تكون هذه الصفقة من نصيبه لاعتبارات متنوعة تكنولوجية واقتصادية وأمنية، وعنوانا لما بات يسمى بـ”الهيمنة الرقمية”. في حين أن القاهرة تقول إنها لن تفرط في “سيادتها الرقمية”.

السؤال الذي بدأت به عن خيارات مصر بين القوتين الكبيرتين، وجّهته لمسؤول مصري كبير، فقال نصا: “نحن نتبع سياسة الاتزان الإسترايجي وما يحقق المصلحة الوطنية لمصر”.

هذه العبارة التي سمعتها من المسؤول الكبير، تلخص إلى حد كبير جوهر الموقف المصري الذي يمكن وصفه بأنه مواءمة كبرى بين القطبين الكبيرين: أمريكا والصين، ولا أقول إنها حيرة مصرية بين البلدين الكبيرين. وما ينطبق على مصر في هذه القضية ينطبق على العديد من دول العالم.

ومن يتأمل تفاصيل علاقات مصر مع كل من واشنطن وبكين فسيكتشف أن عبارة “الاتزان الاستراتيجي” مطبقة بالفعل على أرض الواقع إلى حد كبير.

إن علاقات الدول تدار بالمصالح، ولذلك فإن صفقة إنشاء “مركز بيانات للذكاء الاصطناعي” تعبر إلى حد كبير عن قدرة مصر على مواءمة علاقاتها بين بكين وواشنطن وعدم إغضاب طرف على حساب آخر بصورة واضحة

في لحظات ومواقف كثيرة تشعر أن قلوب المصريين وجزءا من عقولهم مع الصين، لكنّ جزءا من عقولهم أيضا مع الولايات المتحدة، فالسياسة لا تدار فقط بالمشاعر القلبية والتمنيات العاطفية، بل بالحسابات الباردة المجردة القائمة بالأساس على المصالح وعلاقات القوة والنفوذ.

ويحسب للسياسة الخارجية المصرية أنها حافظت على فكرة الاتزان الإستراتيجي الذي يحقق المصالح الوطنية للبلاد في العقود الأخيرة.

ما يجعل المصريين منحازين عاطفيا إلى حد كبير إلى الصين، أنها ليست دولة استعمارية احتلت أرضهم. ثم إن مصر هي أول دولة عربية وأفريقية تعترف بالصين عام 1956، وبالتالي فالزيارة تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات.

وفي المقابل فإن عددا كبيرا من المصريين ينظر للسياسة الخارجية الأمريكية بصورة سلبية للغاية؛ بسبب انحيازها السافر للعدوان وللاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والجولان وجنوب لبنان.

ولم يكن صدفة أن يقول الرئيس الصيني شي جين بينغ في كلمته خلال القمة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم الأربعاء الماضي في قصر الاتحادية بمصر الجديدة، إن هناك توافقا إستراتيجيا بين البلدين، وإنه يدعو لتعزيز الشراكة الإستراتيجية الشاملة، ويدعو مصر لمشاركة الصين في مواجهة الأحادية وأعمال التنمر في العلاقات الدولية.

حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع في نهاية العام الماضي إلى نحو 21 مليار دولار، لكن الكفة تميل بقوة للصين، التي ضخت استثمارات في السنوات الأخيرة في شرايين الاقتصاد المصري بلغت 1.4 مليار دولار، ويتواجد لها 3366 شركة صينية بمصر في مختلف المجالات.

وتلعب هذه الشركات دورا مهما في مشروعات متعددة مثل العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين والقطار الكهربائي ومشروعات الطاقة المتجددة، ويرتبط البلدان بنحو 242 اتفاقية تم توقيعها حتى نهاية عام 2025.

ولم يكن صدفة أيضا أن البيان الرسمي المصري الصيني المشترك الصادر عقب القمة والمكون من 21 نقطة امتلأ بالعبارات التي تعكس توافقا سياسيا، والنظرة المتطابقة لقضايا المنطقة والعالم.

لكن وكما نعلم فإن علاقات الدول تدار بالمصالح، ولذلك فإن صفقة إنشاء “مركز بيانات للذكاء الاصطناعي” تعبر إلى حد كبير عن قدرة مصر على مواءمة علاقاتها بين بكين وواشنطن وعدم إغضاب طرف على حساب آخر بصورة واضحة، ولذلك فإن الذي سيحكم هذه المواءمة هو المصلحة المصرية.

ما يجعل المصريين منحازين عاطفيا إلى حد كبير إلى الصين، أنها ليست دولة استعمارية احتلت أرضهم. ثم إن مصر هي أول دولة عربية وأفريقية تعترف بالصين عام 1956، وبالتالي فالزيارة تتزامن مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات

مصر طرحت مناقصة لإنشاء مركز بيانات للذكاء الاصطناعي وهذه ليست مجرد مناقصة تجارية أو اقتصادية فقط، بل هي تمثل في جوهرها أحد الجوانب المهمة للصراع الأمريكي الصيني على الاستحواذ على أكبر نسبة من تأسيس مراكز البيانات في العالم، باعتبار أن البيانات صارت لا تقل أهمية عن الأسلحة والمعدات.

وفي المعلومات فإن شركة هواوي الصينية تقدمت بعرض للحكومة المصرية لإنشاء بنية تحتية للحوسبة بالذكاء الاصطناعي باستخدام أكثر من ألفي رقاقة متقدمة من إنتاجها.

وبعدها مباشرة- وكما جاء في تقرير لـ”بلومبيرغ”- أوعزت الإدارة الأمريكية إلى تحالف من شركات أمريكية لتقديم عرض منافس.
إذا فازت هواوي بالصفقة فالأهم ليس حجمها، بل ستكون أول اختبار عملي لقدرة الشركة على تصدير رقائق متقدمة بعد عام من محاولات دخول أسواق خارجية.

الصين تحاول إغراء مصر بأنها لم تعد تعتبرها مجرد سوق للسلع الرخيصة، بل تحاول الانتقال إلى شريك في التكنولوجيا والبنية الإنتاجية المصرية، وإذا حدث ذلك فسوف تبدأ المشكلة الفعلية مع واشنطن، خصوصا أن مصر وقعت مذكرة تفاهم مع شركة تسينغهوا يوني غروب (Tsinghua Unigroup) الصينية عام 2024، وهي لم تكن صفقة بيانات منفردة، بل حزمة تكنولوجية أوسع، ووقتها تم توقيع خمس مذكرات تفاهم في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تضمن كل ما يهم مصر في هذا المجال.

وبالتالي فالصفقة وقتها لم تكن مجرد سيرفرات أو استثمارات بل تمتد إلى البيانات، لذا فهي أكثر حساسية من مشروع بنية تحتية صينية عادية.

في الناحية الأمريكية الأخرى فالمسألة تثير اهتمام واشنطن جدا؛ لأن مركز البيانات يستطيع استضافة بيانات الحكومة والشركات والمالية والاتصالات والمواطنين ونماذج للذكاء الاصطناعي، وقواعد بيانات ضخمة، وخدمات سحابية.

وفي يوليو/تموز الماضي نشرت الحكومة الأمريكية برنامجا مخصصا لمصر يهدف إلى إدخال بنية حوسبية عالية الأداء للمؤسسات المصرية الحكومية والبحثية، وإنشاء مركز تكنولوجي مع التركيز على الذكاء الاصطناعي والبحوث التطبيقية.

الدولتان الصين وأمريكا تريدان الفوز بهذه الصفقة الأهم، ونتذكر أن الولايات المتحدة ضغطت، بل وهددت بقوة عام 2018، شركاءها في تحالف “العيون الخمس” بريطانيا وكندا ونيوزيلندا وأستراليا لفسخ العقود مع شركة هواوي لإقامة شبكات الجيل الخامس؛ خوفا مما قالت واشنطن وقتها إنه يمثل اختراقا خطيرا للأمن القومي لهذه الدول الحليفة.

رغم العلاقات العسكرية المتميزة مع أمريكا فإن مصر نجحت في السنوات الماضية في تنويع مصادر السلاح مع غالبية القوى الكبرى، فهي اشترت الرافال من فرنسا، والغواصات من ألمانيا، وحاملات الطائرات من فرنسا عبر روسيا، وبعض الأسلحة المتقدمة من الصين، والهدف ألا تكون القاهرة رهينة لمورد أسلحة واحد

مرة أخرى ما الذي سوف تختاره مصر، العرض الأمريكي أم الصيني؟

طبقا لما سمعته بوضوح فإن الانحياز سيكون لما يصب في المصلحة المصرية العليا، من دون أن يمثل انقلابا في الإستراتيجية المصرية القائمة على “الاتزان الإستراتيجي”. وبالتالي يمكن ترجمة هذا الشعار إلى الآتي:

نحن لا ننحاز لدولة ضد أخرى، بل نحاول الحصول على مزايا العرضين، فهي مع الصين تقول لهم: “تعالوا استثمروا في البنية الأساسية والاتصالات والألياف ومراكز البيانات والرقائق والصناعة والذكاء الاصطناعي”.

ومع الولايات المتحدة تقول لهم: “نريد التكنولوجيا المتقدمة والسلاح والتدريب والحوسبة عالية الأداء والاستثمارات الأمريكية. والهدف من هذه السياسة، كما سمعت من خبير مطلع على هذا الملف، هو منع نشوء احتكار تكنولوجي من طرف واحد.

والترجمة العملية أيضا أنه وإضافة إلى التعاون واسع النطاق مع الصين في تكنولوجيا البيانات والاتصالات، فإن مصر أقامت مع شركة مايكروسوفت الأمريكية في فبراير/شباط 2025 ما يعرف بـ”جولة الذكاء الاصطناعي”، والرسالة هي أن مصر لا تفرق بين هواوي ومايكروسوفت.

مصر تفضل الصين لأن لديها مزايا متعددة مثل شركات المقاولات الكبرى والمعدات والتمويل التكنولوجي والتنفيذ السريع والتدريب، كما أن الصين لا تضع الشروط السياسية التي تضعها أمريكا، إضافة إلى أن الصين تنظر لمصر باعتبارها نقطة مركزية في طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، وكذلك المنطقة الاقتصادية لقناة السويس التي تعتبر بوابة لتصدير السلع الصينية إلى أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط.

وفي المقابل فإن مصر لا تستطيع إغلاق الباب أمام أمريكا؛ لأن الصين ليست بديلا مباشرا لها في جوانب مختلفة، خصوصا العسكرية، إضافة إلى أن واشنطن تملك التأثير الأكبر في مؤسسات التمويل الدولية، حيث تنفذ مصر برنامجا للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي.

اقرأ أيضا: قتل الأطفال وتضرر المياه.. “أوتشا” تحذر من الأوضاع في غزة والضفة

وهناك التداخل الأمريكي في العلاقات المصرية الإسرائيلية، وبرنامج المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر البالغة 1.5 مليار دولار سنويا، 92% منها مساعدات عسكرية طبقا لموازنة 2026 الأمريكية.

وتقول واشنطن إنها قدمت لمصر نحو 90 مليار دولار منذ عام 1946، في حين تنتقد أصوات مصرية هذه المعونة وتقول إنها مشروطة وموجهة، ويعود معظمها للشركات الأمريكية خلافا للمساعدات المقدمة لإسرائيل.

مصر ترفع شعار إدارة التوازن لا الانحياز. والبعض يقول إن الشعار جيد، لكن هل يمكن تنفيذه بسهولة على أرض الواقع؟

لكن ورغم العلاقات العسكرية المتميزة مع أمريكا فإن مصر نجحت في السنوات الماضية في تنويع مصادر السلاح مع غالبية القوى الكبرى، فهي اشترت الرافال من فرنسا، والغواصات من ألمانيا، وحاملات الطائرات من فرنسا عبر روسيا، وبعض الأسلحة المتقدمة من الصين، والهدف ألا تكون القاهرة رهينة لمورد أسلحة واحد، خصوصا بعد تجربة العقوبات الأمريكية على بعض الدول التي بدأت تعتمد على السلاح الروسي.
وكان لافتا للنظر تنامي التعاون المصري الصيني، حيث ساعدت الصين مصر في بناء منشآت مرتبطة بتجميع الأقمار الصناعية في مدينة الفضاء المصرية.

القاهرة كما فهمت تريد أن تكون ممر بيانات لا مجرد مستخدم لهذه البيانات، خصوصا أن موقعها الجغرافي شديد التميز، فالكابلات البحرية الدولية تمر عبرها، خصوصا من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر عبر قناة السويس ما يؤهلها لأن تصبح مركزا إقليميا للاتصالات والبيانات والحوسبة السحابية.

بالطبع هناك مخاوف من أن الدولة التي ستلعب الدور المهم في إنشاء مراكز البيانات قد تتمكن من الوصول إلى بيانات مصرية حساسة، لكن مصر تؤكد بوضوح ضرورة وجود “سيادة رقمية وطنية خالصة”، والدليل على ذلك أنها قررت في يوليو/تموز الماضي عدم المضي
في صفقة تم التوافق عليها في سبتمبر/أيلول 2025 تتضمن استحواذ شركة هيليوس (Helios) على 75% من شركة مصرية، لإدارة أصول وخدمات مراكز البيانات بـ260 مليون دولار، وقررت إسناد الأمر بأكمله لشركة وطنية فقط.

الهدف الواضح من هذه الواقعة أن مصر لا تريد إطلاقا بيع السيطرة على البنية التحتية للبيانات، بل الاحتفاظ بالسيطرة الوطنية على الأصول الإستراتيجية تحت مبدأ “سيادة البيانات” دون أن يتعارض ذلك مع جذب رأس المال والتكنولوجيا الأجنبية.

مصر ترفع شعار إدارة التوازن لا الانحياز. والبعض يقول إن الشعار جيد، لكن هل يمكن تنفيذه بسهولة على أرض الواقع؟
يمكن مثلا أن تعلن دولة شراء قطار أمريكي ومقاتلة صينية لإرضاء الطرفين، لكن هل يمكن استخدام منظومة ذكاء اصطناعي أمريكي ووضعها في بنية تحتية صينية؟ أو استخدام رقائق أمريكية داخل معدات صينية؟ السؤال مهم؛ لأن كل الصناعات السابقة صارت مترابطة.

هناك مخاوف من أن الدولة التي ستلعب الدور المهم في إنشاء مراكز البيانات قد تتمكن من الوصول إلى بيانات مصرية حساسة، لكن مصر تؤكد بوضوح ضرورة وجود “سيادة رقمية وطنية خالصة”

الولايات المتحدة تضع العديد من الشروط الصعبة مقارنة مع الصين، ولذلك فإن “السيادة الرقمية” صارت جزءا مهما من الأمن القومي المصري.

والسؤال الذي يشغل الجميع في هذا المجال الخطير هو: من يملك مراكز البيانات والرقائق، ومن يتحكم في الشبكات، وأين توجد الحوسبة السحابية، ومن الذي يستطيع الوصول لهذه البيانات، ومن الذي يستطيع إيقاف الخدمة؟
كل الأسئلة السابقة تخص الأمن القومي، وليست مجرد قضايا اقتصادية أو تجارية، أو حتى قانونية.

وبسبب هذا الأمر يمكن فهم قرار وزارة الاتصالات المصرية عدم إتمام بيع حصة الأغلبية في شركة مصرية، مع الاستمرار في تأسيس شركة وطنية خالصة لهذا النشاط.

هل تستطيع مصر الاستمرار في هذا التوازن في ظل وجود إدارة أمريكية شديدة التطرف، ترفع شعار من ليس معي فهو ضدي؟
حتى هذه اللحظة نجحت القاهرة في تحقيق استقلال إستراتيجي نسبي بفضل سياسة خارجية شديدة التوازن رغم الصراعات والحروب والتعقيدات والتشابكات.

وحسب قول أحد الخبراء فإن مصر تريد أن تستقبل التكنولوجيا والاستثمارات الصينية والأمريكية، لكنها لا تريد أن تسلم لأي منهما مفاتيح البنية الرقمية المصرية. المعركة في المستقبل لن تكون على من يبني مصنعا أو يبيع سلاحا، وإنما على من يضع البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي والبيانات.

خلال الزيارة تم التوقيع على عشرات مذكرات التفاهم والاتفاقيات. وما تريده القاهرة ليس فقط هذه المذكرات رغم أهميتها، بل توطين الصناعة والتكنولوجيا وبعض سلاسل الإمداد واستيعاب الصين أكبر قدر ممكن من الصادرات المصرية. وأظن أن ذلك سيكون ملفا مهما في المستقبل.

جاء شي جين بينغ للقاهرة وتم استقباله بحفاوة وزار المتحف المصري الكبير بصحبة الرئيس المصري، والمؤكد أن مجمل الزيارة ونتائجها لن تروق لأمريكا وإسرائيل، وقد نرى نتائج هذه الزيارة متجسدة على أرض الواقع قريبا.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: الجزائر سترسل “بارونات المخدرات” إلى تنزروفت واحدة من أكثر الص…

‫0 تعليق