“جدران من قماش” لنعمة حسن: توثيق العام الأول من حرب الإبادة في غزة | ثقافة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

غزة– تحت سقف خيمة تهتز مع كل غارة، وفي مساحة تضيق على ساكنيها، كانت الكاتبة والأخصائية الاجتماعية نعمة حسن تمسك بهاتفها المحمول. لم تكن تكتب مشروعا أدبيا معدا سلفا لتنشره بعد انتهاء الحرب، بل كانت تدون لحظات الخوف، والنزوح، والموت العشوائي لتنجو بذاكرتها وهي في قلب الحدث.

من تراكم هذه التدوينات الشخصية التي كُتبت عبر “فيسبوك” بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و6 أكتوبر/تشرين الأول 2024، وُلد كتاب “جدران من قماش: العام الأول من الإبادة” (الصادر عن “دار الناشر”، يونيو/حزيران 2026)، ليشكل شهادة حية من داخل الجحيم، تتداخل فيها الأخبار العاجلة بملخصات المآسي، والغضب العارم بنصوص الشعر.

المواطِنة الصحفية

تجاوز حضور ابنة مدينة رفح في فضاء التواصل الاجتماعي حدود التعبير عن تجربتها الفردية، لتؤدي بتلقائية تامة دور “المواطِنة الصحفية”. كانت تلتقط تفاصيل المأساة وتنقذها من النسيان لتنقلها لنحو 49 ألف متابع من قلب النار.

هذا التوثيق اللحظي منح منشوراتها قيمة تاريخية تتجاوز الذاكرة الانتقائية؛ فمنذ الساعات الأولى للسابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، شرعت في رصد أجواء الصدمة، لتدوّن في الخامسة وسبع دقائق مساءً: “السابع من أكتوبر: 150 شهيدا فلسطينيا. 100 قتيل للعدو. 1000 مصاب فلسطيني. 1000 مصاب للعدو. 50 أسيرا للعدو”.

ومع اشتداد القصف في اليوم ذاته، توالت تحديثاتها لتنقل هول اللحظة: “ما زال صوت القصف يأتي من كل مكان، ليلة طويلة جدا والقصف مستمر”. وعندما ألقت طائرات الاحتلال آلاف الأطنان من المتفجرات، اختصرت الكارثة في منشور مقتضب يقطر دما: “مجزرة في جباليا”.

الكاتبة نعمة حسن مؤلفة كتاب جدران من قماش: العام الأول من الإبادة
الكاتبة نعمة حسن مؤلفة كتاب جدران من قماش: العام الأول من الإبادة (الجزيرة)

يوميات الحرب.. توثيق إصابة ابنها

لم تحلّق يوميات نعمة في فضاء المأساة العامة فحسب، بل هبطت لتسجل شظايا الحرب التي انغرزت في لحم عائلتها. في تدوينة تعود إلى 23 أبريل/نيسان 2024، تصف لحظة مرعبة طالت محيط نزوحهم: “فجأة بدأ كل شي يغادر مكانه.. قُصف بيت بجوار المدرسة، وتهدم جدار.. تكسرت كل النوافذ.. وقُطع أصبع القدم الكبير لمحمد ابني”.

ولم يكن الموت بعيدا، فقد التهم أفرادا من محيطها. في مايو/أيار 2024، وعند تلقيها خبر استشهاد ابن أختها، جمعت بين لوعة الوجع ومواساة أختها بكلمات معدودة: “ابن أختي استشهد.. اللهم اربط على قلوبنا. الله يربط على قلبك يا أختي”.

الكاتبة نعمة حسن مؤلفة كتاب جدران من قماش: العام الأول من الإبادة تزور طفلا مصابا خلال الحرب
الكاتبة نعمة حسن مؤلفة كتاب جدران من قماش: العام الأول من الإبادة تزور طفلا مصابا خلال الحرب (الجزيرة)

رصد التحولات والظواهر الجديدة

يوما بعد يوم، تحولت كتابات حسن إلى مرآة تعكس الانهيار المتسارع لحياة الغزيين؛ من التجويع إلى التعطيش وسقوط المنظومة الصحية. وثقت أوامر الإخلاء القسرية التي طالت مناطق القطاع، لا سيما في صيف 2024، لتصرخ في 16 أغسطس/آب عبر صفحتها: “أوامر إخلاء.. وين نروح.. وين نروح.. وين نروح.. والله لن نسامح”.

وعندما تحول البحث عن لقمة العيش إلى رحلة نحو الموت، سجلت في 29 فبراير/شباط مفارقة شديدة القسوة حول الهجمات على طوابير المساعدات: “جاءت الشاحنات محملة بالمساعدات، وعادت محملة بالشهداء.. كيس الطحين في الشمال اليوم كان ثمنه 120 شهيدا”.

الكاتبة نعمة حسن مؤلفة كتاب جدران من قماش: العام الأول من الإبادة (وهي أخصائية اجتماعية) تشارك في فعالية دعم نفسي واجتماعي للأطفال
الكاتبة نعمة حسن (وهي أخصائية اجتماعية) تشارك في فعالية دعم نفسي واجتماعي للأطفال (الجزيرة)

توثيق الآثار الإنسانية للحرب

لم تقف الكاتبة عند حدود الأرقام المجردة، بل غاصت في التفاصيل الإنسانية التي تختفي خلفها، مسلطة الضوء على الأطفال والأمهات في مواجهة الفقد. حينما دوّنت عبارة: “طفل شعره (كيرلي).. لم يعد لأمه..”، كانت توثق المشهد الأيقوني لوالدة الشهيد يوسف أبو موسى (6 سنوات) وهي تبحث عنه داخل مستشفى ناصر مرددة: “شعره كيرلي وأبيضاني وحلو”.

اقرأ أيضا: كتائب دبابات تتوقف وذخائر مهددة.. أزمة مالية تضرب الجيش الإسرائيلي | أخبار

وفي مشهد آخر يكشف حجم الرعب الذي يلتهم براءة الصغار، كتبت: “كان عايش وينادي عليّ، بس كانت الحجارة في فمه”؛ ناقلةً كلمات طفل نجا من مجزرة وجيء به ليودع إخوته الشهداء. أما ذروة المأساة، فتجلت في تدوينة 11 أغسطس/آب 2024، حين نقلت على لسان أبٍ مكلوم صعوبة التعرف على جثامين أحبائه: “اختلطت الأجساد.. يتم وزن الأشلاء، كل 70 كيلوغراما شهيد.. حكيتلهم ابني عمره 6 سنين، أعطوني كيسا 18 كيلوغراما أشلاء وحكولي أدفنهم، بعرفش إذا هاي الأشلاء لابني أو لا”.

لكاتبة نعمة حسن مؤلفة كتاب جدران من قماش: العام الأول من الإبادة تقدم محاضرة حول تقنيات كتابة الرواية بمدينة غزة
الكاتبة تقدم محاضرة حول تقنيات كتابة الرواية بمدينة غزة (الجزيرة)

الكتابة مساحة للغضب والاحتجاج

تحت وطأة هذا الجحيم الممتد، لم تكتفِ نعمة بالرصد، بل تحولت يومياتها إلى مساحة للغضب العاري من أي تنميق والبوح عن مشاعر اليأس. تجسد هذا في تدوينة 24 مايو/أيار 2024، حين صرخت: “إلى كل من يهمه الأمر.. لم أعد أهتم لشيء”.

وفي تغريدة أخرى، تلخص شعورها بفداحة النزوح وفقدان الوطن: “أنا أعيش في مكب للنفايات.. ليس تشبيها لوضع سيئ، أو سخطا عابرا ضد الأماكن.. إنني فعلا أنصب عريشتي أمام مكب للنفايات.. الوطن لم يعد يتسع لأحد يا صفية”. هذا الثقل الوجودي دفعها لتساؤل مؤلم في 27 مايو/أيار: “منذ البداية.. هل كان يعرفنا الشقاء ليلتصق بنا بهذا الإلحاح؟”.

الأدب والشعر في حضرة الإبادة

وسط زحام الأخبار وصرخات الفقد، لم تتخلَّ نعمة عن هويتها كشاعرة (صاحبة إصدارات “حيث رقص اللهب” و”لم يكن موتا” و”رسائل بفعل فاعلة”). تخللت التوثيق نصوص شعرية ونثرية حاولت عبرها استعادة الخيال وتفاصيل الحياة العادية في مواجهة القصف. في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كتبت محاوِلةً الهروب ذهنيا:
“أنا أمرأة من المدينة التي لا تغفو
أدخن كثيرا
حتى لا يراني غبار الحرب
بعض هذيان الحرب”

وتتكرر هذه المحاولة اليائسة لترويض الموت واستعادة الحياة في نص دوّنته في 9 أكتوبر/تشرين الأول:
“أذهب لسماع صوت الطائرات
الحديث مع جارتي عن موعد الكهرباء
مشاهدة الأغاني بدل نشرة الأخبار
إقناع الموتى أنهم ما زالوا أحياء
وترتيب خزانتي قبل المغادرة
لا أملك منطادا
سأشرب قهوتي قبل نفاد البن من الدكان
وأدعي أنني بخير”

وفي نص آخر شديد الحميمية، تستحضر الحب والموسيقى وطفولة الأشياء لمقاومة الظلام وانقطاع الكهرباء:
“كيف نتعلم الحب والطائرات تحلّق؟
نلوّن الورق
ثم نشدّ الخيط نحو عُلبة السُكّر الفارغة
لنصنع غيمة
أين يذهب صوت فيروز حين تنقطع أسلاك الكهرباء؟
تشعل عود ثقاب ليراها الليل”.

الكاتبة نعمة حسن مؤلفة كتاب جدران من قماش: العام الأول من الإبادة
الكاتبة نعمة حسن مؤلفة كتاب جدران من قماش: العام الأول من الإبادة (الجزيرة)

بهذا المزيج البديع والمؤلم، يبدو كتاب “جدران من قماش” أقرب إلى نص مفتوح على أكثر من قراءة؛ فهو يوميات امرأة تعيش الحرب، وشهادة توثيق، وصرخة غضب، وقصيدة كُتبت في الخيمة. صورة متكاملة لا تسعى دائما لتفسير الحدث، بل لتنقش أثره الغائر على أرواح من عاشوه.

اقرأ أيضا: الاحتلال يفتتح مستوطنة جديدة ضمن كتلة “غوش عتصيون” جنوب الضفة المحتلة

‫0 تعليق