“الذات والدواة”.. سعيد بنسعيد العلوي يكتب عن الكتابة حين تصبح سؤالًا عن الإنسان

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

من “المحبرة” إلى “المعنى”..
كتاب جديد يضع الكاتب والقارئ والنص في مواجهة أسئلة الذاكرة والنسيان والحقيقة
والتخييل

ماذا يحدث للإنسان عندما يكتب؟ وهل الكتابة
مجرد وسيلة لنقل ما نعرفه إلى الآخرين، أم أنها لحظة نكتشف فيها أشياء عن أنفسنا
لم نكن نعرفها قبل أن نمسك بالقلم؟

اقرأ أيضا: تحقيق مع داود أوغلو بتهمة إهانة أردوغان بعد إعادة تداول مقطع قديم

من هذه الأسئلة ينطلق المفكر والكاتب
المغربي سعيد بنسعيد العلوي في كتابه الجديد “الذات والدواة.. حديث في
الكتابة والمعنى”، الصادر عن “المركز الثقافي للكتاب” سنة 2026،
ليضع الكتابة نفسها موضوعًا للتأمل، لا بوصفها تقنية أو حرفة فحسب، وإنما
باعتبارها علاقة مع الذات واللغة والآخر والزمن.

ويبدو الكتاب، في جانب منه، حصيلة تجربة
كاتب راكم سنوات طويلة في الكتابة الفكرية والأدبية والروائية، قبل أن يعود ليسأل
عن الأداة التي لازمته طوال هذه الرحلة: ماذا تفعل الكتابة بالكاتب؟ وماذا تفعل
الكلمات بالتجربة التي تريد أن تمثلها؟

عندما يكون العنوان هو المفتاح

قبل الدخول إلى مضمون الكتاب، ثمة قاعدة
نقدية تستحق التوقف عندها: العنوان هو آخر ما ينتجه الكاتب، لكنه أول ما ينبغي على
القارئ أن يشتغل عليه. فالكاتب يصل إلى العنوان بعد أن يكون قد قطع رحلة الكتابة كاملة أو
معظمها؛ أما القارئ فيبدأ منه.

ولهذا فإن العنوان ليس مجرد بطاقة تعريف
بالنص، سواء تعلق الأمر بقصيدة أو رواية أو مقال أو دراسة نقدية. إنه، في كثير من
الأحيان، نص مكثف داخل النص، وإشارة أولى إلى الطريقة التي يمكن أن يقرأ بها العمل.

يرى بنسعيد العلوي أن الكتابة تؤدي وظائف متداخلة؛ فهي تواصل ونقل للمعنى، لكنها في الوقت ذاته تفكير في المعنى وإنتاج له. وهذا التصور يخرج الكتابة من كونها مجرد قناة بين الكاتب والقارئ. فالكاتب قد يدخل إلى النص وفي ذهنه معنى محدد، لكنه أثناء الكتابة يكتشف أن اللغة تقوده إلى معنى آخر، أو تكشف له جوانب لم تكن واضحة قبل أن يبدأ.

ومن هذه الزاوية، يبدو عنوان “الذات
والدواة” شديد الدلالة. فلماذا “الذات”؟ ولماذا “الدواة” تحديدًا؟

وإذا كانت الدواة، في معناها اللغوي، هي
المحبرة التي يوضع فيها الحبر، فإن وضعها إلى جانب “الذات” يحولها من
مجرد أداة مادية إلى رمز لفعل الكتابة ذاته.

إننا أمام ذات تكتب، لكننا أمام سؤال أعمق
أيضًا: هل تظل الذات كما هي بعد الكتابة، أم أن الكتابة تعيد تشكيلها؟ هنا يصبح
العنوان مفتاحًا لقراءة الكتاب كله.

الدواة.. محبرة تحمل أكثر من حبر

تدل “الدواة” في العربية على
المحبرة، أي الوعاء الذي يحفظ الحبر ويهيئه للكتابة. لكن الدلالة الرمزية
للكلمة تتجاوز وظيفتها المادية. فالدواة مرتبطة بالقلم، والقلم مرتبط بالكتابة،
والكتابة مرتبطة بتحويل التجربة الإنسانية إلى لغة. وبذلك يمكن النظر إلى “الدواة”
في عنوان الكتاب باعتبارها استعارة للكتابة نفسها. فالذات تحمل الذاكرة والتجربة والرغبات
والمخاوف والأسئلة، ثم تدخل إلى الدواة؛ أي إلى عالم اللغة. وما يخرج من هذه
العملية ليس بالضرورة نسخة مطابقة لما كان في داخل الإنسان، وإنما معنى جديد تشارك
اللغة في صناعته.

وهنا تبرز واحدة من أهم أفكار الكتاب:
الكتابة ليست نقلًا للمعنى فقط، بل تفكير فيه وإنتاج له.

الكتابة.. من التواصل إلى إنتاج المعنى

يرى بنسعيد العلوي أن الكتابة تؤدي وظائف
متداخلة؛ فهي تواصل ونقل للمعنى، لكنها في الوقت ذاته تفكير في المعنى وإنتاج له. وهذا التصور يخرج الكتابة
من كونها مجرد قناة بين الكاتب والقارئ. فالكاتب قد يدخل إلى النص
وفي ذهنه معنى محدد، لكنه أثناء الكتابة يكتشف أن اللغة تقوده إلى معنى آخر، أو
تكشف له جوانب لم تكن واضحة قبل أن يبدأ.

إن الكتابة هنا ليست عملية ميكانيكية يضع
فيها الكاتب فكرة جاهزة على الورق، وإنما هي عملية تفكير تحدث باللغة ومن خلال
اللغة. ومن ثم يصبح فعل الكتابة
تجربة معرفية للكاتب نفسه.

مثلث الكاتب والنص والقارئ

ومن القضايا الأساسية التي يشتغل عليها
الكتاب ما يمكن تسميته “مثلث الكتابة”: الكاتب، والنص، والقارئ. فالعمل لا ينتهي بمجرد أن
يضع الكاتب كلمته الأخيرة. عند تلك اللحظة تبدأ حياة أخرى للنص.

ينتقل النص من صاحبه إلى قارئ يحمل تجربة
مختلفة، وذاكرة مختلفة، وأسئلة مختلفة، فيعيد اكتشاف المعنى من موقعه الخاص.

ولهذا لا يبقى المعنى حبيس نية المؤلف. فالكاتب ينتج النص، لكن
القارئ يشارك في إنتاج دلالته. ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين عنوان الكتاب ومضمونه: فـ«الدواة» قد
تكون أداة الكاتب، لكن القارئ هو الذي يبدأ في فك العلامات التي تركها الكاتب على
الورق.

الواقع لا يدخل النص كما هو

ومن الأسئلة التي يطرحها الكتاب أيضًا
العلاقة بين الواقع واللغة. فما نراه في الواقع لا ينتقل إلى الكتابة بصورة محايدة. إنه يمر عبر
اللغة، واللغة تعيد ترتيب الأشياء وتمنحها أسماء وعلاقات ودلالات.

وفي تقديمه للكتاب، يلفت سعيد بنكراد إلى أن
بنسعيد العلوي يحاول التمييز بين “حقيقة ما يرى في الواقع” وبين ما
تضيفه اللغة من تمثيلات وتصورات وتخييلات. وهذا يعني أن الكتابة ليست
مرآة سلبية للواقع، وإنما تدخل في تشكيل الطريقة التي نفهم بها الواقع. فحين نكتب عن حدث، فإننا
لا ننقله فقط؛ بل نختار زاوية النظر إليه، ونمنحه ترتيبًا، ونضعه في سياق، ونمنحه
معنى.

لماذا نكتب؟ مقاومة النسيان أم مواجهة
الموت؟

تصل أسئلة الكتابة في “الذات والدواة”
إلى منطقة أكثر عمقًا حين يتناول الكتاب علاقة الكتابة بالنسيان. فالإنسان يكتب لكي يتذكر. يكتب الأحداث والأسماء
والتجارب والأفكار خوفًا من أن تختفي.

لكن الكتابة لا تقاوم النسيان فقط؛ إنها،
وفق القراءة التي يقدمها بنكراد للكتاب، ترتبط أيضًا بقلق الإنسان من مصيره ومن
محدودية وجوده. فالإنسان يعرف أنه زائل،
ولذلك يحاول أن يترك أثرًا.

ومن هنا يمكن النظر إلى الكتابة باعتبارها
واحدة من محاولات الإنسان لمقاومة الزمن: الجسد يفنى، لكن الكلمة قد تبقى. وهنا يعود العنوان مرة
أخرى إلى الواجهة: الذات هي الكائن العابر، والدواة هي الأداة التي تمكنه من ترك
أثر يتجاوز زمنه.

“الكذب” في الرواية.. هل كل
اختلاق كذب؟

من أكثر موضوعات الكتاب إثارة للنقاش علاقته
بمفهوم “الكذب” في الكتابة الإبداعية. فالرواية، بطبيعتها، تقوم
على التخييل، وقد تخلق شخصيات وأحداثًا وحوارات لم تحدث في الواقع. لكن هل يعني ذلك أنها “تكذب”؟

يرفض بنسعيد العلوي، كما جاء في تقديم
الكتاب، النظر إلى المسألة من زاوية أخلاقية مباشرة، ويدعو إلى التعامل معها من
داخل الممارسة الروائية ومن منظورها الجمالي. فالرواية لا ينبغي أن
تُحاكم لأنها لم تكن كتاب تاريخ، وإنما بمدى نجاحها في الالتزام بشروط الفن
الروائي وقدرتها على بناء عالم مقنع داخل منطقه الخاص.

وفي هذا السياق يقول بنسعيد العلوي: “الروائي يظل روائيا، ومتى حاول أن
يكون مؤرخا فإنه يكون في حالة سطو على صاحب حرفة لها قاموسها وناموسها”. إنها
عبارة تلخص الحدود التي يريد المؤلف رسمها بين الأجناس الكتابية المختلفة.

المؤرخ ليس روائيًا.. والروائي لا ينبغي أن
ينتحل حرفة المؤرخ.. ليس معنى ذلك أن الرواية لا تستطيع الاقتراب من التاريخ، بل
إن عددًا كبيرًا من الأعمال الروائية يقوم على أحداث وشخصيات تاريخية. لكن الرواية حين تستدعي
التاريخ تعيد بناءه وفق شروط الفن.

المؤرخ يبحث عن الوثيقة والواقعة، بينما
يستطيع الروائي أن يدخل إلى المناطق التي لا تستطيع الوثيقة وحدها الوصول إليها:
المشاعر، والهواجس، والصمت، والاحتمالات، وما كان يمكن أن يحدث.

اقرأ أيضا: عقب هجوم ترمب على هوكول.. ناشطون يستحضرون صورة إيفانكا بالحجاب | أخبار

ومن هنا يصبح التخييل طريقًا آخر إلى
الحقيقة، لا بالضرورة الحقيقة الواقعية، وإنما الحقيقة الإنسانية أو النفسية أو
الاجتماعية.

كاتب يفكر في الكتابة من داخل تجربته؟

تكتسب هذه الأسئلة وزنًا إضافيًا عندما نضع
الكتاب في سياق تجربة صاحبه. فسعيد بنسعيد العلوي ليس أكاديميًا يراقب الكتابة من بعيد؛ إنه صاحب
تجربة طويلة في الفكر والفلسفة والتاريخ السياسي، إلى جانب تجربته الروائية.

ومن أعماله الروائية “مسك الليل”،
و”الخديعة”، و”ثورة المريدين”، و”سبع ليال وثمانية أيام”،
و”حبس قارة”، و”مجهول الحال”.

المؤرخ ليس روائيًا.. والروائي لا ينبغي أن ينتحل حرفة المؤرخ.. ليس معنى ذلك أن الرواية لا تستطيع الاقتراب من التاريخ، بل إن عددًا كبيرًا من الأعمال الروائية يقوم على أحداث وشخصيات تاريخية. لكن الرواية حين تستدعي التاريخ تعيد بناءه وفق شروط الفن.

وبذلك يمكن النظر إلى “الذات والدواة”
باعتباره عودة من الكاتب إلى مختبره الخاص؛ أي إلى الكتابة نفسها، بعد عقود من
ممارستها في أجناس مختلفة. إنه سؤال الكاتب الذي ينظر إلى الأداة التي اشتغل بها طويلًا ويسأل:
ماذا صنعت بي؟

إنصاف سلمان.. الكتابة وأعرافها

وقد واكبت تجربة الكتاب قراءة نقدية
للدكتورة إنصاف سلمان بعنوان “تجربة الكتابة وأعرافها عند سعيد بنسعيد العلوي
في كتابه “الذات والدواة”، نشرت ضمن العدد السادس عشر، ربيع 2026، من
مجلة “الأديب الثقافية”.

ويكشف اختيار “تجربة الكتابة وأعرافها”
موضوعًا للقراءة النقدية عن أن الكتاب يفتح الباب ليس فقط أمام سؤال “ماذا
يقول الكاتب عن الكتابة؟”، وإنما أيضًا أمام سؤال “كيف يمارس الكاتب
الكتابة؟ وما القواعد والأعراف التي تحكم هذه الممارسة؟”.

سعيد بنكراد: الكتابة قلق وجودي

أما سعيد بنكراد، مقدم الكتاب، فيضع التجربة
في إطار أوسع، معتبرًا أن الكتاب غني بالمراجع وبخبرة صاحبه، وأنه يمثل تأملًا في
الكتابة وفي الذات الكاتبة. فالكتابة، في هذا التصور، تعبير عن قلق وجودي أصيل. إنها محاولة لفهم العلاقة
بين الإنسان وما يحيط به، وبين الواقع وما تصنعه اللغة منه، وبين ما يتذكره
الإنسان وما يهدده النسيان.

ومن هنا لا يعود الكتاب حديثًا عن “الكتابة”
بمعناها المدرسي، بل يصبح حديثًا عن الإنسان الذي وجد في الكتابة وسيلة لفهم نفسه
والعالم.

حين تصبح الدواة مرآة للذات

في النهاية، ربما تكمن قوة “الذات
والدواة” في بساطة عنوانه الظاهرة وفي كثافة ما يخفيه. كلمتان فقط، لكن بينهما
مسافة شاسعة: الإنسان وأداته، الذات واللغة، التجربة والنص، الكاتب والقارئ،
الواقع والتخييل، الذاكرة والنسيان.

وهذا يعيدنا إلى القاعدة النقدية التي يمكن
أن تكون مفتاحًا لقراءة الكتاب: العنوان هو آخر ما ينتجه الكاتب، لكنه أول ما يجب
أن يفك القارئ رموزه.

وعنوان “الذات والدواة” لا يقدم
إجابة، وإنما يضع سؤالًا. فالكاتب لا يكتب فقط لكي يقول ما في داخله؛ قد يكتب لكي يكتشف ما في
داخله. والدواة لا تحفظ الحبر
وحده؛ إنها تحفظ أثرًا. والكتابة لا تنتهي عندما يجف الحبر على الورق؛ إذ تبدأ حياة أخرى للنص
عندما يصل إلى قارئ يقرأه من تجربته الخاصة.

وربما لهذا يمكن اختزال الرحلة التي يقترحها
سعيد بنسعيد العلوي في سؤال واحد: هل نحن الذين نكتب النصوص، أم أن النصوص التي نكتبها تعيد، في كل مرة،
كتابة شيء في داخلنا؟

اقرأ أيضا: بين الحصانة والكوكايين.. مادورو يجر أميركا إلى اختبار قانوني من محبسه | أخبار

‫0 تعليق