اقرأ أيضا: دوري روشن ينطلق بثلاث مواجهات.. الاتحاد والنصر والشباب والهلال في الواجهة
ربما لا يكون الحديث عن التبرع بالأعضاء سهلًا، لأنه يقترب من مساحة يفضّل كثيرون الابتعاد عنها؛ مساحة الرحيل والفقد وما يمكن أن يتركه الإنسان بعده. لكن صعوبة الحديث لا تعني تجنبه، بل لعلها تدعونا إلى التفكير فيه بهدوء، بعيدًا عن الخوف والضغط والأحكام المسبقة.
فكرة أن يستمر أثر الإنسان بعد رحيله تحمل معنى إنسانيًا عميقًا. فقد يكون أحد أعضائه سببًا في إنقاذ مريض، أو تخفيف معاناة إنسان، أو إعادة البصر إلى شخص فقده. وربما لا نجد صورة أكثر صدقًا للعطاء من أن يمنح الإنسان فرصة جديدة للحياة لشخص قد لا يعرفه.
ومن الناحية الدينية، أجازت دائرة الإفتاء العام الأردنية التبرع بالأعضاء ضمن ضوابط تحفظ كرامة الإنسان، وتمنع الضرر والاستغلال والمتاجرة، انسجامًا مع مقصد حفظ النفس وقوله تعالى: “ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا”. وهو عطاء يمكن اعتباره صدقة جارية يستمر نفعها وأجرها، على أن يكون القرار قائمًا على المعرفة والقناعة والرضا.
ولعل الجانب الاجتماعي هو الأكثر حاجة إلى الاهتمام. فكثيرون قد يتقبلون الفكرة نظريًا، لكنهم يترددون عندما تصبح قريبة منهم. وهذا أمر مفهوم، فالأسرة في لحظة الفقد تكون مثقلة بالحزن، وقد يصعب عليها اتخاذ قرار لم يسبق أن ناقشته. لذلك، قد يكون الحوار المبكر داخل العائلة أهم من بطاقة التبرع نفسها.
ومن منظور الصحة، لا يقتصر التبرع بالأعضاء على قرار فردي أو عملية جراحية، بل يرتبط بقدرة النظام الصحي على تنظيمه بعدالة وكفاءة. فالمرضى الذين ينتظرون عضوًا مناسبًا يواجهون معاناة طويلة وتكاليف صحية ونفسية واجتماعية كبيرة، وقد يمنحهم التبرع المنظم فرصة للعودة إلى أسرهم وحياتهم ومجتمعهم.
ولهذا نحتاج إلى برنامج وطني صحي متكامل للتبرع وزراعة الأعضاء، لا إلى جهود متفرقة أو حملات موسمية. برنامج يضم سجلًا وطنيًا واضحًا، وقائمة عادلة للمرضى المنتظرين، وكوادر مدربة للتواصل مع الأسر، وإجراءات شفافة تحمي المتبرعين والمتلقين وتمنع بيع الأعضاء أو استغلال المحتاجين. فثقة المجتمع لا تُطلب منه، بل تُبنى بالوضوح والعدالة والمساءلة.
اقرأ أيضا: صادر 100 ألف دونم.. الاحتلال يشن حربا ممنهجة لتهويد الضفة…
كما ينبغي أن يجمع البرنامج بين التوعية المجتمعية والرأي الديني والخبرة الصحية، وأن يقدم للناس معلومات بسيطة وموثوقة تحترم أسئلتهم ومخاوفهم. فنحن لا نريد تحويل التبرع إلى واجب يُحاسب الناس على قبوله أو رفضه، بل إلى خيار إنساني واعٍ تتوافر له الضمانات اللازمة.
وقد تبدأ الخطوة الأولى بسؤال بسيط يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل يمكن أن أترك بعد رحيلي فرصة لحياة أخرى؟ لا ينبغي أن تكون الإجابة متسرعة، لكن السؤال يستحق أن يُطرح، وأن نناقشه مع أسرنا، ثم نتخذ قرارنا بوعي ورضا.
التبرع بالأعضاء لا يلغي ألم الرحيل، لكنه قد يمنحه معنى آخر. وربما يتحول جزء من الحزن إلى رجاء، حين تعرف الأسرة أن شيئًا من عطاء فقيدها ما زال يمنح إنسانًا آخر فرصة جديدة. إنها فكرة لا تحتاج إلى ضجيج، بقدر ما تحتاج إلى معرفة وثقة وقلب مفتوح للتأمل.
اقرأ أيضا: باللون البرتقالي ! | أقلام
