
كشفت وثائق داخلية مسربة عن تعاون عسكري وأمني استمر لسنوات بين شركة الصناعات العسكرية الإسرائيلية “إلبيت سيستمز” وأوغندا، شمل تزويد الجيش الأوغندي بطائرات مسيرة وأنظمة متقدمة للمراقبة والاستخبارات، إلى جانب المساعدة في إنشاء بنية تحتية لتشغيلها وتنفيذ عمليات عسكرية.
اقرأ أيضا: مستشارو ترامب يضغطون من أجل التهدئة مع إيران.. انتخابات الكونغرس حاضرة
ويأتي الكشف عن تفاصيل هذا التعاون في وقت تستعد فيه كمبالا لإرسال قوات إلى قطاع غزة، ضمن قوة دولية مقترحة تحت مسمى “قوة تحقيق الاستقرار”، في إطار خطة طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر ما يعرف بـ”مجلس السلام”.
وبحسب تحقيق نشره موقع “دروب سايت نيوز”، استند إلى أرشيف من رسائل البريد الإلكتروني والوثائق التي تم اختراقها من حسابات مرتبطة بشركة “إلبيت سيستمز”، فإن التعاون الإسرائيلي الأوغندي لم يقتصر على بيع الطائرات المسيرة، بل امتد إلى تطوير قدرات المراقبة والاستخبارات وإنشاء قواعد وتجهيزات لتشغيل الطائرات.
وقال الموقع إن الأرشيف سربته مجموعة القرصنة “هاندالا”، قبل أن تنشره منظمة “ديستربيوتد دينيل أوف سيكريتس”، مشيرا إلى أنه أجرى عمليات تحقق تشفيرية من رسائل البريد الإلكتروني الواردة فيه، فضلا عن مراجعة مواد أخرى غير متاحة للعامة.
ورفضت “إلبيت سيستمز” التعليق على طبيعة أنشطتها مع زبائنها، وقال متحدث باسم الشركة إن المواد التي استند إليها التحقيق “لا تعكس بدقة أنشطة الشركة التجارية”. ولم ترد الحكومة الأوغندية على أسئلة الموقع بشأن ما ورد في التحقيق.
من المسيرات إلى منظومة استخبارات متكاملة
وتعود تفاصيل البرنامج، بحسب الوثائق التي اطلع عليها “دروب سايت نيوز”، إلى كانون الثاني/يناير 2019، عندما بدأت أوغندا تشغيل طائرة مسيرة مجددة من طراز “هيرمس 450″، قبل أن تحصل على طائرتين مجددتين من الطراز نفسه في عامي 2020 و2021.
وفي أيلول/سبتمبر 2021، قدمت “إلبيت” عرضا بقيمة 16.1 مليون دولار شمل طائرتين جديدتين من طراز “هيرمس 900″، إلى جانب صيانة طائرة “هيرمس 450” موجودة في أوغندا، وأنظمة للتحكم الأرضي والتدريب والدعم الفني وقطع الغيار.رومع إضافة بنود أخرى، ارتفعت القيمة الإجمالية للحزمة إلى نحو 18.4 مليون دولار.
وكان امتلاك أوغندا لطائرات “هيرمس 900” الإسرائيلية قد ظهر إلى العلن في شباط/فبراير 2022، عندما نشر موهوزي كاينيروغابا، نجل الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني ورئيس أركان القوات المسلحة حاليا، مقطعا مصورا لجنود أوغنديين داخل حظيرة طائرات يقفون أمام إحدى هذه الطائرات.
اظهار أخبار متعلقة
وحددت مجلة “جينز” المتخصصة في الشؤون العسكرية الطائرة في ذلك الوقت بأنها من طراز “هيرمس 900″، ووصفتها بأنها قدرة أوغندية لم تكن موثقة سابقا ومقدمة من إسرائيل.
وأفادت تقارير لاحقة بأن أوغندا تشغل ما لا يقل عن 24 طائرة من هذا الطراز، لكن تلك التقارير لم تقدم أدلة أو معلومات موثقة تؤكد العدد.
وفي آب/أغسطس 2024، تحطمت طائرة مسيرة تحمل علامات أوغندية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وحددها تقرير لفريق خبراء تابع للأمم المتحدة بأنها من طراز “هيرمس 900”.
وتظهر الوثائق أن التعاون بين الطرفين اتخذ منحى أوسع، إذ تضمنت الترتيبات تطوير قواعد أرضية لتشغيل الطائرات، وأنظمة آلية للإقلاع والهبوط، وتجهيزات للتحكم والاتصالات، إلى جانب الدعم اللوجستي وقطع الغيار.
عقود بملايين الدولارات
وتكشف الوثائق عن إبرام اتفاقات متتالية لتعزيز أسطول الطائرات المسيرة الأوغندي. وبموجب اتفاق لتسوية نزاعات مرتبطة بثلاثة عقود سابقة، كان من المقرر أن تزود “إلبيت” أوغندا بطائرة “هيرمس 450” مجددة وطائرتين جديدتين من طراز “هيرمس 900″، إضافة إلى طائرتين جديدتين من “هيرمس 450″، فضلا عن ترقية أنظمة التحكم والاتصالات الخاصة بالأسطول.
وفي آذار/مارس 2024، وقعت الشركة عقدا بقيمة 52.1 مليون دولار لتزويد أوغندا بأربع طائرات “هيرمس 900” مجهزة بنظام المراقبة واسع النطاق “سكاي آي”، إلى جانب أنظمة مراقبة أرضية.
ووفقا للوثائق، كانت أوغندا قد دفعت لـ”إلبيت” 14.2 مليون دولار في عام 2021، على أن تحتسب تلك الأموال ضمن قيمة الصفقة الموسعة.
كما تشير الوثائق إلى أن المعدات التي حصلت عليها أوغندا شملت نظام “إيه إي إس-210” للاستخبارات الإلكترونية، إضافة إلى نظام “سكاي سترايكر”، وهو سلاح إسرائيلي من فئة الذخائر المتسكعة، أو ما يعرف بالطائرات المسيرة الانتحارية، والمصمم للبحث عن أهداف ومهاجمتها عبر الاصطدام بها.
وكانت شركة “ديب سايت ليمتد” المشتري المباشر في عقد عام 2024، فيما حدد العقد الحكومة الأوغندية والاستخبارات العسكرية وقيادة القوات الخاصة باعتبارها الجهات المستفيدة النهائية.
اظهار أخبار متعلقة
قدرات للمراقبة والهجوم
وبحسب التحقيق، تكشف المراسلات الداخلية عن امتلاك المعدات الموردة قدرات تمكنها من مراقبة مساحات واسعة بصورة متواصلة، واعتراض الاتصالات، وإنتاج صور رادارية خلال الليل وفي ظروف الغطاء السحابي. ولا تتوقف الوثائق عند القدرات الاستخباراتية، إذ تشير إلى استعداد “إلبيت” لتزويد أوغندا بقدرات هجومية إضافية.
ففي عرض قدمته إدارة الشركة في كانون الثاني/يناير 2022، ورد في بند خاص بأوغندا أن الشركة كانت تستعد لتنفيذ “عمليات إسقاط ذخائر”، من بينها نظام “ليزارد 3″، الذي تسوقه “إلبيت” لتحويل القنابل التقليدية إلى أسلحة موجهة بالليزر.
كما تظهر الوثائق أن الشركة ساعدت في تطوير البنية الأرضية اللازمة لتشغيل طائرات “هيرمس 900″، بما في ذلك أنظمة آلية للإقلاع والهبوط، فضلا عن توفير قطع الغيار والدعم اللوجستي.
وتضمنت خطط التوسع المقترحة إنفاق نحو 2.3 مليون دولار على قطع غيار لطائرات “هيرمس 900″، إلى جانب عقود صيانة مستقبلية للأسطول.
أعطال ومشكلات في التشغيل
وفي المقابل، تكشف المراسلات الداخلية عن مشكلات واجهت تشغيل المعدات الإسرائيلية في أوغندا.
ففي رسالة مرفقة باتفاق أبرم عام 2021، أبلغ ممثل شركة “ياماسيك ليمتد”، وهي شركة تعمل في قطاع الطيران والأمن بأوغندا، مسؤولي “إلبيت” بأن مقطورة للتحكم الأرضي خاصة بإحدى طائرات “هيرمس 900” تعرضت للغرق بالمياه، ما أدى إلى توقف العمليات.
ورغم ذلك، اقترحت “ياماسيك” لاحقا صفقات إضافية لشراء معدات من “إلبيت”، من بينها مشروع لربط أسطول الطائرات المسيرة بالكامل بمركز استخبارات مقترح، يتولى معالجة وتحليل البيانات التي تجمعها الطائرات وتحويلها إلى معلومات استخباراتية قابلة للاستخدام العملياتي.
ولا توضح المراسلات التي استند إليها التحقيق ما إذا كانت جميع الأنظمة والبنية التحتية المقترحة قد سلمت بالفعل إلى الجانب الأوغندي.
وتحيط كذلك تساؤلات بعلاقة “ياماسيك” بالبرنامج، بعدما اتهمتها منظمة “كونفليكت أرمامنت ريسيرتش” في تقرير سابق بنقل معدات عسكرية كان الجيش الأوغندي يفترض أن يكون المستخدم النهائي لها إلى حكومة جنوب السودان.
وخلص تقرير للمنظمة صدر عام 2018 إلى أن مجموعة من الشركات المرتبطة بمواطنين إسرائيليين وأوغنديين وبريطانيين وأمريكيين، وتتخذ من أوغندا مقرا لها، حصلت على طائرات لمصلحة أوغندا، قبل أن تقوم إحدى تلك الشركات، وهي “ياماسيك”، بتزويد قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان بها، إلى جانب التدريب والأطقم.
اظهار أخبار متعلقة
لماذا تتجه أوغندا إلى غزة؟
وتزامن الكشف عن تفاصيل التعاون العسكري مع موافقة البرلمان الأوغندي، الشهر الماضي، على نشر قوات أوغندية في قطاع غزة ضمن القوة الدولية المقترحة.
اقرأ أيضا: الصفدي: تسهيلات مصرية لنقل جثامين الأردنيين ضحايا حادث جنوب سيناء
وقال وزير الدفاع الأوغندي كيرياوا كيوانيوكا، خلال جلسة برلمانية ناقشت عملية الانتشار، إن “رئيس جمهورية أوغندا مستعد لنشر قوات في قطاع غزة”، مشيرا إلى أن اتفاقا رسميا بشأن وضع القوات سيتم التفاوض عليه بعد موافقة البرلمان.
لكن الحكومة الأوغندية لم تقدم حتى الآن تفسيرا واضحا لأسباب مشاركتها في المهمة، أو طبيعة الدور الذي ستؤديه قواتها، أو المقابل الذي تتوقعه كمبالا.
وخلال النقاش البرلماني، تساءل النائب المعارض حسن كيروميرا: “على أي جانب سيقاتل جيشنا؟”. ويربط تحقيق “دروب سايت نيوز” بين التحرك الأوغندي باتجاه غزة وبين تنامي العلاقات الأمنية والعسكرية مع إسرائيل، التي شملت توقيع البلدين اتفاقا للتعاون الدفاعي عام 2022.
معدات إسرائيلية وأجهزة أمنية أوغندية
ويثير التعاون العسكري بين “إلبيت” وأوغندا اهتماما إضافيا في ضوء سجل بعض الأجهزة الأمنية الأوغندية التي وردت في العقود باعتبارها جهات مستفيدة من المعدات الإسرائيلية.
ففي كانون الأول/ديسمبر 2021، فرضت الولايات المتحدة عقوبات بموجب قانون “ماغنيتسكي العالمي” على أبيل كانديهو، الذي كان حينها قائدا لجهاز الاستخبارات العسكرية الأوغندية.
وقالت وزارة الخزانة الأمريكية عند فرض العقوبات إن كانديهو ومسؤولين في الاستخبارات العسكرية اعتقلوا واحتجزوا وعذبوا أوغنديين بسبب آرائهم السياسية أو جنسيتهم أو انتقاداتهم للحكومة، مشيرة إلى استخدام الضرب والاعتداء الجنسي والصعق بالكهرباء أثناء الاستجواب.
كما تظهر قيادة القوات الخاصة الأوغندية باعتبارها مستخدما نهائيا للمعدات الإسرائيلية، وهي من أكثر الأجهزة الأمنية حساسية من الناحية السياسية، وترتبط بحماية الرئيس موسيفيني وعائلته. وكان موهوزي كاينيروغابا يقود القوات الخاصة قبل توليه قيادة الجيش الأوغندي بأكمله.
تقارب سياسي مع الاحتلال
وترافق تعميق التعاون الأمني والعسكري مع تقارب سياسي متزايد بين القيادة الأوغندية وإسرائيل، خصوصا من جانب كاينيروغابا، الذي عبر مرارا عن دعمه لتل أبيب.
وفي آذار/مارس الماضي، وبعد اندلاع الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، كتب كاينيروغابا في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن العالم “سئم” من الحرب في الشرق الأوسط، مضيفا أن “أي حديث عن تدمير إسرائيل أو هزيمتها سيدخلنا في الحرب، إلى جانب إسرائيل”. وحذف المنشور لاحقا، بحسب التقرير.
وقبل أيام من تصويت البرلمان الأوغندي في السادس من آب/أغسطس على إرسال قوات إلى غزة، كشف كاينيروغابا عن نصب تذكاري في مطار عنتيبي تكريما ليوناتان نتنياهو، شقيق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي قتل خلال عملية تحرير الرهائن في المطار عام 1976.
وفي منشور حذف لاحقا، قال كاينيروغابا إن فكرة إقامة النصب جاءت، بحسب قوله، بعد “أحلام ورؤى” أخبره فيها المسيح أنه ينبغي له بناء نصب ليوناتان نتنياهو في عنتيبي “وألا يخاف العالم”.
وخلال مراسم افتتاح النصب، أشاد كاينيروغابا بالعلاقات المتنامية بين كمبالا وتل أبيب، وقال إن النصب التذكارية “أكثر من مجرد حجر وبرونز”، وإنها تحفظ الذاكرة وتعلم التاريخ وتلهم الأجيال المقبلة.
تاريخ طويل من التعاون العسكري
ولا تعد العلاقات العسكرية بين الاحتلال الإسرائيلي وأوغندا جديدة، إذ تعود جذورها إلى السنوات الأولى لاستقلال الدولة الأفريقية عام 1962، عندما ساعدت إسرائيل في تدريب الجيش الأوغندي وتجهيزه. كما تلقى عيدي أمين، الذي أصبح لاحقا حاكما عسكريا للبلاد، تدريبا عسكريا في إسرائيل، وحافظ على علاقات وثيقة مع مستشارين إسرائيليين.
وبعد وصول أمين إلى السلطة بانقلاب عام 1971، واصلت الاحتلال دعم حكومته في البداية، قبل أن يقطع العلاقات معها عام 1972 إثر رفضها تزويده بطائرات مقاتلة من طراز “فانتوم”، كان يريد استخدامها في صراع محتمل مع تنزانيا.
واتجه أمين لاحقا إلى ليبيا للحصول على الدعم العسكري والمالي، كما تبنى مواقف مؤيدة للقضية الفلسطينية.
وبلغت العلاقات بين إسرائيل وأوغندا أدنى مستوياتها خلال أزمة احتجاز الرهائن في مطار عنتيبي عام 1976، قبل أن يعيد الرئيس يوري موسيفيني العلاقات مع إسرائيل عام 1994.
ومنذ ذلك الحين، توسعت العلاقات الأمنية والاستخباراتية والعسكرية بين الجانبين، وصولا إلى توقيع اتفاق جديد للتعاون الدفاعي عام 2022.
اقرأ أيضا: نتنياهو من غزة: لن ننسحب .. ونسيطر على 60% من القطاع
