من «القاهرة» إلى «بكين» – الوطن

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

منذ ما يزيد على عشر سنوات، غادرت أرض الوطن متوجهة إلى بكين، العاصمة الصينية، فى رحلة عمل طويلة. أذكر جيداً ذلك الخوف الذى سيطر علىّ من الحياة الجديدة التى تنتظرنا، خاصة أن بُعد المسافة الطويلة، واختلاف العادات والتقاليد، كانا يسببان لى نوعاً لم أعتده من القلق.

اقرأ أيضا: مصر والصين.. «القوة والمكانة والهيبة»

والغريب أننى عندما وصلت لتلك الأرض أحسست أنها صورة مصغرة من العالم، فقد استطاعت هذه العاصمة التى تحضن أكثر من 21 مليون نسمة أن تفتح أبوابها لكل لغات العالم ولكل الجنسيات.

فوجئت بأسواقها التى تعرض منتجات تتحدث عن الحضارات والتراث المتنوع، وبشوارعها التى تضم وقت انتهاء العمل جنسيات مختلفة. وفى جامعاتها التى ينتظم فيها آلاف الطلاب من الأجانب، ومطاعمها التى تخرج منها روائح الأطعمة العربية فتملأ المكان، شعرت بدفء غريب.

وبخصوص المنتجات والأسواق المصرية فى الصين فهناك توسع تجارى مصرى داخل الأسواق الآسيوية الكبرى وخاصة فى الصين، وطبقاً للجهاز «المركزى للإحصاء» فهناك ارتفاع قيمة التبادل التجارى بين البلدين لتسجل 11.3 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026 مقابل 9.3 مليار دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025 بنسبة ارتفاع قدرها 21.5%.

وهناك أحياء جميلة هناك، ومن أجملها «حى السفارات» فى بكين، حيث تشاهد أعلام العالم ترفرف فوق مبانيه فى تناغم فريد. وقد تغلبت تلك المشاهد على ألم البعاد الذى أصابنى، فبدأت أبحث عن معناه الحقيقى وما يفعله بنا.

فوجدت أنه إذا كان ألم البعاد له أشكال مختلفة ومشاعر عديدة لا تتشابه مع بعضها ولا تتساوى فى درجات المعاناة، فإن أقساها على الإطلاق هو البعد عن أحضان الوطن بكل ما يضم من معانٍ، وذكريات، وأشخاص، وكيانات، وشوارع وطرقات ومشاعر لا تتكرر.

ويبدو أن رجال السياسة منذ أقدم العصور عرفوا معنى أن يخرج الإنسان من وطنه ويبعد عنه، فجعلوا «النفْى» إحدى أقسى العقوبات التى يمكن أن يتعرض لها المخالفون لقوانين البلاد، أو من يحاولون القيام بأعمال ضد النظم السياسية.

اقرأ أيضا: 9 سبتمبر.. القاهرة تستضيف المؤتمر الدولي للتجميل «ICCE 2026» – الأسبوع

يتحول الشوق المستمر إلى شعور ضاغط عندما يفقد الإنسان الألفة والذكريات المشتركة مع محيطه القديم. ويمر المغتربون بصعوبات بالغة فى التأقلم مع الثقافات الجديدة خلال الأشهر الستة الأولى، مما يولد إحساساً مؤقتاً بالضياع والوحدة حتى وسط الحشود.

ومن أقسى ما قيل عن الغربة مقولة الأديب الروسى إيفان بونين عندما سُئل عن العودة إلى وطنه: «أرجو أن تفهمنى، من الصعب علىّ أن أعود إلى وطنى شيخاً هرماً، فكل أصدقائى وكل أهلى يرقدون الآن فى قبورهم، وسأسير هناك وكأننى أعبر مقبرة».

والحنين إلى الوطن قد يتحول إلى مرض نفسى يعرف بـ«الاجتواء»، وهو يؤثر بشكل سلبى على تفاعل الشخص الاجتماعى من كفاءته الإنتاجية فى العمل أو الدراسة. هذا المرض قد يدفع البعض إلى اتخاذ قرارات متسرعة بإيقاف الدراسة ومغادرة البلد فوراً. ومعظم من يصاب بهذه الأعراض لا يعلم فى البداية ما الذى يحصل معه، وتكون الإصابة ناتجة فى الغالب عن أفكار وعواطف حبيسة يثيرها المغترب فى نفسه.

وبرغم ما قاله الفلاسفة وعلماء الاجتماع والشعراء عن الاغتراب وقسوته، إلا أن الصين نجحت فى كسر هذه القاعدة والقضاء على تلك الأحاسيس السلبية لدى الجاليات الوافدة، بقدرتها الفريدة على المزج بين أصالة التنوع والتغيير السريع، ومنح الجميع فرصاً متساوية للحياة والعمل والنجاح.

اقرأ أيضا: رغم الفوز على بارما .. إقالة مدرب كريمونيزي

‫0 تعليق