
ليست كل القضايا
التي تتصدر منصات التواصل الاجتماعي هي بالضرورة أهم القضايا التي يعيشها الناس، وليست
كل قصة تتحول إلى “ترند” قد وصلت إلى الواجهة مصادفة.
اقرأ أيضا: الدين العام الأمريكي يتجاوز 40 تريليون دولار
ففي عصر الخوارزميات
والإعلام الرقمي لم تعد المعركة على الحقيقة وحدها، بل أصبحت أيضاً معركة على ما الذي
نراه، وما الذي لا نراه، وكيفية صناعة القصة ورموزها، وأي زاوية نختارها من بين زوايا
متعددة للحدث الواحد.
ومن هذه الزاوية
تبدو قضيتان حديثتان في مصر جديرتين بالتأمل، ليس لأنهما متشابهتان في طبيعتهما، وإنما
لأن طريقة تقديمهما للرأي العام تفتح سؤالاً أكبر عن صناعة السردية المصرية: قضية الشاب
الذي طبع على قمصان رموزاً وشخصيات وعبارات مستمدة من التاريخ الإسلامي، وما تبعها
من هجوم واتهامات وصراع حول معنى تلك الرموز؛ وقصة الفتاة التي ظهرت في أعقاب حادث
انفجار مول أرابيلا بلازا وهي تساعد المصابين، فتحولت إلى بطلة إعلامية واحتفت بها
منصات وقنوات عديدة، في حين بقيت مساهمات آخرين، ومن بينهم نساء محجبات، في هامش المشهد
الإعلامي.
لا تكمن المسألة
في الدفاع عن الشاب أو مهاجمته، ولا في الانتقاص من بطولة الفتاة أو التشكيك في شجاعتها.
المسألة الأعمق هي: كيف تتحول الوقائع الجزئية إلى رموز لصراع اجتماعي واسع؟ ومن الذي
يقرر أي زاوية من الحقيقة تصبح هي الحقيقة كلها؟
إن استخدام
الرموز الإسلامية على الملابس ليس جريمة في ذاته، كما أن التعبير عن الهوية الدينية
لا ينبغي أن يتحول إلى تهمة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتجاوز الرمزية الدينية حدود التعبير
الشخصي لتصبح خطاباً يستفز الآخرين أو يحمل رسائل إقصائية أو عدائية ربما تكون اجتهادا
شخصيا خاطئا أو انتقاء متعمدا. وإذا كانت بعض العبارات المتداولة على تلك الملابس ذات
حمولة تاريخية مرتبطة بالحرب أو الجزية أو إخضاع الآخر، فمن حق المجتمع أن يناقش دلالاتها
وأن ينتقد استخدامها في المجال العام.
من يثير مثل
تلك القضايا ولماذا؟ من السذاجة أن نعتقد أنها اجتهاد شخصي لمن يقوم بالطباعة لتلك
الرموز والإشارات والكلمات.
لكن في الوقت
نفسه، فإن تحويل الواقعة إلى حرب شاملة على “الإسلاميين” أو على الرموز الإسلامية،
واستخدامها لتعميم الاتهام على ملايين المصريين، خطأ لا يقل خطورة عن الخطاب المتشدد
الذي يُنتقد. لا يجوز محاسبة دين كامل على خطاب فرد، ولا اختزال المسلمين في أكثر أصواتهم
تشدداً ولا تمثلهم بالطبع، كما لا يجوز اختزال الأقباط في ردود فعل بعض الغاضبين، ولا
العلمانيين في مواقف بعض المتطرفين بينهم.
الخطر الحقيقي
يبدأ عندما تتحول القضية من نقد سلوك أو خطاب إلى حرب هوية، ففي مجتمع متعدد مثل المجتمع
المصري، تكفي شرارة صغيرة لكي تفتح أبواباً قديمة من الشك والريبة. عبارة دينية تصبح
فجأة دليلاً على “أسلمة المجتمع”، ورد فعل قبطي يصبح دليلاً على “كراهية
الإسلام”، وموقف علماني يصبح “إلحاداً”، وإشارة إلى مصر القديمة تصبح
“عداءً للعروبة والإسلام”. وهكذا تنتقل المعركة من الأشخاص والأفعال إلى
الهويات الجماعية، فيصبح كل مصري ممثلاً مفترضاً لجماعة، ويصبح الدفاع عن الذات دفاعاً
عن طائفة، والهجوم على شخص هجوماً على ملايين البشر.
وهنا تحديداً
ينبغي التحذير من أخطر نتيجة ممكنة لهذا النوع من الاستقطاب: إرهاب الأقباط
معنوياً وسياسياً حتى يشعروا أنهم محاصرون، وأن الدولة والمجتمع يتجهان ضدهم، وأن عليهم
الانكفاء على جماعتهم أو اتخاذ موقف عدائي من بقية المجتمع وتصدير صورة مشوهة للخطاب
الإسلامي الجامع. هذا السيناريو كارثي.
الأقباط ليسوا
أقل مصرية، وليسوا جماعة أجنبية تحتاج إلى حماية من المصريين المسلمين. وفي المقابل،
المسلمون المصريون ليسوا كتلة متطرفة ينبغي أن تُعامل باعتبارها متهمة حتى تثبت براءتها، فالإسلام هو الدين الرسمي للبلاد. كلاهما جزء من النسيج الاجتماعي المصري، وكلاهما يدفع ثمن أي حرب هوية تُشعل في المجتمع.
إن دفع الأقباط
إلى الخوف من محيطهم، أو دفع المسلمين إلى الشعور بأن هويتهم الدينية مستهدفة، يخدم
النتيجة نفسها: تمزيق المجال الوطني المشترك وتحويل المواطن إلى عضو في معسكر.
ومن زاوية
أخرى للترند المقابل، قصة الفتاة التي ساعدت المصابين في حادث أرابيلا بلازا قصة إنسانية
تستحق الاحتفاء؛ شجاعتها ومبادرتها، ولا سيما مع كونها طالبة طب، أمر يستحق التقدير.
لكن البطولة الإنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى مسابقة في المظهر أو الهوية، فإذا كان
هناك آخرون ساعدوا المصابين، ومن بينهم محجبات، فإن تجاهل مساهماتهم من حيث الفعل والظروف
يطرح سؤالاً مشروعاً حول كيفية اختيار الإعلام لوجه القصة.
ليس المطلوب
أن ننتقص من الفتاة كي ننتصر لغيرها، المطلوب أن نسأل: هل نحن أمام احتفاء بالبطولة
أم صناعة لنموذج اجتماعي بعينه؟
هذه نقطة جوهرية،
لأن الإعلام لا يصنع الحقيقة من العدم، لكنه يستطيع أن يصنع ترتيباً للحقائق. يستطيع
أن يكرر صورة شخص حتى يصبح رمزاً، وأن يمر على أشخاص آخرين مروراً عابراً. يستطيع أن
يضع قضية في مركز الاهتمام ويترك قضية أخرى على الهامش، وقد تفعل الخوارزميات الشيء
نفسه دون توجيه مركزي، لأن المحتوى الأكثر إثارة للغضب والاستقطاب غالباً ما يحصد انتشاراً
أكبر.
ومن هنا يمكن
أن نستدعي نظرية المؤامرة والقول إن جهة واحدة تدير كل شيء، ومن زاوية أخرى ينبغي أيضاً
ألا نكون ساذجين تجاه قدرة الإعلام والمنصات والحسابات المنظمة على صناعة الأجندة وتضخيم
بعض القضايا.
قد لا تكون
الدولة هي التي صنعت كل شرارة، لكنها مثل أي سلطة سياسية يمكن أن تستفيد من بعض الحرائق
أكثر من غيرها. وقد لا يكون هناك مخطط مركزي لتقسيم المصريين، لكن النتيجة السياسية
للاستقطاب تبقى قائمة: حين ينشغل المجتمع بالسؤال “من الأكثر مصرية؟” و”من
الأكثر إسلاماً؟” و”من يكره من؟”، يتراجع سؤال آخر أكثر أهمية: كيف
يعيش المصريون؟
ماذا عن الأسعار؟
ماذا عن الأجور؟ ماذا عن التعليم والصحة؟ ماذا عن فرص العمل؟ ماذا عن الديون والاستثمار
والخدمات؟ ماذا عن الحريات والعدالة وسيادة القانون؟ هذه هي الأسئلة التي تمس حياة
الناس اليومية.
اقرأ أيضا: مطار بيشة.. بوابة جوية توفر تجربة سفر أكثر سهولة وانسيابية
عندما يستغل
كل طرف رد الطرف الآخر لإثبات روايته الأصلية تتضخم الكراهية، ويصبح المعتدلون أقل
صوتاً، بينما يحصل المتطرفون على أكبر مساحة؛ يجب الانتباه الى أن هذه هي الدائرة التي
يجب كسرها.
مصر ليست ملكاً
للإسلاميين، ولا للكمايتة، ولا للعلمانيين، ولا للأقباط، ولا لأي حزب أو جماعة أو مؤسسة،
مصر أكبر من كل هذه التصنيفات. تاريخها أقدم من الخلافات السياسية الحالية، وشخصيتها
تشكلت عبر طبقات متراكمة من الحضارات، والثقافات واللغات، حتى أصبحت الهوية المصرية
نفسها نتاجاً لهذا التراكم؛ وفي إطار قيمي وأخلاقي يتسع للجميع ويبعث على التراحم.
المصري المسلم
لا يحتاج إلى أن يثبت أنه مصري بالتخلي عن إسلامه، والمصري القبطي لا يحتاج إلى أن
يثبت مصريته بالعداء للإسلام، والعلماني لا يحتاج إلى مهاجمة الدين كي يثبت مدنيته،
ومن يعتز بتاريخ مصر القديمة لا يحتاج إلى إلغاء 1500 عام من التاريخ المصري اللاحق.
كل هذه الطبقات موجودة في مصر، لكن الدولة الحديثة لا ينبغي أن تكون ملكاً لأي طبقة
منها.
ومن هنا فإن
واجبنا اليوم ليس أن نسأل فقط: من صنع هذا الترند؟ بل أن نسأل سؤالاً أكثر أهمية: إلى
أين يقودنا هذا الترند؟ ومَن المستفيد من أن يتحول المصريون من مواطنين تجمعهم مصالح
مشتركة إلى جماعات تخاف بعضها بعضاً؟
إذا كان هناك
من يتعمد إشعال حرب الهوية، فعلينا ألا نمنحه الوقود، وإذا كان الأمر مجرد خوارزميات
وجمهور غاضب وإعلام يبحث عن المشاهدة، فالنتيجة لا تصبح أقل خطورة؛ لأن المجتمع الذي
يتعلم أن يكره نفسه يمكن أن يتمزق دون أن يحتاج أحد إلى تمزيقه من الخارج.
ومصر، في هذه
اللحظة، ليست بحاجة إلى حرب جديدة بين مكوناتها، هي بحاجة إلى عقل هادئ يرفض التطرف،
ويرفض في الوقت نفسه شيطنة المتدينين، يحمي الأقباط دون تحويلهم إلى أقلية خائفة، ويحمي
المسلمين من التعميم والوصم، ويرفض تحويل التاريخ إلى سلاح، والدين إلى بطاقة اتهام،
والهوية إلى خندق.
فالترند ينتهي
بعد أيام، أما الكراهية التي يزرعها فقد تبقى سنوات. ومصر التي نجت عبر تاريخها الطويل
من تغير الحكام والحضارات والأديان والاحتلالات، لا ينبغي أن تخسر نفسها في معركة على
شاشة هاتف.
مصر ليست معسكراً
ضد معسكر ولا تخضع لحكم العسكر؛ مصر وطن يتسع للجميع، والمصري قبل أن يكون عضواً في
أي جماعة هو مواطن. ومن هنا يجب الحذر ممن يشعلون النار في وسط الدار ونتوقف عند الإجابة
على السؤال الأكثر إثارة: مَن المستفيد؟!
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
اقرأ أيضا: بريطانيا: لن نقف مكتوفي الأيدي تجاه تدمير إسرائيل حل الدولتين
