دار لشهر العسل وأخرى للمطلقات.. أوقاف عجيبة أنشأها المسلمون | ثقافة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

في مدينة فاس في العصر المريني، كان كبار السن بلا رعاية خاصة ممن ليس لديهم عائل أو ابن يقوم على رعايتهم، بعد أن وهنت صحتهم وضعفت، فكان الحل من كبار تجار فاس وأعيانهم، بأن بنوا دارا في فاس عرفت بدار الشيوخ، وهو ما يعرف في عصرنا بدار المسنين.

اقرأ أيضا: ديسكو مصر: أحمد سعد بيقطع علينا وعايزين نعمل ريمكس لـ طيبة تاني لا

لم تكن دار الشيوخ في فاس دارا عادية بل نموذجا يدرس، فقد كان يزور شاب الشيخ المسن مرتين في الأسبوع ليسري عنه بطرق مختلفة، بل ويصحبه مرة كل أسبوع إلى جنان فاس لكي يجعله يتنزه ولا يظل حبيس الدار.

هنا نرى رعاية فائقة، فلم يكن أي مسن يدفع مبالغ مالية نظير ذلك، كان الوقف يتكفل بكل شيء: الطعام والرعاية الصحية له، إنها حضارة الرحمة فالرحمة هي القيمة العليا في الإسلام.

لم تكن دار الشيوخ في فاس دارا عادية بل نموذجا يدرس، فقد كان يزور شاب الشيخ المسن مرتين في الأسبوع ليسري عنه بطرق مختلفة، بل ويصحبه مرة كل أسبوع إلى جنان فاس لكي يجعله يتنزه ولا يظل حبيس الدار

في كثير من الأحيان يبدو على السطح أن التاريخ الإسلامي هو تاريخ سياسي بامتياز قائم على الصراع على السلطة، في حين أن التاريخ الإسلامي أعمق من هذا بكثير.

ولدت في الحضارة الإسلامية سلطة نسميها مجازا سلطة المجتمع في إطار علم العمران الذي نشأ في القرون الأولى في التاريخ الإسلامي، وهو علم الحياة الدنيا في الحضارة الإسلامية وغايته سعادة الإنسان على الأرض.

ولما كانت غايته سعادة الإنسان على الأرض التي كلفنا الله سبحانه وتعالى بعمارتها، فلا بد أن يقوم المجتمع بعيدا عن الصراعات الدامية بوظائف تقود إلى توفير الحد الأدنى لمتطلبات الحياة حتى يعيش الإنسان بكرامة، فما هي إذا المسؤوليات التي تقوم بها هذه سلطة؟ إنها الرعاية الاجتماعية والصحة والتعليم.

عزيزي القارئ: أعرف أنك ستصدم حين تعرف أنني أروي لك ما لم تقرأه من ذي قبل، كيف للمجتمع أن يقوم بكل ما سبق؟ في حقيقة الأمر عبر مؤسسة الوقف التي خضعت لإشراف صارم من القضاء، وكانت تقوم على وقف أراض زراعية ومنشآت تجارية وصناعية وغيرها ليكون ريعها ممولا لكل ما سبق.

فكيف مارس المجتمع سلطته في هذه المجتمعات؟ إن الكثيرين في عصرنا لا يدركون أن التكايا والأربطة التي شيدت للمتصوفة أساسا للقيام بهذا الدور، لم تكن حضارتنا تترك كبار السن مشردين بلا مأوى، ومن هذه الأربطة رباط السلطان بيبرس الجاشنكير الذي شُيد في القاهرة في العصر المملوكي.

وقد كان هذا الرباط بمثابة دار لإيواء المحتاجين ومن قعد بهم الوقت وذات نظام خاص فصله الواقف في وثيقته، فقد جعل بها إقامة كاملة لثلاثين فردا من المنقطعين المجردين؛ أي كبار السن.

كما جعل لسبعين منهم أن يترددوا على هذا الرباط من ذوي الأسر ويعودون في نهاية اليوم إلى منازلهم وأسرهم، ولكنهم كانوا يحصلون على نفس الامتيازات من خبز وطعام، حيث كان يصرف لكل من بالرباط الطعام واللحم وثلاثة أرغفة من خبز البر في كل يوم، كما جعل لهم الحلوى، وكان يقدِّم في الإقامة عتقاء الواقف والجند البطالين وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت.

اشترط المنشئ “ألا يقيم بهذا الرباط أحد ممن يخدم عند الأمراء، حيث اشترط فيمن يقبل في هذا الرباط أن يكونوا من المتصفين بالفقر والمسكنة وأن يكون ظاهرهم للخير”، وذلك حتى يضمن ألا يخرج الرباط عن هدفه في تقديم خدماته لمن يستحقها ومن هو في حاجة فعلية لهذه الخدمات

وكانت خدمات هذا الرباط مثلها في ذلك مثل كل المنشآت التي تقدم خدمات الرعاية الاجتماعية تتأثر بالظروف والأزمات السياسية. فحينما قل الفيضان في عام 776هـ، أبطل الطعام من الرباط وتعطل المطبخ ولكن استمر صرف الخبز، كما صرف بدلا من الطعام مبلغ 7 دراهم لكل فرد منهم ثم زيدت إلى 10 دراهم، ولما حدث عجز الفيضان مرة أخرى في عام 796هـ أغلق المخبز الذي كان يمد الرباط بالخبز، وصرفت لهم النقود بدلا من الخبز.

وقد اشترط المنشئ “ألا يقيم بهذا الرباط أحد ممن يخدم عند الأمراء أو بنحوه، حيث اشترط فيمن يقبل في هذا الرباط أن يكونوا من المتصفين بالفقر والمسكنة وأن يكون ظاهرهم للخير”.

وذلك حتى يضمن ألا يخرج الرباط عن هدفه في تقديم خدماته لمن يستحقها ومن هو في حاجة فعلية لهذه الخدمات، ولم يشترط فيمن يقيمون به سوى أن يبتعدوا عن البدع التي لا تجوز شرعا.

وقد جاء في نص الوثيقة أن: “الواقف المسمى أعز الله نصره وضاعف ثوابه وأجره وقف ذلك رباطا على مئة من المسلمين المتصفين بالفقر والمسكنة، يكون ظاهرهم للخير، وهم متصفون بصفة أرباب الزوايا غير مبتدعين ما لا يجوز شرعا وعادة، أو هو مشهور بذلك، يكون منهم ثلاثون نفرا بالصفة المذكورة التي يراها الناظر والشيخ، يقيمون بالرباط المذكور وباقيهم مترددون لذلك، ومن جميعهم الشيخ والإمام والمؤذن والخادم والبواب، ويقدم من يرغب في الانقطاع من عتقاء الواقف المذكور وذريتهم من الذكور”.

رباط البغدادية

أنشأته السيدة الجليلة تذكار باي خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس في عام 684هـ/ 1285 بداخل الدرب الأصفر تجاه خانقاه بيبرس الجاشنكير بالقاهرة.

وقد أوقفته الشيخة الصالحة زينب ابنة أبي البركات المعروفة ببنت البغدادية، فأنزلت به ومعها مجموعة من النساء الخيرات يساعدنها في إدارته.

وكانت عالمة زاهدة قانعة خيرة تعظ النساء وتفقههن، وصارت كل من قامت بعدها بمشيخة هذا الرباط يطلق عليها اسم البغدادية (توفيت 714هـ / 1314)، وقد أدرك المقريزي مؤرخ القاهرة هذا الرباط عامرا وأدرك به إحدى المرشدات وهي “الشيخة الصالحة سيدة نساء زمانها أم زينب فاطمة بنت عباس البغدادية توفيت وقد أنافت على الثمانين، وكانت فقيهة وافرة العلم، زاهدة قانعة عابدة، وكان لها قبول زائد ووقف حسن في النفوس”.

اقرأ أيضا: البحرين ترحب بنجاح جهود الوساطة الإماراتية في إنجاز عملية تبادل جديدة للأسرى بين روسيا وأوكرانيا

كان هذا الرباط موقوفا على النساء المطلقات حتى يتزوجن، أو من هجرهن أزواجهن حتى يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن من الانحراف، واشتهر ذلك الرباط بشدة الضبط وغاية الاحتراز والحفاظ على الأخلاق والمواظبة على العبادة.

رباط تنكز

أحد أشهر أربطة القدس، أوقفه الأمير تنكز بن عبد الله في عام 730هـ/ 1329 على مجموعة من النساء العجائز المسلمات، وحدث أن تعدى عليه عمر بن عثمان وسكن به، فطلب منه القاضي أن يخرج من الرباط، فقال إنه يعمل بوابا على الرباط، وبالرجوع إلى نص الوقفية تبين أن البوابة خدمة تقوم بها واحدة من نساء الرباط (إبراهيم ربايعة، القدس في العصر العثماني، ص 342).

كان “رباط البغدادية” موقوفا على النساء المطلقات حتى يتزوجن، أو من هجرهن أزواجهن حتى يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن من الانحراف، واشتهر ذلك الرباط بشدة الضبط وغاية الاحتراز والحفاظ على الأخلاق والمواظبة على العبادة

أوقاف الشريفات

هما داران بعدوة القرويين في فاس مخصصتان لإقامة النساء المعوزات، يجدن بهما الملجأ الآمن تحت مراقبة عريفات ونقيب، ويستفدن يوميا مبلغا من المال للنفقة ويأخذن كسوة كل سنة، منهما دار بزنقة المشاطين قرب ساحة الصفارين، ودار بحومة واد الرشاشة.

دار الثقاف

وهو وقف على النساء اللاتي يقع النفور بينهن وبين بعولتهن فيصرف ريعه عليهن حيث يقمن في دار تُسمى “دار الثقاف”، آكلات شاربات إلى أن يزول ما بينهن وبين أزواجهن من النفور.

وهذا النوع من الوقف عرف بمدينة مراكش وفاس حيث شيدت الدار قبالة رأس الشراطين بعدوة القرويين، وكان الزوجان المتناوشان يسكنان في هذه الدار بين قوم صالحين ثقة يستعين بهم القاضي لمعرفة المتظلم من الزوجين.

هذا يقودني إلى نوع آخر من طرق الرعاية الاجتماعية في فاس وهي ثلاث دور عرفت بأوقاف العرائس، فرشت وأسست وأوقفت خصوصا للفقيرات واليتيمات، حيث كان ناظر كل دار يقوم بتزويجهن على نفقة الوقف.

كما كن يقضين أسبوعا في الدار التي يمكن أن نشبهها اليوم بفنادق الخمس نجوم، وهذا ما ولد في الغرب لاحقا فكرة شهر العسل.

وفي مكناس بالمغرب أيضا كانت توجد دار لتعريس المكفوفين، فكلما اقترن كفيف بنظيرته أقاما بهذه الدار مراسم الزفاف، والدار كانت تتولى تجهيز كل متطلبات الزواج.

بل من أطرف الأوقاف وقف لإعارة الحلي لكل عروس فقيرة لكي تبدو في ليلة زفافها في أبهى حُلّة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

اقرأ أيضا: منظومة دبي القضائية عززت توسّع المستثمرين بالمنطقة

‫0 تعليق