كشف الباحث الحاسوبي ومهندس البرمجيات محمد صوفان عن نمط لافت في طريقة تفاعل المستخدمين مع المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي، يشير إلى أن التعبير عن الشك أو الاحتمال أو عدم اكتمال المعلومات يرتبط بدخول المستخدمين في النقاش بدرجة أكبر من المحتوى الذي يقدم المعلومة بصورة محسومة.
اقرأ أيضا: أطعمة تدعم التوازن الهرموني.. أكلات بسيطة قد تعزز صحتك العامة
وأطلق صوفان على هذا النمط اسم «لاتماثل عدم اليقين والردود»، في إشارة إلى تفاوت واضح بين استجابة المستخدمين للمحتوى غير اليقيني عبر الردود، وبين أشكال التفاعل الأخرى مثل الإعجاب وإعادة النشر. وظهر النمط أولًا في دراسة تناولت محتوى عربيًا على منصة «إكس»، قبل أن يخضع لاحقًا لاختبار جديد باللغة الإنجليزية وفي سياقات مختلفة.
وتفتح النتائج بابًا لأسئلة تتجاوز مجرد قياس التفاعل: لماذا يدفعنا المنشور الذي يترك شيئًا غير محسوم إلى الكلام أكثر؟ وهل يمكن أن يكون الغموض، في بعض الحالات، عنصرًا يدفع المحادثة الرقمية إلى الأمام أكثر من المعلومة المكتملة نفسها؟ أسئلة تكتسب أهمية خاصة في بيئة رقمية أصبحت فيها الأخبار العاجلة، والمعلومات المتضاربة، والتكهنات جزءًا يوميًا من النقاش العام.
ما هي ظاهرة «لاتماثل عدم اليقين والردود»؟
بدأت ملامح الظاهرة من تحليل منشورات عربية على منصة «إكس» تناولت الشأن اللبناني، حيث سعى صوفان إلى اختبار ما إذا كانت الطريقة التي يُصاغ بها عدم اليقين داخل المنشور ترتبط بشكل التفاعل الذي يحصل عليه لاحقًا.
ويشمل عدم اليقين هنا عبارات من قبيل الشك والاحتمال والتوقع وعدم اكتمال المعلومة، مثل القول إن «القرار قد يصدر قريبًا»، أو أن «التفاصيل لا تزال غير واضحة»، بدل تقديم المعلومة بصيغة جازمة ونهائية.
وأظهرت الدراسة، التي شملت 16.695 منشورًا عربيًا، أن نحو 29.9% من المنشورات تضمنت شكلًا من أشكال عدم اليقين. لكن النتيجة الأكثر لفتًا لم تكن مجرد حصول هذه المنشورات على تفاعل أكبر، بل نوع التفاعل الذي ارتفع بصورة أوضح.
فمقارنة بالمنشورات الأكثر يقينًا، سجلت المنشورات التي تضمنت عدم يقين زيادة بلغت نحو 47% في الإعجابات و65.2% في إعادة النشر، بينما وصلت الزيادة في الردود إلى 81.5%.

ومن هنا جاءت تسمية «لاتماثل عدم اليقين والردود»، إذ لم يرتبط عدم اليقين بزيادة متساوية في جميع أشكال التفاعل، بل ظهر الارتفاع الأكبر بوضوح في الردود، أي في السلوك الذي يتطلب من المستخدم أن يشارك في المحادثة نفسها.
وبقي الارتباط بين عدم اليقين والتفاعل الإجمالي قائمًا حتى بعد أخذ عوامل أخرى في الاعتبار، مثل طول المنشور ووجود روابط وتوثيق الحساب، وهو ما دفع إلى سؤال أوسع: هل هناك شيء في المعلومة غير المحسومة يجعل المستخدم أكثر ميلًا إلى السؤال أو التصحيح أو الاعتراض أو إضافة ما يعرفه؟
يعيد محمد صوفان اختبار الظاهرة في منشورات باللغة الإنجليزية
كان من الممكن أن تبقى النتيجة الأولى مرتبطة بخصوصية النقاش العربي حول لبنان، أو حتى بطريقة التعبير عن الشك والاحتمال في اللغة العربية. لذلك أُعيد اختبار الظاهرة لاحقًا على محتوى باللغة الإنجليزية، وفي سياقات بعيدة عن العينة الأصلية.
وشملت الدراسة الثانية 2.258 منشورًا باللغة الإنجليزية على منصة «إكس»، موزعة على ثلاثة موضوعات مختلفة: سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والتضخم، والسياسة الانتخابية. وكان السؤال هذه المرة مباشرًا: هل سيظهر الارتباط نفسه بين عدم اليقين وزيادة الردود عندما تتغير اللغة ويتغير موضوع النقاش؟
وجاءت النتيجة لافتة. فقد حصلت المنشورات التي تضمنت عدم يقين على ردود أكثر بنحو 82% في المتوسط مقارنة بالمنشورات الأكثر يقينًا، بينما كانت الزيادة في أشكال التفاعل الأخرى أصغر بكثير. وظهر الاتجاه نفسه عبر المجالات الثلاثة التي شملها التحليل، ما أعاد إنتاج النمط الأساسي الذي ظهر في الدراسة العربية.
والأهم أن العلاقة لم تختفِ عند الانتقال من المقارنة الخام إلى التحليل الإحصائي. وبعد ضبط عوامل شملت طول المنشور ووجود الروابط والاختلافات بين الموضوعات، ظل عدم اليقين مرتبطًا بزيادة متوقعة تقارب 13% في عدد الردود، وكانت النتيجة ذات دلالة إحصائية.
هذا التكرار لا يثبت أن عدم اليقين يسبب زيادة الردود، لكنه يجعل تفسير النتيجة بوصفها مجرد خصوصية للغة العربية أو للنقاش اللبناني أقل إقناعًا. فالظاهرة ظهرت أولًا في 16.695 منشورًا عربيًا، ثم عادت للظهور بلغة أخرى وفي موضوعات سياسية واقتصادية مختلفة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة من الأرقام نفسها: ما الذي يجعل المعلومة غير المحسومة تدفع المستخدم إلى الرد، بدل الاكتفاء بالإعجاب بها أو إعادة نشرها؟
لماذا يدفعنا عدم اليقين إلى الرد؟
قد تبدو الفكرة بديهية عند النظر إلى الطريقة التي تدور بها النقاشات اليومية على منصات التواصل. فهناك فرق بين منشور يقول: «سيصدر القرار غدًا»، وآخر يقول: «قد يصدر القرار غدًا، لكن التفاصيل لا تزال غير واضحة». الأول يقدم معلومة مغلقة نسبيًا، بينما يترك الثاني مساحة مفتوحة أمام القارئ ليسأل أو يصحح أو يعترض أو يضيف ما يعرفه.
وهنا قد تكمن إحدى أكثر النقاط إثارة في الظاهرة. فعدم اليقين لا يعني بالضرورة أن المحتوى أكثر أهمية أو أكثر إقناعًا، لكنه قد يجعل القارئ يشعر بأن هناك شيئًا لم يُحسم بعد، وأن مشاركته يمكن أن تضيف إلى النقاش. وقد يظهر ذلك في سؤال بسيط عن المصدر، أو في محاولة لتقديم معلومة ناقصة، أو في تصحيح رواية يعتقد المستخدم أنها غير دقيقة.
ويصبح هذا السلوك أكثر وضوحًا في الأخبار العاجلة والأزمات والانتخابات والقرارات الاقتصادية، حيث تكون المعلومات في مراحلها الأولى غير مكتملة بطبيعتها. عند وقوع حدث كبير، لا تصل التفاصيل دفعة واحدة، تظهر روايات أولية، وتصريحات متضاربة، وتوقعات واحتمالات. وفي مثل هذه البيئات، قد لا يكون المنشور الأكثر حسمًا هو الأكثر قدرة على توليد محادثة، بل المنشور الذي يترك سؤالًا مفتوحًا.
لكن الدراسة لا تجزم بأن هذه هي الآلية النفسية التي تقف خلف الظاهرة. فالبيانات تظهر ارتباطًا متكررًا بين التعبير عن عدم اليقين وزيادة الردود، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد ما إذا كان المستخدم يرد لأنه يريد المساعدة، أو التصحيح، أو الاعتراض، أو لأنه ببساطة ينجذب أكثر إلى المعلومات التي لم تكتمل بعد.
اقرأ أيضا: هدى لـ”وشوشة”: ترددت في تقديم “أنا الديناميت” لهذا السبب!
ومع ذلك، فإن الفارق الكبير بين الردود من جهة، والإعجابات وإعادة النشر من جهة أخرى، يجعل هذا التفسير أكثر إثارة للاهتمام. فالرد ليس مجرد إشارة سريعة إلى الإعجاب بالمحتوى، إنه فعل يتطلب من المستخدم الدخول إلى المحادثة نفسها.
وفي تعليق سابق على نتائج الدراسة، نقلت شبكة «بيغ نيوز نيتوورك»، ومقرها دبي في الإمارات، عن صوفان قوله: «الفارق الأساسي هو أن عدم اليقين لا يزيد التفاعل فحسب، بل يزيد المحادثة نفسها، فالردود هي المساحة التي يحدث فيها النقاش».
وهو ما يثير سؤالًا أوسع: هل تدفعنا المعلومات غير المحسومة إلى المشاركة لأننا نشعر بأن هناك شيئًا ما لا يزال يحتاج إلى إجابة؟
ماذا تعني الظاهرة لمنصات التواصل والإعلام؟
إذا كانت المعلومات غير المحسومة تميل إلى فتح باب أوسع للنقاش، فإن أهمية الظاهرة لا تتوقف عند سلوك المستخدم الفردي، بل تمتد إلى الطريقة التي تتحرك بها الأخبار والمحادثات داخل المنصات نفسها.
فالردود ليست مجرد تفاعل جانبي، هي أحد المؤشرات التي تكشف أن منشورًا ما نجح في توليد محادثة. وإذا كانت بعض أنظمة التوصية تنظر إلى كثافة التفاعل عند تحديد ما يستحق الظهور أمام جمهور أوسع، فإن ذلك يطرح احتمالًا مهمًا: هل يمكن للمحتوى الذي يترك مساحة للشك أو التساؤل أن يحصل، بصورة غير مباشرة، على دفعة إضافية لأنه يدفع الناس إلى الكلام؟
لا تجيب الدراسة عن هذا السؤال، ولا تثبت أن الخوارزميات تفضّل المحتوى غير اليقيني. لكنها تجعل السؤال نفسه أكثر إلحاحًا، خصوصًا في بيئة رقمية يتنافس فيها الناشرون والحسابات على انتباه المستخدمين، ويُقاس نجاح المنشور غالبًا بقدرته على إثارة التفاعل.
وهنا يظهر جانب آخر أكثر حساسية. فقد يكون الغموض أحيانًا نتيجة طبيعية لحدث لم تتضح تفاصيله بعد، لكنه قد يتحول أيضًا إلى أسلوب في الصياغة: سؤال ناقص، معلومة تُطرح بصيغة الاحتمال، أو عنوان يترك جزءًا أساسيًا دون إجابة. مثل هذه الصياغات قد تدفع القارئ إلى التعليق لا لأنه اقتنع بالمحتوى، بل لأنه يريد معرفة ما ينقصه أو الاعتراض عليه أو تصحيحه.
وهذا يضع مسؤولية إضافية على الإعلاميين وصناع المحتوى. فليس كل ما يولد نقاشًا أكثر يقدم بالضرورة معلومات أفضل، كما أن كثرة الردود لا تعني أن الجمهور أصبح أكثر فهمًا للموضوع. وفي الأخبار العاجلة تحديدًا، يمكن أن تصبح المسافة بين «المعلومة التي لم تُحسم بعد» و«المعلومة المصاغة بطريقة تستغل عدم الحسم» ضيقة للغاية.
أما بالنسبة للجمهور، فقد تساعد الظاهرة في تفسير سبب تحول بعض المنشورات غير المكتملة أو الملتبسة إلى ساحات نقاش واسعة، بينما تمر معلومات أكثر وضوحًا دون الضجيج نفسه. وربما يكون السؤال الأهم الذي تفتحه الدراسة هنا ليس فقط لماذا نرد، بل ما الذي يجعل بعض أشكال عدم اليقين أكثر قدرة على إبقائنا داخل المحادثة الرقمية؟
وفي المحصلة، تقدم دراستا صوفان مؤشرًا متكررًا على أن عدم اليقين قد يرتبط بطريقة مختلفة في استجابة المستخدمين للمحتوى الرقمي، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالردود والمشاركة المباشرة في النقاش. وبينما لا تسمح النتائج بالقول إن عدم اليقين يسبب هذا السلوك بصورة مباشرة، فإن ظهور النمط في لغتين وموضوعات مختلفة يمنحه أهمية تستحق مزيدًا من الاختبار.
وتفتح «لاتماثل عدم اليقين والردود» بابًا أمام أسئلة أوسع حول طبيعة التفاعل على المنصات: هل نشارك أكثر عندما تكون المعلومة ناقصة؟ وهل تتحول المساحات غير المحسومة في الأخبار والنقاشات إلى نقاط جذب للمحادثة؟ أسئلة لا تزال بحاجة إلى دراسات إضافية، لكنها تضع ظاهرة مألوفة في الحياة الرقمية اليومية تحت اختبار علمي أكثر وضوحًا.
اقرأ أيضا: من النووي إلى مضيق هرمز.. جاستن توماس يكشف ارتباك استراتيجية ترامب في حرب إيران
